]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

غياب المرجعية الدينية المؤسساتية وإشكالية التطرف الديني

بواسطة: د/ نعيمي عبد المنعم  |  بتاريخ: 2015-01-26 ، الوقت: 18:05:51
  • تقييم المقالة:
إن التّطرف ظاهرة عالمية عابرة للدول تحت عناوين مختلفة أهمها: الإرهاب الديني، وبمضامين متنوعة أهمها: تغيير النظم السياسية وإسقاط الحكومات، هي معضلة حقيقية أرّقت حكومات الدّول العربية والإسلامية فضلا عن دول الغرب، من حيث أنها أصبحت تُمثل تهديدا حقيقيا لاستقرارها الداخلي وأمنها الوطني، وبسببها تكبّدت هذه الدّول خسائر كثيرة ليس في الأرواح فحسب، بل أيضا في حرمانها من استكمال مسيرة البناء والتشييد والاستثمار في حقول المعرفة ومجالات العلم المختلفة، وتحقيق نهضة تنموية على جميع الأصعدة. إن التطرّف الديني له أسبابه ودواعيه والدين منه براء، لكن بعيدا عن سرد الأسباب وذكر الدواعي لست أرى في غياب المرجعية الدينية المؤسساتية وتراجع دورها الإيجابي في إصلاح الراعي والرعية إلا أحد عوامل تفشي ظاهرة التطرف باسم الدين (التطرّف الديني). صحيح أن المرجعية الدينية العلمية كإطارات بشرية علمية مؤهلة ومتخصصة في ميادين العلم المختلفة سيما في ميدان علوم الشريعة الإسلامية قائمة وموجودة؛ غير أنها في بعض البلاد الإسلامية تفتقر إلى التنظيم والتكتّل والتهيكل الإيجابي ضمن هيئة مؤسساتية رسمية تكرّس استقرار الفتوى، وتقريب المواقف أو توحيدها لمواجهة ظاهرة التطرّف المُتفشيّة تحت عنوان الدين وشعار التدين، وتُجسّد مشروعا حضاريا للأمم التي طالما انتظرته يدفع عنها شرّ التطرف ويُغلق بابه. إن المرجعية الدينية المؤسساتية معنية برعاية شؤون الأمة وتعزيز أمنها القومي الإسلامي؛ ويكون ذلك بالذبّ عن بيضة الدين وتخليصه من شبهات الفكر المتطرّف، ودفعه من أن يحيق باستقرار مؤسّسات الدولة وأمن مواطنيها وسلامتها الترابية، وتبليغ بيضاء السنة الصحيحة وإظهار الممارسة القويمة لعملية الإصلاح والتغيير وفق مقتضياته القرآنية وقيوده المأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله سلم بعيدا عن مناهج الإعتساف ومسالك الإنحراف؛ من حيث أنها تمثّل منبرا دينيا رسميا لإرساء رسالة الإسلام الصحيحة الداعية إلى الوسطية والاعتدال. إن تأسيس مرجعية دينية مؤسساتية لا شكّ يقطع الطريق أمام العابثين بمصائر الأمة من ترويج فكرهم الخداج وتسويق منهجهم المعتسف الذي قد يصلّ حدّ استباحة الدماء واستحلال الأعراض، للأسف كل ذلك باسم الدين، (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ). [سورة النور، الآية 15]. وجود المرجعية الدينية المؤسساتية يُساعد على توحيد مواقف العلماء أو على الأقلّ تقريب وجهات نظرهم، وتقليل الإختلاف بينهم إزاء مظاهر التطرّف الديني الذي ترزأُ الأمّة تحت رحمته ويحيد بها عن جادّة الصواب. واجتماع العلماء ضمن هيئة رسمية يرسم الطريق الصحيح نحو حلّ إشكالية توحيد الفتوى وما ينجرّ عنها من مخاطر، خاصة فيما يتعلّق بالنوازل الجسيمة التي تحلّ بالأمة نحو: ظاهرة التطرّف الديني المُشار إليه. وعليه، فإن تعطيل دور المرجعيات الدينية في شقها العلمي (العلماء) لمجابهة ظاهرة التطرف الديني على سبيل المثال؛ أجده مرتبط بغياب أو ربما تغييب دور التنظيم المؤسساتي لرعاية عمل هذه المرجعية الدينية العلمية ورصّ صفها، وتوجيهها الوجهة الشرعية الصحيحة نحو خدمة الأمة وحمايتها من كلّ فكر متطرّف وافد وإن تلفّع بمروط الدين وتزيّا به.    بالمختصر المفيد، أعتقد جازما أن غياب المرجعية الدينية المؤسساتية في حدّ ذاته لا يصنع التطرّف لكنه يُساهم في انتشاره؛ من حيث أنّ التفاف ذوي الهيئة والرّتبة المتخصصين شرعيا وعلميا في مؤسسة علمية واحدة تُعنى بالنظر الشرعي في النوازل والوقائع؛ يُسهم في وأد التطرف الديني في مهده، والحدّ أو التقليل تدريجيا من تأثيراته السلبية، كذلك يُساعد على تصحيح المفاهيم والأفكار والإيديولوجيات التي تقف من وراء التطرّف وتُسوّق له، وإزالة ما يُثيره من شبهات على مستوى الفكر والعقيدة والمنهج والسلوك. في الأخير أنبّه إلى أنه من الخطأ البيّن ربط مظاهر التطرّف والأصولية المتشدّدة بالدين الإسلامي تحديدا أو حتى بأيّ دين سماوي آخر؛ ذلك أن استباحة الدماء واستحلال الأعراض والأموال باسم الدين كشريعة أو باسم التديّن كممارسة للشريعة ليس من الدين في شيء. إن الإشكال في أساسه أراه إشكالا فكريا مرتبطٌ بسوء فهم تعاليم الدين والتطرف في تطبيقها والتشدّد في ممارستها، مع وجود المناخ السياسي الآسن والوضع الإجتماعي العفن المناسبان لتفريخ المُتطرّفين في زوايا التدين المشبوه، وقطعا الأديان السماوية جميعها تبرأ من ذلك وتنبذه ولا تدعوا إليه. ولو رجعنا إلى تعاليم قانون الإسلام سنجده عنوانا للسلام، لم يأت محمد صلى الله عليه وآله وسلم لينحر رقاب الناس بنصل السكين أو يجزّ الرؤوس بحدّ السيف. إن محمدا عليه الصلاة والسلام جاء برسالة البشارة والنذارة لمن كان له قلب عقول أو ألقى السمع وأصغى للحقيقة المحمدية فيلحق بركبها فينجوا ويُحصّل السعادة في الدارين. من المهم التأسيس لمرجعية دينية مؤسساتية مستقلة عن إملاءات السياسيين وتحكم السلطويين التنفيذين، تقف سدّا منيعا في وجه دعاة التطرف الديني المُنظّرين والفاعلين له. مرجعية دينية تقود أمم الإسلام ودوله في ظلّ تحديات واقع يزخم بمشاهد التطرف الديني المقيت الذي لا يرحم، وتُنير لها حوالك دروبها ومسالكها فلا تقع تحت رحمته أو على الأقل هذا الذي يبدوا لي. هو مُجرّد رأي والرأي مُختلف يؤخذ منه ويُرد خلا قول الله تعالى وقول نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وتبعه وسلم.   كتبه: د/ عبد المنعم نعيمي. أستاذ بكلية الحقوق- جامعة الجزائر 1. naimi.abdelmounaime@gmail.com
« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق