]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

في ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم

بواسطة: د/ نعيمي عبد المنعم  |  بتاريخ: 2015-01-22 ، الوقت: 17:01:49
  • تقييم المقالة:
حلّت علينا البركات، وتنزّلت الرّحمات، وتعرضت لنا النّفحات، وأشرقت علينا الأنوار، بمولد خير الأخيار، وأبرّ الأبرار، محمد الهادي المختار، صلّى الله عليه وآله وسلم ما تعاقب الليل والنهار.  محمّد سيّد الكونين والثقلين----------------------والفريقين من عُرْبٍ ومن عجم هو الحبيب الذي تُرتجى شفاعته------------------لكلّ هول من الأهوال مُقتَحِمِ هو محمّد تعدّدت أسماؤه، فدلّ تعدّدها على شرف المُسمّى بها، صلوات ربي وسلامه عليه، سمّاه ربّه عزّ وجلّ رؤوفا رحيما فقال:(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ). [سورة التوبة، الآية 128]. وسمّى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لنفسه أسماء فقال:"لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُوا اللهُ بِي اَلْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الْذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ الْذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ". [متفق عليه]. وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضا:"أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمُقَفّي (أي آخر الأنبياء)، وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ". [رواه مسلم]. أحبّتي، إن محمدا منّة الله العظيمة، ونعمته الجليلة، حقّ على كل مسلم ومسلمة أن يشكر عليها ربّ العزّة. وصدق الله العظيم حيث قال في محكم التنزيل: (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ). [سورة آل عمران، الآية 164]. ولد صلى الله عليه وآله وسلم في بيت شرفٍ وعزّةٍ، من نسب كلّه مفخرة ومكرمة؛ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلْ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ". [رواه مسلم]. وقد شهد له بشرف النسب أعداؤه؛ فهذا أبو سفيان بن حرب قال: "هو فينا ذو نسب"، في إجابته على سؤال هرقل قيصر الروم حول نسبه عليه الصلاة والسلام في قومه: "كيف نسبه فيكم ؟". وقد أقرّ هرقل جواب أبي سفيان بقوله: "سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تُبعث في نسب قومها". [رواه البخاري]. أحبتي، ونحن إذ نتذكر مولد محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ نُشير إلى أن مولده عليه الصلاة والسلام كان ميلاد أمة، بل كان ميلادا للعالمين جميعا؛ فهو المبعوث للناس كافّة بشيرا ونذيرا، نورا وسراجا، هاديا ومنيرا؛ قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَدَاعِيًا إِلَى اللهَ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا). [سورة الأحزاب، الآيتان 45-46]. إن مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان إيذانا لإخراج الناس من الضّلال إلى الهُدى، ونقلهم من الظّلام إلى النّور، وتخليصهم من عبادة الأصنام والشّيطان، وهدايتهم إلى عبادة الرّحيم الرّحمان. إن مولد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان مولدا لإنسان الحضارة، وإيذانا لأمة الحضارة، ومُبتدأ لبناء الحضارة؛ حضارة ترتقي بالأرواح والأبدان والعقول في مدارج السالكين، وترتفع بها عن دحض المعتسفين. إن مولد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان تغييرا وإصلاحا وتقويما لأخلاق أمم اعتسفت بأخلاقها المشينة القبيحة عن كلّ خلق حسن جميل. ما نقول في محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد اجتمعت فيه أخلاق القرآن الكريم، وأخلاق القرآن عديدة؛ لم تلد امرأة أجمل ولا أرفق ولا أرحم ولا أصفح ولا أعدل ولا أكرم ولا أجود ولا أشجع ولا أكمل ولا أحسن... من محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقد كان بحق خلقه القرآن كما صح عند مسلم من طريق عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: "كَانَ خُلُقُهُ اَلْقُرْآنُ". وعن أخلاق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يُحدّثنا أنس بن مالك قال:"خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ، وَلَا لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ لِمَ فَعَلْتَهُ ؟، وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ أَلَا فَعَلْتَهُ". أحبتي، لقد كان رسول الله عليه وآله وسلم بأخلاقه أعظم رجل في تاريخ البشرية، لا يُماثله فيها أحد آخر، فإذا ذُكِرت الأخلاق فمحمد أكملهم خلقا، إذا ذكر الحلم فمحمد أحلمهم، إذا ذكر العلم فمحمد أعلمهم، إذا ذكر الكرم فمحمد أكرمهم، إذا ذكر الصبر فمحمد أصبرهم، إذا ذكر الصفح فمحمد أصفحهم، إذا ذكرت الرحمة فمحمد أرحمهم، إذا ذكرت الرّأفة فمحمد أرأفهم، إذا ذكر الرفق فمحمد أرفقهم، إذا ذكر الجود فمحمد أجودهم وإذا ذكرت الشجاعة فمحمد أشجعهم...وهكذا معينُ أخلاق النبيّ عليه الصلاة والسلام لا ينْضَبُ. أحبتي، ليس من البدعة في شيء تعظيم مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما يليق بمولده قصدا وعدلا. نُعظّم هذا اليوم بالنّظر والتّامّل، فنأخذ الدّرس والعبرة من سيرته العَطِرة عليه الصلاة والسلام، وقد سُئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن صوم يوم الإثنين (وهو يوم مولده) فقال: "ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ". [رواه مسلم من طريق أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه]. ولتفصيل المسألة أكثر من المهم التأكيد على أنه ليس من الدّين في شيء تخصيص يوم مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعبادة بدنية (صلاة، عمرة، تلاوة قرآن، قيام، ذكر...) أو عبادة مالية (صدقة... ونحوها) إلا بدليل؛ فالأصل في العبادات التوقيف والتحريم؛ فلا عبادة مشروعة حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك. وبخصوص الصوم تحديدا؛ صحيح يُستحب للعبد أن يصوم لله تعالى تطوّعا شكرا على ما أحدثه له من نعم ومنن؛ كما قال محمد بن اسماعيل الأمير الصنعاني مُعلّقا على حديث: "وفيه دلالة على أنه ينبغي تعظيم اليوم الذي أحدث الله فيه على عبده نعمة بصومه والتّقرّب فيه".[أنظر: سبل السّلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلّة الأحكام، تحقيق وتخريج وفهرسة أحمد إبراهيم زهوة، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1، 1425هـ - 2004م، ص 469]. لكن الحكم يتغيّر بخصوص صوم يوم مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإن الحديث لم يُصرّح بصومه مُطلقا إلا إذا صادف يوم صوم مستحب كيوم الخميس أو الستّ من شوال... أو صوم يوم واجب من باب أولى كنذر أو كفارة أو صوم أيام رمضان...؛ فيكون الصوم لأجل تحصيل أجر الصوم المستحب أو الواجب وليس لأجل مولده صلى الله عليه وآله وسلم. أما استحباب صوم يوم الإثنين خصوصا بغض النظر عن الشهر الذي وقع فيه، وحرص النبي عليه الصلاة والسلام على صومه؛ فقد علّله بأسباب منها: أنه يوم مولده كما دلّ عليه صريح حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أعلاه، وهذا مخصوص بيوم الإثنين دون غيره من سائر الأيام، فمثلا لو صادف يوم مولده صلى الله عليه وآله وسلم يوم الأربعاء هل يُقال: يُستحب صومه لأنه صادف يوم الثاني عشر من ربيع الأول وهو يوم مولده عليه الصلاة والسلام ؟. والجواب: قطعا هذا كلام لا يستند إلى دليل من عدّة أوجه: - أنه لا دليل يقوم على تخصيص يوم الأربعاء بصوم دون سائر الأيام، وإنما صح الدليل مثلا على استحباب صوم يوم الإثنين والخميس، ثلاثة أيام من كل شهر، أيام التشريق، ستّ من شوّال، استحباب الصوم في شهر شعبان، يوم عاشوراء، يوم الجمعة شرط صوم يوم قبله أو يوم بعده، يوم السبت على اختلاف بين أهل العلم... - أن مولد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يثبت قطعا أنه كان يوم الثاني عشر من ربيع الأول؛ فالعلماء اختلفوا في الشهر الذي وُلِد فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإن ذهب أكثرهم إلى القول بأنه كان في شهر ربيع الأول، كذا اختلفوا أيضا في تحديد يوم مولده من هذا الشهر وإن قال بعضهم بيوم الثاني عشر منه. - أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما صرّح بصوم يوم الإثنين؛ لأنه كان يوما لمولده وبعثته والوحي إليه؛ وهذه إحدى دواعي وأسباب استحباب صوم هذا اليوم بعينه كما تقدّم، ومن ثمّ يُستحب صوم يوم الإثنين من أيّ شهر كان؛ من شهر ربيع الأول أو غيره من أشهر العام. أقول، لكن هذا لا يعني أن تمرّ ذكرى المولد النبوي الشريف دون مُذاكرة سيرته، ومُطالعة شمائله، ومُراجعة أخلاقه؛ فعلى المستوى الجمعوي والعلمي يُستحب عقد الندوات والمُلتقيات والأيّام الدراسية والمسابقات الدينية حول سيرته العطرة صلى الله عليه وآله وسلم؛ تحفيزا للناشئة على مُدارسة هذه السيرة المُتميّزة لهذه الشخصية الفريدة المُميّزة. هذا كلّه مع اعتقادنا الجازم بأن الارتباط بسيرة النبيّ عليه الصلاة والسلام والتزيّي (التمثّل) به صلى الله عليه وآله وسلم لا تُختصر في يوم مولده ولا تقتصر عليه، بل إنّنا على الدوام نحن في وصال مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ نُحاكي سيرته الرّسالية العطرة، ونستحضر مسيرته الحياتية المميّزة، ونتمثّل تعاليمه وتوجيهاته الشرعية. أحبّتي، إن دورنا في تلقين أبنائنا صورا من سيرة نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم قد عَظُمَ في هذا الزمان، الذّي تعاظمت فيه الدّعاوى الكيدية المُغرضة الخبيثة التي يبثّها أعداء محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ قصد إبعاد أبنائنا عن تعاليم هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، فينشأ جيل خِدَاجٌ مَسْخٌ لا يعرف من محمد عليه الصلاة والسلام غيرَ الإسم. هو مخطّط صهيوني إنجيلي أصولي خبيث؛ يتعيّن علينا التصدّي له كلّ من موقعه وجهة اختصاصه العلمي والأكاديمي، وفي حدود قدراته العلمية والفكرية وإمكانياته المادية. وختامه الصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه وتبعه أبدا. اللهم صلّ وسلّم وبارك على محمد وعلى آله وأزواجه وذريته وأصحابه وأتباعه كما صليت وسلّمت وبا رك على آل إبراهيم في العالمين إنّك حميد مجيد. آخره أنِ الحمد لله ربّ العالمين.    كتبه: عبد المنعم نعيمي. كلية الحقوق- جامعة الجزائر 1. naimi.abdelmounaime@gmail.com   تنبيه: أصل هذه الورقة خطبة منبرية ألقيتها: يوم الجمعة 12 ربيع الأول 1431 هـ                                            الموافق 26 فبراير 2010 م.           تمّ تنقيحها ومراجعتها والزّيادة عليها يوم الجمعة 11 ربيع  الأول 1436 هـ                                            الموافق 02  يناير 2015م.
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق