]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

اللامنتمي وقيمة الوجود الانساني عند كولن ولسن

بواسطة: فواد الكنجي  |  بتاريخ: 2015-03-03 ، الوقت: 16:19:55
  • تقييم المقالة:
اللامنتمي وقيمة الوجود الانساني عند كولن ولسن

فواد الكنجي

اللامنتمي هو عنوان اول كتاب يؤلفه الكاتب البريطاني (كولون ولسون (1931 -2013) وهو في سن الخامسة والعشرين ، وقد صدر الكتاب عام 1956. 
الكتاب، يبحث في أهم مشكلة من مشاكل فلسفة قرن العشرين وهي مشكلة قيمة الوجود الإنساني ، مشكلة الإنسان الحديث، فالكتاب هو عبارة عن دراسة تحليلية لأمراض البشر النفسية في القرن العشرين ، وقد أثار الكتاب، ولا يزال الى يومنا هذا يلفت انتباه الكثير من المفكرين و يثيرا اهتماماتهم لما تضمن الكتاب من دراسة للفلسفة الوجودية وتعاليم فلسفة الحياة، لذا جاء كتاب اللامنتمي محمل بنزعات لاعقلانية، معارضة للتفسيرات العقلية والعلمية للوجود الإنساني، ولكن هذا لا يعني أن هذه المذاهب هي المصدر الأساسي لأفكار المطروحة في الكتاب ، بكون كولن ولسن قارئٍ هضم بإمعان تاريخ الفلسفة والآداب والفنون ومجمل الحقول الإبداعية والمعرفية للإنسان، الأمر الذي يذهب بنا لأكثر من ذلك ، لاسيما أنه لا يذكر بوضوح المفكرين الذين تركوا بصماتهم في فلسفته، ولكن قراءة متمعنة في فلسفته يمكننا من خلال الإطار العام لآرائه، أن نحدد منابع تفكيره، لذا نقول إن كولن ولسون تاثر بافكار نيتشه و برغسون و إشبنغلر و توينبي ، و جورج فوكس وغورداييف وراما كريشنا والشاعر بليك و هوسرل و وايتهيد و بمدرسة علم النفس الحديث، فكولن ولسن بهذا الخلفية الفكرية استطاع أن يعالج، لأول مرة، موضوعا جديدا، هو موضوع نفسية(الإنسان اللامنتمي)، الإنسان الذي لا ينتمي إلى حزب أو عقيدة، الانسان الذي يمضي في طريقه المظلمة، مستسلما حينا .. ومتمردا حينا آخر، وقد ترك كولن ولسون انطباعا مؤثرا لدى كل من قراءه لتحليله الفلسفي العميق لمعنى الوجود الإنساني، الذي قاده إلى البحث عن العديد من الظواهر الأخرى ومنها أصول الدافع الجنسي الذي خصص له مجلدا كبيرا حمل العنوان نفسه وستمر بالكتابة دون اهتمام لهجوم النقاد ، و قد تنوعت موضوعات كتبه بين الفلسفة، و علم النفس، و الرواية، و هنا سنختار بعض من مؤلفاته وهي :
عصر الهزيمة ، قوة الحلم ، اصول الدافع الجنسي ، ما بعد اللامنتمي ، طقوس في الظلام ، ضياع في سوهو ، رجل بلا ظل ، القفص الزجاجي ، ما بعد الحياة ، طفيليات العقل، الدين و التمرد، الاستحواذ ، الانسان وقواه الخفية، البرج عالم العناكب ، الجنس والشباب الذكي، الحالم، الحاسة السادسة ، 
عالم العناكب ج الاول و الدلتا عالم العناكب ج الثاني ، الشعر والصوفية، اله المتاهة، راسبوتين وسقوط القياصرة ، رواية الشك ، سقوط الحضارة ، ما بعد اللامنتمي فلسفة المستقبل، المعقول واللامعقول في الأدب الحديث، موسوعة الألغاز المستعصية ، فكرة الزمان عبر التاريخ ، يربو عدد مؤلفات كولن ولسن على المائة كتاب الى ان رحل يوم الخميس 5 ديسمبر 2013.
و نعود الى كتاب ( اللامنتمي ) الذي يعتبر من الكتب الرائعة في ( دراسة لاهم مؤلفات المبدعين في العالم) ، فان ابرز ما يثيره الكتاب هو الموضوع النفسي للإنسان اللامنتمي، أي ان الكتاب هو بحث في التحليل من ناحية سيكولوجية على الانسان اللامنتمي أكثر من كونه تحليلا أدبيا، و هذا لم يكن سهلا في ظل الإستفاضة التي يتسم بها طرح كولن ولسن ، ومن هنا نستطيع القول بإن كتابه ( اللامنتمي ) هو أعظم كتاب في التحليل صدر في أوروبا منذ كتاب الرائع (سقوط الغرب) لاشبنجلر. ففي مقدمة كتاب (اللامنتمي) يستعرض ناشر (الطبعة العاشرة ) تعريفا له فيقول: ".. أن مشكلة اللامنتمي هي في جوهرها مشكلة الحرية، و تحديدا الحرية بمعناها الروحي العميق، فهو ينشد الحرية و يتطلع إليها لكنه يتعثر في طريق الوصول إليها في عالم يساومه على كل شيء، ويطلب منه مقابلا على ما يعطيه إياه من سعادة مهما كانت ضئيلة. و يسبق ذلك تعريف اللامنتمي بوصفه غير مجنون، و إنما هو فقط أكثر حساسية من المتفائلين صحيحي العقول..." ، اذ ان اللامنتمي حسب اعتقاد كولن ولسن هو الإنسان الذي يدرك ما تنهض عليه الحياة الإنسانيه ، وهو الذي يشعر بان الاضطراب والفوضويه أكثر عمقا وتجذرا من النظام الذي يؤمن بهِ قومه - قوم الانسان اللامنتمي ، كائن من يكون - انه ليس مجنونا ؟ هو فقط أكثر حساسية من الاشخاص العاديين ، للامنتمي هو إنسان سَلبت منه قوة البشر أو قوة الطبيعة، قدرته على الشعور بشيء ما، وبالمقابل منحته قيمة الشعور بعدم قبول الواقع كما هو، مع ظهور شعور بالحاجة إلى تعويض، بهدف أن يجد طريقا إلى نفسه، أما اللامنتمي باعتبار الآخرين، فهو إنسان عليل ولكنه ليس بمجنون، هو إنسان أكثر حساسيةً من الأشخاص العاديين ، " .. فالامنتمي هو من يرى العالم معقولا ولا يراه منظما ، وحين يواجه البرجوازيين بألفاظ بذيئة ويتصرف بشكل فوضوي معهم ، ليس لأنه يشعر بالرغبة في عدم الاحترام و لاثارتهم، و انما لأنه يحس بشعور يبعث على الكآبه ، شعور بأن الحقيقة يجب أن تقال مهما كلف الأمر ، و دون ذلك فلن يكون الاصلاح ممكنا .. بل وان هذه الحقيقة يجب أن تقال حتى وان لم يكن هنالك أمل ما ، و اللامنتمي هو انسان استيقظ على الفوضى ولم يجد سببا يدفعه إلى الاعتقاد بأن الفوضى غير ايجابية بالنسبة للحياة .. بأنها جرثومة الحياة...." ، ويمضي قائلا ".... إنه إنسان يسعى في طلب الانتماء والانخراط في العالم المحيط بصورة طبيعية، ولكنه يتراجع حينما يرى أنه قد لا يسمح له بأن يثبت ذاته في موضعٍ يمكنه من تأدية دورٍ خارج عن الرتابة، الدور الذي يرى أن لا أحد غيره يجيده، إنه شخصية قوية وذكية وحيوية في بعد ما، ومن الطبيعي أن تتحول حيويته، حين يعجز عن التعبير عن ذاته، إلى بحث عن مخارج بواسطة التطرف والشذوذ السلوكي...."
ويقوم كولن ولسون بهذه المعالجة على ضوء دراسة واسعة لشخصية اللامنتمي كما تتجلى في مؤلفات كتب لكبار الكتاب والفنانين، فيحلل آثار كافكا و دستويفسكي و همنغواي و البير كامو وسارتر ونيتشه وفان كوخ ولورنس وهنري باربوس وسواهم ، ويلقي أضواء على روائح هؤلاء الكتاب والفنانين ويتناول في الكتاب عزلة المبدعين من الادباء وشعراء وفلاسفة عن مجتمعاتهم وعن وتساؤلاتهم الدائمة، وعزا ذلك إلى الرغبة العميقة في ايجاد (دين) موضوعي و واضح يمكن له ان ينتقل إلى الاخرين، دون أن يقضوا حياتهم في البحث عنه، لقد كان اللامنتمي في القرن التاسع عشر طفلا لا ينتظر منه ان يكون متشائما ، في الوقت الذي كان فيه الفلاسفة يشبهون برعاة البقر حين يتنافسون في لعبة من العابهم، كما يقول كولن ولسن ، و لم يستطيع اللامنتمي في القرن التاسع عشر ان يعتقد بان الخطا كامن في الطبيعة الانسانية ، لأن الفلسفة التي كانت مهيمنة على ذلك العصر كانت تقول بان الكمال الانساني (شئ يمكن ان يتحقق ) و لهذا فقد ظن ان الخطأ يكمن فيه (هو) و كان يعتبر امرا طبيعيا بالنسبة اليه ان يكون مريضا مثل( شيللر ) و ان يتناول المخدرات مثل (كولرج ) و ان يموت شابا مثل (شيللي) ويتبع ولسن اللامنتمي الرومانسي في ( الام فرتر لغوتيه ) وفي اللصوص (لشيللر) . وكثيرين غيرهم، مثل تيك .. و هولدرلن.. و رامبو.. و مالارميه.. و رلكه.. و بروست ، ف(لورانس) عاش حياة لا انتمائية وحاول إيجاد حل لمشاكله من خلال التفكير، أي أنه اعتمد على العقل في محاولة الإدراك النفسي، فكانت المحاولة فاشلة، لأنه بقي سجين العقل والفكر الذي لا يمكنه تحقيق الحرية بمفرده، أما الرسام (فان كوغ) فقد استبدل العواطف والمشاعر في محاولته فهم ذاته، لكنه فشل لاعتماده على العواطف وحدها لذا حاول (الانتحار)، إلا أن نهايته كانت أشد من الانتحار وهي (الجنون)، بينما رأى أن (فازلاف نجنسكي) راقص الباليه الروسي الشهير فكان معتادا على التراجع إلى أعماق نفسه من خلال جسده، فالرقص طريقة للتعبير الذاتي، أما إذا لم يرقص فإنه يجابه كل مشاكل اللامنتمي، وهذا ما قاده إلى الفشل، ومن ثم للإصابة بالجنون كونه لم يحتمل قيوده الروحية المرعبة، على ان مشكلة اللامنتمي هي في جوهرها مشكلة حية ولهذا فأن كولن ولسن يعود من الادب الى الحياة نفسها فيعتبر فان كوغ .. و لورنس .. و نجنسكي (لا منتميين )، انه يختارهم باعتبارهم نماذج ثلاث للامنتمي يتميز كل واحد منهم ب(مميزات) خاصة ينافس بها الاخرون في انتمائيته الى اللاانتمائيه، ميزات في العقلية.. و الشعور.. و الجسد ، و نجد ان الطريق التي شقها كل واحد من هؤلاء لم تكن مثمرة في حد ذاتها، ذلك ان الامر انتهى بفان كوغ و نجنسكي الى (الجنون) ، في حين لم يكن( انتحار) لورنس العقلي ليقل عن جنون نجنسكي، ان اللا منتمي كولن ولسون كما تناوله في كتابه (اللامنتمي) هو إنسان منبوذ ضمن سياق الحضارة الغربية، وهو إذ يتمرد فإنه يضمر السياق (الانتحاري ) لذات داخلية تعذبه وتشعره بالغثيان ، وهو الامر الذي يمهد لذاته وأرادته في أي لحظة أن (يمسك مسدسا ويطلق الرصاص على جمجمته المكتظة بتساؤلات لا تجيب عليها الحضارة الحديثة رغم ما حققته من وفرة ورفاه للإنسان الحديث)، ان (اللامنتمي الوجودي) الذي تكون درجة استشعاره في درجة ضبابية واللاحقيقية أوضح ما تكون عنده، حيث لا يكاد يلمس أثرا للمعنى في كل ما يقوم به، و تنتهي كل تجاربه العقلية و الشعورية إلى الشعور بالخذلان و الخيبة العميقة، و تاتي رواية (الغثيان) لجان بول سارتر، كأبرز مثال على هذه الحالة، فقد جاء على لسان البطل: "... ليس الغثيان داخلي، إنني أحس به في خارجي، هنالك في الحائط، في الحمالات، في كل مكان حولي.." ، وكذلك نجد الحال في اللامنتمي عند ديستويفسكي.. و نيتشه.. و هنري باربوس.. و كافكا.. و همنغواي.. وغيرهم، كما يقول كولن ولسن ، وقد عبروا عن المشكلة اللا انتمائية بالكتابة عنها تارة، وفي عيشها تارة أخرى، فاللامنتمي إنسان يشعر بانعدام قيمة الحياة التي يعيشها.. يشعر بتفاهتها وخلوها من المعنى.. ذلك لأنه ارتفع إلى مستوى عال من الإدراك.. إذ إنه أكثر حساسية من غيره.. ورؤيته للعالم أكثر عمقا واتساعا.. وعلى ذلك يذكر كولن ولسن شخصيات عانت المشكلة اللا انتمائية كتجربة معاشة إلى النهاية مثل لورنس العرب .. فان كوغ.. فازلاف نجنسكي.
ثم يتطرق كولن ولسن في كتابه إلى (اللامنتمي الرومانسي)، و هو لا يختلف عن اللامنتمي الوجودي في شعوره باللاحقيقية، و عدم قدرة محيطه على إشباع رغباته لاسيما رغبته في الخلاص و التحرر، إلا أنه يختلف عنه في كونه حالما و شاعرا بالحاجة إلى وضعه في محيط خاص به، فهو يخشى أن لا يكون العالم مخلوقا لمواجهة متطلباته الروحية، و هنا يورد كولن ولسن مقطعا ل (ستيفن ديدالاوس ) بطل إحدى روايات (جيمس جويس) الذي بدأ حياته باعتباره معدا ليكون شاعرا: "... ضايقه صراخ الأطفال و هم يلعبون، و جعلته أصواتهم الحمقاء يشعر بأنه مختلف عن غيره من الأطفال، و لم يكن راغبا في اللعب، و إنما كان يريد أن يلتقي في هذا العالم بالصورة المعنوية التي يحتفظ بها في ذهنه دائما، و لم يستطع أن يعرف أين يجدها... أو كيف....! .....".
ومن هنا نقول بان كولن ولسن انطلق من رؤية فلسفية متفائلة تنكر مجمل الأقوال والنزعات التشاؤمية المحبطه للعزيمة في الفلسفة الوجودية، كونها احتوت على أفكار توحي بفشل الإنسان في تقديم الحلول الايجابية في ماهية الوجود، لاسيما للذين يسعون إلى إيجاد حلول روحية تتناسب مع النمو والتطور المادي الذي بلغته الإنسانية في القرون المتأخرة، من هذا المنطلق أخذ كولن ولسون يقيس الأقوال والآراء الفلسفية ويتفحصها ويصدر أحكامه بصددها، ولم يبدأ بنقده الوجودية من كيركيغارد – باعتباره اول فلاسفة الوجوديين - وإنما من الرومانسية التي يعتبرها الأرضية الممهدة لظهور الوجودية، فيما يعامل الوجودية على أنها رومانسية ناضجة، وهنا يضرب لنا كولن ولسن مثلا على اللامنتمي النموذجي في الادب الحديث فيطرح لنا بطل قصة باربوس (الجحيم ) الذي يلجأ الى غرفته في الفندق ليغلق بابها و يعيش ليرقب الاخرين من ثقب في الحائط ، انه كما يقول باربوس (( يرى اكثر و اعمق مما يجب )) و هو لا يرى الا الفوضى ....! 
و تعطينا كراسة ( ولز) الأخيرة (العقل في منتهى حدود الاحتمال) نذيرا بمثل هذا الاستيقاظ فهنا نجد رجلا عاش حياته كلها منتميا و فجأة يرى الهوة امامه ....... فيصرخ مدعيا اننا لم نكن ذاهبين الى اي مكان ......! اننا لم نكن ذاهبين الى اي مكان ...! مقطعا في غاية الروعة ... ، و يتابع كولن ولسن طبيعة اللامنتمي خلال قصة كامو (الغريب) و اعمال ارنست همنغواي الاولى و بطريقة اشد طرافة في مسرحية كرانفيل باركر ( الحياة السرية ) والرومانسية التي ينتقدها كولن ولسن في كتابه اللامنتمي هي تلك التي مرت أو كانت مرحلة في الأدب والفن بخاصة في تاريخ الثقافة الأوروبية الغربية، بدأت في أواخر القرن الثاني عشر حتى أواسط القرن التاسع عشر، كما يقول ، ومثلت نزوعا ذاتيا إلى استنطاق ال(أنا) وتغليب تصوره للعالم، إنها ثورة ضد العقلانية والروتينية ومادية العلم وصرامة التكنولوجيا وآلية الصناعة، وانطلاقاً نحو اللانهائي، نحو التحرر المتمركز على الإنسان وقدراته.
والرومانسي هنا - وكما يقول كولن ولسن - ليس الفرد الحالم مرهف الحس، بل ذاك النموذج البطولي الذي يواجه حقائق عصره المؤلمة، إنه نموذج للعبقرية، ومن أبرز رواد هذه الرومانسية غوته.. وبايرون.. و هاييني.. و هيرد.. و فيكتور هوغو.. و كولريدج .. وغيرهم. 
ثم يتناول ولسون مفهوم (الألم) عند اللامنتمي و خصوصيته لديه، فانخفاض هذه العتبة و حساسيته الفائقة لهذا الألم، و ارتفاع سقف قناعته في الوقت ذاته إلى جانب عقله الناقد تشكلان طبيعته بحيث تطمح لإيجاد شيء تتفق معه كل الإتفاق، و إلا فإنه ليس بحاجة للإيمان بما لا يقبله عقله، و لا تستسيغه روحه العميقة ، ثم ينتقد كولن ولسون الفكر الغربي الحديث الذي يخضع الإرادة للوجود المحدد، ويتفحص الحياة من دون الركون إلى دور الإنسان في اختفاء المعنى والغاية وكأنه لاينتمي إلى طبيعة حياته، فالفكر الغربي جعل الإرادة أسيرة الحاضر، لذا لا تجد لها مكانة متميزة في الفلسفة الغربية - بستثناء فلسفة نيتشه - الأمر الذي أصابها بالضعف والخمول، أما إذا تحررت الإرادة من قيود الاهتمام بالوجود المدرك فإن العالم يأخذ بالتغير شيئاً فشيئاً وبما يثير القدرات الحيوية في الإنسان وهذا ما يمر به اللامنتمي في لحظات يسميها كولن ولسون (الرؤيا)، فالحرية ( الحرية ) التي فقدها الإنسان هي الحرية الوجودية التي تلتقي مع الإيمان بقيمة الوجود، فكولن ولسن هنا يقول في كتابه اللامنتمي ان "... مشكلته في الاساس هي مشكلة الحرية .. هو يريد أن يكون حرا ويرى أن صحيح العقل ليس حرا، ولا نقصد بالطبع الحرية السياسية ، وانما الحرية بمعناها الروحي العميق .. ان جوهر الدين هو الحرية ولهذا غالبا ما نجد اللامنتمي يلجأ إلى مثل هذا الحل عسا ان يجد من خلالها حلا ...." أما القيود فهي السأم والضجر من الحياة اليومية، ومن مستوى الإدراك السلبي الذي لم يتطور بعد، وهذا ما يدفع باللامنتمي الى البحث عن الحرية ، فالحرية كما يقول كولن ولسن ".. الحرية ليست كونك تفعل ما تريد، انها شدة الارادة وهي تظهر في اي ظرف يحدد الانسان ويبعث الحياة في ارادته .." لانها نظام يحوي على أبعادا روحية تحفِز الفرد نحو تحقيق إمكاناته وتحرضه على زيادة الفعل الإنساني الحضاري و هذا النظام هو مايسعى كولن ولسون إلى تحقيقه في فلسفته الوجودية فيميز بين أسلوبي اللامنتمي الوجودي و اللامنتمي الرومانسي في كون الأول يبحث عن الحقيقة، بينما الثاني يقول أين أستطيع أن أجد الحقيقة...؟
فاللامنتمي الرومانسي يشعر بأنه يجب أن تكون هنالك ما يعبر عنه فيقول كولن ولسون بأن "... طريقة في الحياة تتميز دائما بالشدة التي يحس بها الفنان حين يكون ذاهلا ذهوله الخلاق..."، و يرى أن في الحياة إمكانات مثيرة و إن كانت صعبة المنال فهي تستحق هذا الشغف و التعلق و مهما كانت تتسبب في إحباطه لإستحالة أن يعيش على نفس هذا المستوى من الشدة دائما، وعلينا ان نفهم بأن كولن ولسون ( وجودي ملحد)، وتبدو نزعته الإلحادية في اهتمامه بالإنسان بوصفه إله نفسه، ووجوديته تعتبر تفاؤلية إلى حد كبير، وتفاؤليتها غير مستمدة من المسيحية كما هو حال بعض جوانب وجودية ياسبرز .. و مارسيل.. و برداييف.. بل من الإيمان الكبير بقدرات الوعي الإنساني التي لم ترى النور بعد، وإذا ما اكتشفت سيبدو الوجود على نحو مختلف، سيبدو أكثر جمالا ومتعة، إنها تفاؤلية تطورية مزجت باتزان بين البعد الروحي القيمي والجانب القيمي المحدد، وإذ أكدت أنها دين جديد، الإيمان فيه سيعني الاعتقاد بان قدرات إنسانية ماتزال الظلام يكتنفها.‏.!
فالصراع الدامي بين مقولة (الإنسان) ومقولة (الإله) ومدى اتصالهما وانفصالهما بعضا عن بعض، وهذا ما تجعل من اللامنتمي كائنا هشا في مواجهة حضارة لا ترحم، وإن كان يحمل بين جنبيه هما عظيما ونزوعا رؤيويا إلى إعادة بناء الحضارة الإنسانية وفقا للنظام الزمن .. والمكان وبتجلياتهما الغيبية و بطريقة تحفظ التوازنات في الوجودي .
فاللامنتمي يرى الوجود في محدودية العقل لكنه يرغب في نوع من التعويض عن هذه المحدودية، فيصطدم فهو- كما يقول كولن ولسون – "... بمفاهيم اللاحقيقية و اللامعنى التي تمنعه من إيجاد (الخلاص ) من هذه المأزق، كونه يجد أن ممارسته لهذه الحرية مستحيلة في عالم اللا حقيقي، كإستحالة القفز حين يكون المرء في حالة السقوط إلى أسفل..." وهذه هي حقيقة التي يجب ان نفهمها جميعا .


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق