]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الحالُ قبلَ المقال

بواسطة: جهلان إسماعيل  |  بتاريخ: 2015-02-20 ، الوقت: 20:17:44
  • تقييم المقالة:

"لا تصحب من لا يُنهضك حاله ولا يدلك على الله مقالُه".

 كلمات قليلة العدد، تحمل بين طياتها معانٍ عميقة وتنبيهات لطيفة ساقها الله عز وجل على لسان ابن عطاء الله السكندري المتوفى بالقاهرة عام 709 هـ وهو يتحدث عن آداب الصحبة ومواصفات الصاحب.

بدأ ابن عطاء رحمه الله بالحال قبل المقال،وذلك لأن القول وحده لا يكفي إذا لم يكن هذا القول له ما يصدقه من العمل على أرض الواقع، فكم سمعنا من خطب بليغة من خطباء مفوهين يملكون ناصية القول والخطاب، تعج خطبهم بالعبارات المسجوعة والأمثلة المضروبة ولكننا سرعان ما ننسى كل ذلك عندما نرى الخطيب في واد وما قاله في واد آخر.

يقول الإمام الشوكاني –رحمه الله- في فتح القدير ” فحق الواعظ أن يتعظ بما يعظ ويبصر ثم يبصر ويهتدي ثم يهدي ولا يكون دفترا يفيد ولا يستفيد ومسنا يشحذ ولا يقطع بل يكون كالشمس التي تفيد القمر الضوء ولها أفضل مما تفيده وكالنار التي تحمي الحديد ولها من الحمى أكثر ويجب أن لا يجرح مقاله بفعله ولا يكذب لسانه بحاله فيكون ممن وصفه الله تعالى بقوله : { ومن الناس من يعجبك قوله } الآية . فالواعظ ما لم يكن مع مقاله فعال لم ينتفع به إذ عمله مدرك بالبصر وعلمه مدرك بالبصيرة وأكثر الناس أهل أبصار لا بصائر فيجب كون عنايته بإظهار ما يدركه جماعتهم أكثر ومنزلة الواعظ من الموعوظ كالمداوي من المداوى فكما أن الطبيب إذا قال للناس لا تأكلوا كذا فإنه سم ثم رأوه يأكله عد سخرية وهزوا كذا الواعظ إذا أمر بما لم يعمله ومن ثم قيل يا طبيب طبب نفسك فالواعظ من الموعوظ يجري مجرى الطابع من المطبوع فكما يستحيل انطباع الطين من الطابع بما ليس منتقشا فيه فمحال أن يحصل في نفس الموعوظ ما ليس في نفس الواعظ . وقيل من وعظ بقوله ضاع كلامه ومن وعظ بفعله نفذت سهامه . وقيل : عمل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل ."

إن القضية ليست كلاما فحسب، فالكلام يتقنه كثير من الناس، وما أسهل التنظير والتحليل والنقد والكتابة، ولو كان الأمر كذلك ما عرفنا الصادق من الكاذب  قال تعالى: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت

إنه العمل فقط الذي يتمايز به الناس، ويتضح به الصادق من الكاذب ويعرف به المتيقن من المتردد .

 يقول صاحب الظلال رحمه الله :

      (إن الكلمة لتنبعث ميتة وتصل هامدة مهما تكن طنانة رنانة متحمسة إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها ولن يؤمن إنسان بما يقول حقاً إلا أن يستحيل هو ترجمة حية لما يقول وتجسيماً واقعياً لما ينطق عندئذٍ يؤمن الناس ويثق الناس ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولا بريق . إنها حينئذٍ تستمد قوتها من واقعها لا من رنينها  وتستمد جمالها من صدقها لا من بريقها  إنها تستحيل يومئذٍ دفعة حياة  لأنها منبثقة من حياة ).

هذا غاندي يعكس احساسه بالواقع في شبابه عندما سأله رجل رآه يركب في الدرجة الثانية في قطار: أنت غاندي وتركب بقطار الدرجة الثانية؟ فقال: لانه لم توجد هناك درجة ثالثة. فغاندي ترجم احساسه بفقر بلاده بأعماله ولهذا أثرت أعماله في مئات الملايين .

إن الناس لا يتأثرون بالأقوال بقدر ما يتأثرون بالسلوكيات، ولا يثقون بمن لا يصدق فعله قوله.

وإن الأمم لا تنهض بالكلام والأقوال وإنما تنهض بالأعمال والفعال.وإن أي تغيير أو إصلاح لا يمكن أن يحدث لمجرد الحديث عنه وبيان أهميته أو الحاجة إليه.

ويأتي المقال- بلا شك- في الدرجة الثانية بعد الحال في الأهمية والمقال الذي نعنيه هو المقال الذي  يمهد الطريق للحال والعمل ، فإن العامل على غير علم يفسد أكثر مما يصلح وما أجمل أن يجتمع الحال والمقال فعندئذ يكون التمام.


... المقالة التالية »
  • عبد الله | 2016-01-15
    إن الأمم لا تنهض بالكلام والأقوال وإنما تنهض بالأعمال والفعال.وإن أي تغيير أو إصلاح لا يمكن أن يحدث لمجرد الحديث عنه وبيان أهميته أو الحاجة إليه.
    كلام جميل..

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق