]]>
خواطر :
إني أرى في عينك براءة الذئابُ ... على ضفاف الوديانُ في الفرائسُ تنتظرُ و تنقضضُ ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مرحاض التعليم “المَخْزاني”

بواسطة: علاء الشاوي  |  بتاريخ: 2015-01-31 ، الوقت: 15:59:41
  • تقييم المقالة:

دروس المنطق والحريات والعدل، جميعها، مجرد أوراق حمام في مرحاض التعليم العمومي… يا للسعادة!!

كنت في ربيعي الثاني عشر أدرس المرحلة الإعدادية، حين اقتادني أستاذ اللغة العربية إلى قاعة المدير وفي يده ورقة إنشائي. أخذ المدير الورقة وشرع في قراءتها، بينما أستاذ اللغة العربية يراقبني بملامح حانقة.. صرخ المدير: كلْب ماحشمتيش! ثم صفعني… انصرف الأستاذ وتركني بين أيدي المدير… كنت قد سمعت قبلاَ أنه من محترفي الملاكمة… يا للسعادة.. بعدها اقتادني نحو مكتب آخر حيث وقعت ورقة التزام لم يمهلني الوقت لقراءتها، ثم انصرفت مغطيا وجهي وتركتهم يتداولون ورقة الإنشاء خاصتي فيما بينهم.. الآن وبعد مرور حوالي أربع سنوات، أسترجع ما كان في الورقة من أسطر… كان الأمر شبه حاسم جعَل جميع أوراقي المستقبلية تفقد عذْريتها، عذرية الصمت… فقد كنت أنا العبد الصالح الماثل أمامك، التلميذ الذي زعزع كيان حوالي ستة أساتذة ومديرا وحراسة عامة… جميعهم لاقوا حتفهم نتيجة طعنات انتقادية بسكين أزرق لا يتجاوز ثمنه الدرهم والنصف… منذ تلك اللحظة تشكل لدي مفهوم الدولة لكن بشكل مصغر داخل جدران القسم، يطبقون علينا ما شاؤوا ثم يرموننا للشارع فيبدو كل شيء طبيعيا مع أنه ليس كذلك، أظن أنهم أطلقوا عليه لقب التعليم “المخزاني” فقط لأنه نسخة طبق الأصل عن المخزن… هناك المدير يحكم، الأساتدة مجرد تابعين، أما السيد بنكيكان المحترم فهو الحارس الملتحي الذي يفتح لنا الباب ويغلقه متى يشاء… يا للسعادة. تبتدئ رواية بيتر بان بالجملة الآتية: “جميع الأطفال يكبرون إلا واحد” بداية جميلة لكن وراءها تختفي حقيقة أخرى هي أن كاتب القصة لم يزر يوما موغريبنا السعيد، فالشبان هنا يتركون المدرسة بنفس المستوى الذي وَلَجوه بها، المهم من التعليم ليس هو تثقيف الشباب وإنما تأخيرهم لبضع سنوات قبل ولوج ميدان الإدمان، لا شيء يتغير، أراهن الجميع أنهم لو وضعوا مجموعة تلاميذ داخل قاعة البرلمان، لوجدوا نبتة “الخنيزة” محكوكة بإتقان أسفل كرسي رئيس الجلسة… طق طق طق ما هذه الرائحة؟ افتحوا النوافذ بسرعة قبل أن نختنق… يصعب علينا حقا بناء المستقبل ونحن أسيرو التعليم العمومي، السبب شبه غامض، أقصد أنه لمدى وضوحه صار غامضا ويزداد الغموض في الثانوية التي أدرس بها… ثانوية أم البنين هي إحدى المؤسسات التي لفظها رحم درب السلطان وجعلها القدر تدخل المنظومة التعليمية بمقوماتها مقومات عكاشة وتازمامرت فهي أشبه بسجن صغير حيث يحثوننا على المجيء كل صباح لنتفاجئ بالأستاذ مريضا أو ميتا فوق الجريدة… يحتاج لتدخين سيجارته الصباحية قبل العودة للحياة… أنت تلميذ في التعليم العمومي وتحلم بأن تصبح طيارا؟ أو “بيلوت” بلكنتك الطفولية البريئة، إذن فعليك بالحشيش يا درويش، لن تحتاج إلى أي مستوى دراسي… فما يصطلح عليه ب”الطريفة” أو “الفرشاخة” هو وسيلة مضمونة للطيران بعيدا عن سطح منزلك إلى عوالم أخرى.. وبثمن يناسب وضعك الاجتماعي… لكن إحذر وأنت تحلق بعيدا أن تحطم “زرواطات” الشرطة جناحيك الضعيفين، لأنك حينها سوف تضطر لمشاطرتهم كل ما لديك فيحلقون هُمْ بينما تتوسد أنت الجدار وتحْلم… المدرسة الحقيقية هي تلك التي نلِجُها مباشرة بعد خروجنا من الثانوية… الشارع… درب السلطان وكل ما فيه من أحياء… درب الفقراء وبوشنتوف ودرب الطلبة، إنها المدرسة الحقيقية، بدل النصوص الشعرية نتغنى بأناشيد الرجاء وأغاني معاذ الحاقد. في الشارع حيث المتشردون أو “الشماكرية” و”البوعارا”… لطالما لقَنونا معادلات الحياة الصعبة… أولائك هم من يتغوَطون في الشارع وتدُوس أنت على فضلاتهم… نعم، لأنهم لم يكونوا مُرْغمين على دخول مرحاض التعليم العمومي، لأنه وببساطة مليء بكثير من الخَراء…


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق