]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ثوراتٌ فقدتْ صوابها

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2015-02-07 ، الوقت: 17:05:14
  • تقييم المقالة:

 

 

ثوراتٌ فقدتْ صوابها

 

محمد الحداد

على أرضٍ ممتدةٍ بالظلم والجوعِ والوَجَعِ حطت الثوراتُ العربية رحالها  و بسطت اذرعاً أتعبها سفرٌ طويل على أملِ الظفَرِ بفجرٍ جديدٍ طالَ انتظاره..أسقطتْ دولٌ وتهدمتْ عروشٌ وتبدلتْ وجوهٌ كانت تحكمُ شعوبها بسلطةِ النارِ والحديد..مومياءاتٌ بشرية تجعّدتْ حتى سنواتهم التي قضوها جاثمين فوق الصدور مثل أقدارٍ لا مفرَّ منها لأنهم بايعوا أوطانهم من طرفٍ واحدٍ على أن لا يفلتوا مقاليدها أبداً من أياديهم ما دام في جوفِ جشعهم ثمة عِرقٌ ينبضُ بدمِ الحُكم والسلطان....لكنَّ أملاً أوشكَ أن يبتسمَ أخيراً لمن أدمنوا يأسهم الطويلفما الذي حدث؟

الذي حدثَ أنَّ صانعي تلك الثورات الحقيقيين..وخاطفيها آخرَ الأمر مِمن كانَ يجدرُ بهم أن يروضوا عفريتها المجنون..(ولا نعني بذلك الشعب قطعاً) هم الذين أخرجوا تلك الثورات خفيةً من حساباتِ الوطنِ وأدخلوها أنفاقاً مظلمةجرجروها قسراً إلى غياهبهابمجردِ أنْ قدحتْ أولى شراراتهافأثبتوا لنا أنهم أذكى منا جميعاً..بل وأثبتوا أيضاً أنهم أكبر من تلك الثورات وأهم..لكنَّ الأعجبَ من ذلك هو الذي حصلَ لاحقاً فبعد أنْ خُطفت الثوراتُ لصالحهم ابتدأتْ فوراً لعبة جديدة قذرة وبالغة الخطورة يمكن لنا أن نسميها بلعبةِ التدويل التي أرّختْ لعصرٍ جديدٍ تقاربتْ فيهِ كثيراً أشتاتُ التطرف بعد أن كانت خيوطها الدموية قبل عصر ثوراتنا العربية متباعدة عن بعضها ومتشرذمة هنا وهناك فلضمتْ هذهِ الخيوط المتشابكة معاً يدٌ واحدةٌ تمكنتْ أن تحيكَ منها نسيجاً متواشجاً تحركهُ بخفةٍ من وراءِ ستائرَ مريبةتحجبُ ورائها خرائطَ مرعبة لغدٍ أسود لا يشبهُ الأمسَ في شيء ورويداً رويداً تحولتْ تلك الثورات إلى حروبٍ ميليشياتية طائشة انتهزتْ فرصتها الذهبية التي انتظرتها طويلاً لتدخلَ إلى أوطاننا من بوابةِ الصدفة التاريخية التي ليس من المتيسرِ أنْ تُفتحَ على مصراعيها طوال الوقت.. حروبٌ قذرة يُرادُ لها أنْ تستمرَ إلى الأبد اختلفتْ راياتها المتعددة لكنها اتفقتْ على هدفٍ واحدٍ هو أنْ تجعلَ من المنطقةِ برُمتها ساحة مفتوحة لتصفيةِ كلّ حساباتِ التاريخ والجغرافية والوطنية ضمن معايير سياسية وعقائدية وإثنية صارمة وثمة حلمٌ يراودُ الجميعَ فيها بأن يلتهمَ ما سواهُ فوق موائد أوطانهم المذبوحة..والمؤسف أنَّ ذلكَ كلهُ تمَّ انجازهُ وفقَ الغرائب المنطقية للسياسة..وبدلَ أن يبزغ الفجرُمن أفقِ التغيير خرجَ ماردُ الموتِ من قمقمهِ القديمنافضاً عنهُ ترابَ الزمنلتشتعل إثرَ ذلك فِتنٌ كبرى بين أبناء الوطن الواحد وسالتْ أنهارٌ من الدماء تفاوتتْ أثمانها في أسواق الموتِ الرائجة بحسبِ انتماءاتها الجديدة التي صنّفها عرّابو تلك الثورات.

أثناء ذلك وبعدهُ أيضاً لم يكن من الغريبِ أن تفتتحَ أبوابُ المُضاربةِ على أسْهُمِ وعودٍ مؤجلةٍ إلى زمنٍ زائفٍ لم يأتِ أبداً وقدَّمَ جميعُ الطامحين الجُدد فروضَ ولائهم في بورصةِ هذهِ الثورات كمُقدّمِ صَداقٍ سعياً لفوزٍ حميمي قادم وطمعاً في أن ينالوا مباركة ورِضا رؤوس لعبة التدويل المتطرف  المتربصين بالبلاد والمُحرّكين لخيوطهِ المتشابكة بأياديهم من وراءِ الستائر مقابلَ أنْ يُوقِفوا ما سيجنونهُ لاحقاً من قِطافِ الغدِ كرهينةٍ لِما قدّموهُ سلفاً من عروضِ مَهرهم المُقدَم في سوقِ الدمِ المُباح..وعلى إحدى كفتي ميزانٍ إقليميٍّ أمميّ تربعَ المالُ بثقلهِ المعهود باعتبارهِ عصب السياسةِ الخفي وذراعها القذر وكان الدمُ المسفوح كشأنهِ دائماً ندّاً بخساً ومبذولاً في الكفةِ المقابلةِ الأخرى.

هو واقعٌ مُغلفٌ بالحيرةِ والغموضِ أطلَّ علينا بوجههِ البشع بعد سقوطِ أنظمةِ الاستبدادِ العتيدة وليسَ قبلها في لعنتنا الجديدةِ التيأسميناها بثوراتِ الربيع العربي..واقعٌ لم يبشّر إلا بمزيدٍ من الموتِ والدمارِ والخوف أكثر من ذي قبل ولا تكادُ تستثنى من عبثيتهِ المدمرة إلا ثورة الياسمين التونسية الأنيقة إذ سجّلَ مقياسُ زلازلِ الثورةِ فيها أدنى الأرقام مقارنة بغيرها من الدولِ التي ضربها أيضاً وسجّلَ مقياسهُ فيها أرقاماً أعلى وبضرباتٍ ارتداديةٍ لا زالتْ مستمرة حتى اليوم وكانت وطأتها أشدّ وأعنف..

لا نريدُ أبداً أن نقللَ من القيمةِ التاريخيةِ لثوراتٍ حَسبُها أنها تمكنتْ أن تقتلعَ أشجارَ الطغاةِ المعمّرةِ من جذورها كي لا تعشو أعيننا عن أغلى حسناتِ التغيير لكنَّ الأمرَ برُمتهِ يبدو اليوم بعيونِ يأسنا وخيبتنا كأن صناعة الثورة نفسَها لم تكن سوى مغامرة تجريبية حالمة نجحتْ مختبرياً لكنها فشلتْ على أرضِ الواقع في أن تكونَ كائناً حقيقياً كما خُططَ لهُ أن يكون..ربما لأنها وقعتْ ضحية حساباتٍ خاطئة تعاملَ صانعوها مع الحدثِ كلهِ بشكلٍ عاطفيٍّ مُتسرع وبدلَ أن يصنعوا لنا ثورةَ تغييرٍ شاملة ومتكاملة أنتجوا كائناً يوتيبياً مشوهاً بشكلٍ أبشع مما تحتملهُ بيئتهُ الحاضنة زماناً ومكاناً..ويعنُّ لخيالي أن يصوّرَ هذا الكائن الثوري التجريبي الهجين وقد تفرعنَ فجأة أو أصابتهُ لوثة جنونٍ هستيريةٍ فخرجَ عن السيطرةِ المختبرية قبل اكتمالهِ وانقلبَ على صانعيهِ وأفسدَ اللعبة برمتها..كأنهُ أفلتَ من بين أياديهم وتحوّلَ إلى وحشٍ شرسٍ وجدَ موئلَ حياته الجديدة في شوارعِ الموتِ المُباح حتى أصبحَ يبطشُ فيها بالجميع بلا هوادةٍ..فهل يستقيمُ الأمر حقاً بعد كلِّ الدماءِ التي سُفحتْ على مذبحِ الثورات أن ننظرَ إليها بعيونٍ تقرأها كما تقرأ تراثاً لعيناً متراكماً من مآسي كوميديا الموت السوداء؟ هل يليقُ أن يُحجّمَ دورها الحقيقي إلى الحدِّ الذي تستحقُ فيهِ أن تُحشرَ في إطارٍ ضيقٍ كهذا؟

وفي ذلك كلهِ ثمة الكثير من الأسئلةِ البديهيةالتي أصبحت الشعوبُ تطرحها كلَّ يومٍ بمرارةٍ وحيرةٍ دون أملٍ بالعثور على أجوبةٍ حاسمةٍ يمكنها أن تفككَ بها أسرارَ ما حصل..هو ذاتُ الشعبِ الذي أسعدَتهُ ذاتَ يومٍ بشائرُ التغيير في مفتتحِ الثورات أصبحاليوم يقفُ مذهولاً وعاجزاً عن فهم حقيقة ما يحدث ويسألُبعجب: أين ذهبت الثورة؟ هل نسفناها أم نسفتْنفسها بنفسها؟أين وكيف وقعتْ أخطاؤها القاتلة؟ وهل تستحقُ حقاً كلَّ تلك الدماء التي تُراقُ من أجلهاكلّ يوم؟ما الذي حدث لها حتى انحرفَ مسارها بعيداً عن رحمِ الأحلامِ الذي أنجبها فانزلقتْ نحو اتجاهاتٍكارثيةٍ لا نزالُ نحصدُ فوق دروبها كلَّ يومٍ مزيداً من الموتِ والعنفِ والدمار بوتيرةٍ فوضويةٍ مُتصاعدة؟من حقنا جميعاً أن نعرفَ اليوم ما الذي كانت تريدهُ الشعوبُ المنتفضة أصلاً من تلك الثورات على وجهِ التحديد؟هل استبقتْ أيادينا نحو ثمارها السامة وعميتْ أعيننا عن ثمارها الطازجة في سلالِ التغيير؟وقبل ذلك كلهُ من حقِّ الجميع أيضاً أن يفهموا حقيقة فوضى تلك التجاذباتِ الغامضة التي عصفتْ بالبلاد بجميع نسخها السياسية والقومية والعقائديةوالتي رسّختْ مفهوم العنف كدستورٍ دائمٍ هدفهُ الأكبر أن يُديمَ إنتاج تلك الفوضى باستمرار ويعيدَ ترتيبها في كلِّ مرة بشكلٍ يتناسبُ تماماً مع التقسيماتِ المُريبة لقوى وأطراف طارئة جديدة أصبحت جزءً محورياً فاعلاً في لعبةٍ سياسيةٍ قذرةٍ لها الثقل الأكبر في ميزانِ صراعاتٍ مفتعلةٍ أقليمياً ودولياً.

الويلُ لنا حقاً من جحيمٍ مُستعرٍ لا تفتأُ تنفثهُ فينا كلُّ هذهِ الأسئلةِوغيرها من دونِ أيّ أملٍ بجسرٍ جديدٍ يلوحُ في الأفق القريب يمكنُ لهُ أن يؤوبَ بنا إلى محطةِ حلمنا الأولِ الذي ظللنا الطريق إليه..ذلك الطريق الذي ابتدأتْ منهُ أولُ خطوةٍ تركتْ فوقهُ آثارها الجريئة بحثاً عن حياةٍ جديدةٍفي رحلةِ تغييرٍ كنا نطمحُ أن نستنشق بعدها هواءَ ربيعٍ مُغاير لم نألفهُ من قبل أبداً وأن ننفسَعن صدورنا بعضاً من همومنا الأزليةِ المُزمنة..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق