]]>
خواطر :
“كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

صراع الأجندات في أوكرانيا

بواسطة: صابر النفزاوي  |  بتاريخ: 2015-01-24 ، الوقت: 02:25:53
  • تقييم المقالة:

علينا أن نسلّم ابتداء بالتوصيف الذي أطلقه “صمويل هنتنغتون”عام 1999 في مقاله”القوة العظمي المنعزلة”عند حديثه عن “آحادية التعددية القطبيّة”كإطار للعلاقات الدوليّة مابعد سقوط الاتحاد السوفييتي،فعلا.. فنحن إزاء مناخ دولي “مؤمرك”[بنصب الراء وكسرها]؛قوة عظمى وحيدة وبعض القوى الكبرى التي تحاول التخفيف من وطأة الهيمنة الأمريكيّة ،ولاشكّ أنّ روسيا إحدى هذه القوى العنيدة التي تسعى للعب دور أكبر وأبعد من حدودها ،وتأتي الأزمة الأوكرانية التي طوت عامها الأول لتقدّم نموذجا حيا لصراع الأجندات الجيو-استراتيجيّة بين “بوتينيّة” تكابد لاستعادة شيء من الفردوس السوفييتي الضائع وغرب متأمرك –أي موجّه أمريكيا- يصرّ على استمالة كييف إلى فلكه. بادئا ذي بدء علينا أن نسجّل وجود انقسام حقيقي وتاريخي في أوكرانيا بين غرب وشرق ،فهذا البلد يعيش أزمة هويّة لها جذورها التاريخية العميقة ،فلقرون طويلة حكمت روسيا القيصريّة شرق البلاد فيما حكمت المملكة البولنديّة غربها لتحدث بذلك حالة انفصاميّة تجذّرت سياسيا بعد مصادقة البرلمان الأوكراني على قانون الاستقلال يوم 24 أوت 1991 إذ صارت الجمهورية السوفياتية السابقة محل نزاع بين روسيا والغرب. وقبل الخوض في موضوعنا المعقّد هناك مطلب منهجي علينا تلبيته عبر رصد موجز لتسلسل الأحداث. في شهر نوفمبر 2013 فاجأ الرئيس الأوكراني يانوكوفيتش مواطنيه بالتراجع عن توقيع اتفاقية الشراكة الأوروبية مفضلا الانخراط في اتحاد جمركي مع روسيا،وهي الخطوة التي اشعلت فتيل اضطرابات واسعة في مناطق عديدة من البلاد ولاسيما في غربها وشمالها واحتشد المحتشدون الغاضبون في ساحة الاستقلال بالعاصمة كييف مطالبين بعزل يانوكوفيتش وهو ما كان بعد 3 أشهر من الاحتجاجات والاعتصامات حيث تمّ طرد الرئيس ،ولم يتأخر الرد الروسي على خسارة حليفها واقتراب أوكرانيا من الفلك الأوروبي حيث سارعت موسكو بإرسال قواتها إلى شبه جزيرة القرم في الجنوب الأوكراني وقامت بضمّها مستندة إلى حقها القانوني في حماية السكان ذوي الأصول الروسيّة الذين طالبوها بالتدخّل،وتأتي نتيجة الاستفتاء حول الالتحاق بالاتحاد الروسي –تأييد 96.77 بالمئة من السكان- لتعزّر الموقف “الشرعي”لموسكو صاحبة الحق التاريخي في شبه الجزيرة التي وهبها الرئيس السوفياتي خروتشوف لمسقط رأسه أوكرانيا عام 1954.
..وتنساب الأيام وتتدحرج كرة الثلج الأوكرانية إلى حدّ إعلان قيام دولتين من حانب واحد شرق البلاد دونيتسك ولوغانسكعلى أساس استفتاء شعبي أقيم يوم 11 ماي 2014 وجاءت نتيجته مؤيدة للاستقلال عن كييف،ليتحوّل بذلك الصراع إلى أكثر الصراعات الجيوسياسيّة حدّة بعد الحرب الباردة. وفي خضمّ الصراع الدائر في الجمهوريّة السوفييتيّة السابقة تنقدح أسئلة كبرى تتعلّق أساسا باسباب تمسّك الروس بأوكرانيا وطبيعة الأهداف الأمريكية المتعلّقة بالمنطقة والتردد الأوروبي إزاء الملف الأوكراني…

1- تمسّك موسكو بأوكرانيا:
------------------------------
– أخذ الصراع على النفوذ في أوكرانيا في الاحتداد منذ لحظة عزل البرلمان للرئيس الأوكراني المنتخب فيكتور يانكوفيتش،فموسكو استقبلت رسالة سلبية بعد حصول ما اعتبرته انقلابا على إرادة الأوكرانيين وتهديدا لمصالحها خاصة بعد إقدام الحكومة الانتقالية على إمضاء الاتفاقية الاقتصادية الأوروبية المثيرة للجدل ولم تكن تلك الواقعة الرسالة الوحيدة بل تلتها رسائل سلبية أخرى كان من بينها قمع الحراك الاحتجاجي في القرم جنوب البلاد وسن قانون يمنع استخدام اللغة الروسية كلغة ثانية في تحدّ واضح ليس للنفوذ الروسي فقط بل أيضا لمشاعر الملايين من ذوي الأصول الروسية في البلاد،وهو ما حدا ببوتين إلى التدخّل وضمّ شبه جزيرة القرم ونُصرة أتباعها في شرق أوكرانيا وجنوبها وذلك لتنبّهها للمخاطر المحدقة بها وبمنطقة نفوذها التاريخية،فعلاقتها بالدولة الأوكرانيّة موغلة في التاريخ حيث كانت كييف أول عاصمة لروسيا حتى أنها كانت تُدعى “روسيا الكييفيّة”،وعندما اعتنق الروس النصرانية شُيّدت الكنيسة المرجعية في كييف.
– تبدو الاندفاعة الروسية في أوكرانيا امتدادا للصراع في جورجيا عام 2008 وتدخّلها في أوسيتيا الجنوبية فنحن في كلتا الحالتين أمام ردّ فعل على حدث وقع في ماض ليس بالبعيد عندما استقلّت كوسوفو عن صربيا عام 1999 خلال عهد بوريس يلتسين،غير أنّ الملف الأوكراني يكتسي أهمية أكبر من نظيره الجورجي التي كانت أزمة “عابرة”سرعان ما انحسرت وانتفت.
-بعد السياسة الهادئة التي كانت تنتهجها روسيا في عهد ميدفيديف حل ركب فلاديمير بوتين الرجل الذي قال يوما ما إن”أكبر كارثة في القرن العشرين هي سقوط الاتحاد السوفياتي”..جاء بوتين ليعلن عام 2000 عن سياسة خارجية جديدة تقوم على منح الأولويّة لتطوير دور روسيا في عالم “متعدد الأقطاب”لا يخضع لهيمنة قوة عظمى واحدة،ومن باب أولى وأحرى والحال تلك أن تتعلق همة موسكو بتأمين سيطرتها على محيطها الحيوي الذي تمثّل أوكرانيا فيه نفطة مفصلية.
-تستفيد روسيا استفادة كبيرة من عائدات بيع الغاز لأوكرانيا [رغم الأثمان المخفضة التي كانت تخصها بها]وكذلك كما تعتمد إلى حد بعيد على الزراعة الأوكرانيّة.
-يؤكّد الخبراء الاستراتيجيون أنّ أوكرانيا هي خاصرة روسيا الرخوة وقلب دفاعها العسكري،فكلنا يتذكّر ما حدث أثناء الحرب العالمية الثانية وكيف انطلق القصف النازي على ستالينغراد من الأراضي الأوكرانيّة ،فنحن أمام قضية أمن قومي روسي بامتياز.
– سبق أن حذّر الأمين العام للحزب الشيوعي جينادي زيغانوف اثناء المؤتمر الثاني للحزب المنعقد في روسيا الاتحاديّة من المخططات الغربية –الامبريالية-لإضعاف روسيا مرحليا مشيرا إلى أنّ المؤامرة بدأت منذ لحظة تفكيك الاتحاد السوفياتي ،هذا التحذير يعطينا فكرة ما عن التوجّس الروسي من النوايا الغربيّة خاصة عندما يتعلّق الأمر ببلد كأوكرانيا بما يشكّله من عمق استراتيجي روسي في منطقة أوراسيا ولذلك هي تمثّل هدفا مثاليا للغرب لعرقلة أي صعود محتمل للدب الروسي.
– روسيا لا تريد أن ترى حلف شمال الأطلسي وهو يتوسّع قرب حدودها من خلال ضمّ دويلات الاتحاد السوفياتي السابق،صحيح أنّ البرلمان الأوكراني-الرادا- قد أقرّ قانونا يمنع أوكرانيا من الانضمام إلى الناتو ويؤكّد التزامها بسياسة عدم الانحياز لكنّ انقلابا على هذا القانون يبقى جائزا متى رأت كييف فائدة ترجى من ذلك .
-روسيا تعارض انضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي وتعارض توسّع هذا الأخير شرقا.
-أوكرانيا إحدى أدوات التغلغل الروسي في أوروبا عبر أنابيب الغاز التي تمرّ عبرها إليها.
-الكريملين يعارض نشر قواعد عسكريّة أطلسيّة أو أمريكيّة قرب حدودها ونتذكّر الجدل الذي أثاره إعلان واشنطن عن إقامة درع صاروخيّة في بولونيا عام 2007 بتعلّة مواجهة الصواريخ الباليستيّة الإيرانية.
-شرق البلاد معقل الانفصاليين الموالين لروسيا هو العمود الفقري للاقتصاد الأوكراني حيث تتمركز مصانع الصلب والفولاذ والسيارات...

2- السياسة الأمريكيّة في أوكرانيا:
--------------------------------------
هناك نقطة تمنايز مفصلية بين روسيا والولايات المتحدة ،فالسياسة الأمريكية ليست رؤية شخصية أو مشخصنة كما هو الحال في نظيرتها الروسيّة ،دور باراك في امريكا لا يشبه دور بوتين في روسيا ،في واشنطن هناك أجندة دولة وثوابت “أمة”التي لا يمكن للديمقراطيين ولا للجمهوريين الانحراف عنها قيد أُنملة وتنحصر الفروق في الوسائل دون الغايات.
– عندما نلقي نظرة على تنظيرات الاستراتيجيين الأمريكيين نعثر على خيالات متعلّقة بعزل روسيا عن محيطها للحد من إمكانات تغوّلها في المستقبل ،ففي كتاب “رقعة الشطرنج الكبرى”[1998]أشار مستشار الأمن القومي الأسبق زيبيغنيو بريجنسكي إلى ضرورة تقطيع أوصال الفضاء الاستراتيجي الروسي واستهداف الاتحاد الفيدرالي نفسه متى كان ذلك ممكنا باعتبار أنّ الأرض الشاسعة التي تمتدّ عليها روسيا أكبر من أن تحتضن دولة واحدة !..
-تريد الولايات المتحدة الأمريكيّة الاقتراب من الحدود الغربيّة لروسيا عبر اوكرانيا وإفراغ القاعدة العسكريّة الروسيّة في البحر الأسود.
-تخشى واشنطن من أن تؤول الأمور في أوكرانيا إلى انقسامها وذهاب احد شطريها إلى روسيا كما حدث مع شبه جزيرة القرم.
-تسعى الولايات المتحدة إلى إخراج أوكرانيا من المظلة الروسيّة إلى الابد عبر استدراجها إلى حلف الناتو والحسم بالتالي في انتمائها السياسي والعسكري.ويندرج القرار الأخير الذي صادق عليه الكونغرس في هذا الإطار حيث تمّ فتح باب تزويد كييف بالأسلحة الأمركية.
-يمكن أن تكون واشنطن قد عمدت فعلا إلى إشعال فتيل الأزمة في أوكرانيا “عقابا” لموسكو على مواقفها “المتمرّدة” في الشرق الأوسط من ملفات حارقة يأتي على رأسها الملفان السوري والإيراني،وبعيدا عن منطق “الجريمة والعقاب”من بين الأدوات السياسيّة في العلاقات الدولية نجد ما يُسمّى”المقايضة السياسيّة”فمن المهم للولايات المتحدة أن تمتلك ورقة ضغط إضافية على روسيا ولن تجد أفضل من مشاكستها في نقطة ساخنة كأوكرانيا،ولو عدنا إلى الوراء.. إلى الأيام الأولى لاحتجاجات ميدان الاستقلال بالعاصمة كييف نعثر على ما يعضد فكرة وجود أياد أمريكية حركت وتحرك المشهد من وراء الستار إذ تقفز إلى أذهاننا صورة سياسيين أمريكيين -كان من بينهم السيناتور الجمهوري جون ماكين- وهم يقفون جنبا إلى جنب مع المحتجين “المريبين”الذين يرتدون بدلات متشابهة ويعتصمون بخيام متشابهة !!..

3- التردد الاوروبي حيال الملف الأوكراني:
---------------------------------------------
بطبيعة الحال لا نستطيع الحديث عن اوروبا واحدة ،فنحن إزاء “انقسام”أوروبي إزاء الأزمة الاوكرانية المستعرة منذ أشهر ،لكننا حين نتحدّث عن الاتحاد الأوروبي فإننا قطعا نتحدث عن مؤسسة أوروبية جامعة تسهم كل من برلين وباريس في صنع قرارها السياسي بشكل أكثر تأثيرا ووضوحا وفي رصد بسيط لتعاطي الاتحاد نلحظ تلكؤا جليا في التعاطي مع تطوّرات الحالة الأوكرانية المربكة فلم تلوّح مجرد التلويح بالتحرك العسكري الجماعي ولم تعمد إلى تسليط “المرحلة الثالثة” من العقوبات على موسكو..،لينقدح السؤال الكبير: ما الذي يجعل حضور الاوروبيين باهتا إلى هذه الدرجة فيما يتعلّق بملفّ ساخن يهمّ دولة مرشحة للالتحاق بركب الاتحاد الأوروربي؟ !..
-بداية علينا أن نشير إلى أنّ أوكرانيا لم تنضمّ بعد إلى الاتحاد الأوروبي،وبالتالي فإنّ البند الاوروبي المتعلّق بحماية الدول الاعضاء عسكريا لا ينطبق عليها. -افتصاديات الدول الاورروبية مرتبطة ارتباطا عضويا بروسيا خاصة في مجال الموارد الطاقية[الغاز الطبيعي والنفط] حيث يوفّر الروس 40 بالمئة من حاجات الأوروبيين للطاقة وقطع هذه الإمدادات عنهم سيشكّل مشكلة حقيقية لهم .
-العقوبات الروسية المضادة تسببت في خسائر معتبرة للاقتصاد الأوروبي حيث انحدر اليورو إلى أقل من 1.34 دولار، وعندما يعمد البنك الأوروبي للاستثمار إلى طمأنة عملائه وإبلاغهم أن العقوبات الواسعة «تبقى خطرا بعيدا»، مشيرا إلى أنه حتى العقوبات الأميركية محدودة”ففي ذلك إشارة واضحة إلى الأثر الاقتصادي السلبي الكبير للعقوبات.
– لحق الضرر بشكل رئيس بألمانيا أكبر قوة اقتصادية في الاتحاد، وكان اتحاد غرف التجارة والصناعة الألمانية قد اعترض منذ البداية على العقوبات مشيرا إلى ارتباط نحو 300 ألف عامل وموظف في ألمانيا بالاقتصاد الروسي.
– هناك انقسام أوروبي حيال الموقف من روسيا ومسالة فرض عقوبات عليها،على سبيل المثال :هناك تململ فرنسي الماني ..تحمّس “بلطيقي” [من دول البلطيق الثلاث :استونيا ولتفيا وليتوانيا]..رفض من اللوكسمبورغ والنمسا وفقا لما أكّده وزير خارجية لوكسبورغجان أسيلبورن في تصريح لصحيفة “دي بريسي” النمساوية،وتململ إيطالي حيث صرّح وزير الخارجية الإيطالي أمام صحفيين أجانب في روما قائلا:”إنّ الاتحاد الأوروبي ليس صنبور عقوبات!”..
-لا يبدو الاتحاد الأوروبي متحمسا لاستقبال أوكرانيا ..فقد استغرقت مفاوضات الانضمام بين الجانبين مدة طويلة نسبيا ولم يقع التوصل في النهاية سوى إلى اتفاقية انتساب مثقلة بالشروط والتعليمات المطلوب تنفيذها من كييف،وربما أمكننا تفسير هذا “البرود”بخشية الأوروبيين من ضم دولة مثقلة بالمشاكل ومازالت تدور في الفلك الروسي رغم محاولات الفكاك من اسر التاريخ والجغرافيا. -هناك شعور أوروبي عام بأنّ الولايات المتحدة تحاول استغلال الاتحاد لتضييق الخناق الاقتصادي على روسيا وتسعى إلى تحقيق مآربها الجيواستراتيجيّة على حساب مصالح أعضائه ،إذ علينا أن نسجّل في هذا السياق أنّ التبادل التجاري بين الأوروبيين والروس يعادل عشرة أضعاف حجم الارتباط التجاري الأمريكي الروسي.

4- هل خسرت روسيا أوكرانيا إلى الأبد؟؟:
----------------------------------------------
كادت موسكو تخسر أوكرانيا إلى الأبد بعد اندلاع الثورة البرتقالية 2004 – 2005 ولم ينقذها من تلك الخسارة سوى تشتت أصوات الناخبين بسبب الصراع بين رمزي الثورة يوليا تيموشنكو ويوشنكو ما ساعد رجل روسيا فيكتور يانكوفيتش على الاستئثار بالأصوات المتناثرة والصعود إلى سدة الرئاسة في تحول درامي أجهز على أحلام قطاع واسع من الأوكرانيين ومن ورائهم أوروبا والولايات المتحدة،وتدور الأيام وتستعيد الثورة الملونة بريقها لتُرسم نقاط الاستفهام حول مستقبل الحضور الروسي في أوكرانيا،وهي نقاط يعتبر محلّلون كُثُر أنّ بوتين ساهم في رسمها بإقدامه على ضم شبه جزيرة القرم إذ خسرت روسيا بتلك الخطوة قنبلة ديمغرافيّة معدّلة حيث كانت الأغلبية السكانية من ذوي الأصول الروسية تشكّل عامل ترجيح للنفوذ الروسي في الداخل الأوكراني فكان لزاما على الروس تركها هناك.. ضمن الأراضي الأوكرانيّة،ونحن نوافق تماما هذه الرؤية التحليليّة ،إذ إنّنا لو تأمّلنا الأصوات التي أوصلت رجل روسيا يانكوفيتش إلى الرئاسة في انتخابات 2010 نجد أنّ معظمها قد أتى من القرم،ما يعني أنّه من الصعوبة بمكان أن تنتهي أي انتخابات رئاسية قادمة بفوز مرشّح روسي الهوى ! ..
فبعد أيام من التوتر الميداني الذي أسفر عن مئات القتلي والجرحى وأكثر من نصف مليون نازح، وقّع ممثلو طرفي النزاع الأوكراني بروتوكولا خلال مشاورات مجموعة الاتصال الثلاثية المؤلفة من ممثلي أوكرانيا، وروسيا ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي لوقف إطلاق النار، وقد دخل حيز التنفيذ منذ يوم05 سبتمبر حيث وتضمّنت خطة التسوية 12 نقطة تجسّد الرؤية المشتركة للرئيسين الأوكراني والروسي بيوتر بوروشينكو وفلاديمير بوتين:
1-ضمان الوقف الفوري لاستخدام السلاح من قبل الطرفين.
2- ضمان المراقبة والتحقق من قبل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لنظام عدم استخدام الأسلحة.
3- تطبيق لامركزية السلطة، بما في ذلك عن طريق إقرار قانون أوكراني “حول النظام المؤقت للإدارة الذاتية المحلية في مناطق محددة من مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك”.
4- تأمين استمرار المراقبة القائمة حالياً على الحدود الحكومية الروسية الأوكرانية من قبل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا مع إقامة منطقة آمنة في المناطق الحدودية الروسية الأوكرانية.
5- الإفراح عن الرهائن والمعتقلين بشكل غير قانوني كافة دون إبطاء.
6- إقرار قانون بمنع ملاحقة ومعاقبة الأشخاص بسبب الأحداث التي وقعت في مناطق مختلفة من مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك في أوكرانيا.
7- الاستمرار بالحوار الوطني الشامل.
8- اتخاذ الإجراءات الضرورية لتحسين الوضع الإنساني في دونباس.
9- تأمين إجراء انتخابات محلية مبكرة طبقاً للقانون الأوكراني “حول النظام المؤقت للإدارة الذاتية في مناطق محددة من مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك” (قانون عن الوضع الخاص).
10- سحب التشكيلات المسلحة غير القانونية، والآلات العسكرية، والمقاتلين المرتزقة من الأراضي الأوكرانية.
11- إقرار برنامج نهوض اقتصادي للدونباس وإعادة النشاط الحياتي للإقليم.
12- توفير ضمانات أمنية خاصة للمشاركين في المشاورات.
لكنّ تعثّر تطبيق ذلك الاتفاق فضلا عن قرار الكونغرس الأخير الذي يجيز تزويد كييف بالأسلحة ويُقرّ عقوبات جديدة على روسيا إضافة إلى تجنيد كييف للشباب[جند الاحتياط]لمواجهة الانفصاليين في شرق أوكرانيا كلّها عوامل تشي بنُذر الانسداد والاحتراب تبدو متوافرة بشكل كبير ،يتملّكنا هذا الشعور ونحن نسمع تصريحات اللاعبين السياسيين على الملعب الأوكراني،ففي تصريح لرئيس برلمان دونيتسك “بوريس ليتفينوف”لوكالة فرانس براس :”أهمّ شيء بعد هذه المفاوضات هو الاعتراف بجمهوريّة مستقلّة داخل جمهورية دونيستك الشعبية أو داخل نوفوروسيا[“روسيا الجديدة”مصطلح بوتيني يُطلق على مناطق من شرق أوكرانيا وجنوبها]”ويضيف “شرطان فقط من شروط كييف مقبولان بالنسبة إلينا :وقف إطلاق النار وتبادل الاسرى ! “..في المقابل يُبدي الرئيس الأوكراني المؤقت أوليكسندر تيرتشينوف في زيارة أداها لمنطقة الصراع شرق البلاد تمسّك كييف بكل شبر من أرض أوكرانيا ؛وفي سياق متصل يقول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “روسيا الآن تحاول إعلان شرق أوكرانيا دولة مستقلة”فيما يلوّح الاتحاد الأوروبي بتسليط “المرحلة الثالثة” من العقوبات وذلك بُعيد التوصّل إلى اتفاق مينسك ،وننقل عن الأمين العام لحلف الناتو “أندرس فوج راسموسن”قوله:”روسيا ترانا خصما”ليصرّح دايفد كامرون رئيس الوزراء البريطاني قائلا:”على دول الحلف-الناتو-تغيير استراتيجيتها تجاه روسيا” و في مؤتمر صحفي عقده في نيوبورت في بريطانيا في ختام قمة الحلف الاطلسي يقول الرئيس الأمريكي باراك أوباما”نحن متفائلون. لكن واستنادا الى التجربة السابقة فنحن ايضا متشككون” ازاء “احترام الانفصاليين” لوقف اطلاق النار هذا وازاء “توقف الروس عن انتهاكهم سيادة وسلامة اراضي اوكرانيا”.

صفوة القول؛لا نعتقد أنّ الصراع بين العملاقين الروسي والأمريكي سيصل إلى حد الاحتراب المباشر بل سيبقى في مستوى المعارك الكلاميّة إلى جانب استخدام بعض أداوت الحرب الباردة كأن تعمد واشنطن إلى توقيع اتفاقيات عسكريّة مع كييف ،في المقابل نعتقد أنّ مهمّة التشغيب على الحكومة الأوكرانية لم تنته بعد لذلك ستواصل القوات الخاصة الروسية عملياتها السرية والعلنية في شرق أوكرانيا لفرض أمر واقع ينتهي بالإقليم إلى قرم جديد،وبالتوازي ستبقى موسكو تطالب بضمانات أمنيّة تبقي قواعد الناتو وأساطيله خارج أوكرانيا علاوة على إجراء المناورات والتدريبات العسكرية المشتركة من هذا الطرف أو ذاك،إلى جانب رفع مستوى التحشيد العسكري على الحدو..
في المقابل هناك ..في ركن ركين من المشهد نرى الصين بتململها المعهود وتمترسها خلف مواقف متحفّظة ودعوات نمطيّة إلى التوصل إلى حل سلمي للنزاع،لكن ما لم تقله بيكين هو أنّ تواصل التوتّر يخدم مصلحتها لما له من تداعيات تعزّز علاقاتها "النفطيّة" مع روسيا في ظل تصاعد العقوبات الاقتصادية الغربية على الروس!..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق