]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

العدالة الانتقاليّة أصغر من أن تعقب ثورة!!

بواسطة: صابر النفزاوي  |  بتاريخ: 2015-01-16 ، الوقت: 01:46:50
  • تقييم المقالة:

إذا أردنا صنع تغيير حقيقي يمسّ نخاع العظم علينا تثوير العدالة ليس عبر تنصيب المحاكم الثورية-وهو مطلب كان في لحطة ما مشروعا- بل من خلال عدالة انتقاليّة تقترن بمكارثية تطارد رموز النظام السابق وتضعهم سياسيا بين قوسين ولن يكون ذلك ممكنا إلا بقوة قوانين مصطبغة بصبغة الثورة،فلئن كان مشروع العدالة الانتقالية يهدف نظريا إلى المكاشفة فالمساءلة فالمحاسبة فجبر أضرار الضحايا فالمصالحة إلا أنّه عمليا يستند إلى الآلية القضائية للفصل في النزاعات،وهي بهذا المعنى تتّخذ الجرائم الجزائية موضوعا لها ، وتُشيح بوجهها عن السياسي والأخلاقي والتاريخي التي هي مواطن خلل أيّ نظام استبدادي ؛ فما قام به الفاعلون في النظام السابق ليست مجرد جرائم إنها “أخطاء”والخطأ بالمعنى الفلسفي أخطر من الجريمة ،فعندما نمى إلى علم أحد الكتاب الفرنسيين أن نابوليون قد أعدم أحد النبلاء هتف قائلا”إنها أكبر من ان تكون جريمة إنها خطأ”،فما فعله “الأزلام” ليس إجراما عاديا يستحقّ مجرد الإدانة القضائية فهو يعبّر عن سياسة متكاملة سياسة الخطأ الممتدّ في الزمن ، فالعدالة الانتقالية دون عزل سياسي ليست إلا”نقشا على وجه ماء”وذرا للرماد على العيون ،ولكي تعيش ثورتنا يجب أن تتعلق همتنا بما هو أعظم من مشروع يلخّص بامتياز ما أسميه “الميوعة الثورية”المتهم فيه بريء حتى تثبت الإدانة ، فالتجمعي القيادي متى كان متّهما فهو مدان حتّى تثبت براءته..وليس أدلّ على “قزميّة”مشروع العدالة الانتقالية من أنّ أغلب البلدان التي عرفته يتيما دون إقصاء سياسي لم تشهد ثورات حقيقية تغيّرت معها الأنظمة وهذه حال المغرب مثلا،فليس هناك بلد واحد لم يشهد سقوطا للنظام قد تبنى قانونا للعزل السياسي ،فالإقصاء السياسي هو نتاج ثوري بامتياز.
قصارى القول ،إن مشروع العدالة الانتقالية يُعدّ مطلبا ملحا غير أنّ تفعيله وحيدا دون قرنه بقانون للعزل السياسي لن يكون سوى محاولة سيزيفية لتجاوز الماضي والتطلع إلى المستقبل في ظل مانعلمه عن وقوع عمليات إتلاف ممنهجة للوثائق والمستندات الرسمية ما يجعل ملفات معظم الفلول فارغة أو هي بتعبير أدق مُفرغة ..
عدم تمرير فصل العزل السياسي هو العطب الأكبر الذي مهّدت له أعطاب صغرى أصابت أحزابا تدعي الثورية..العامل الخارجي كان حاسما وأجبرهم على الذهاب في ذلك المسار المهادن الذي أعاد رموز التجمع إلى السلطة..لاطالما عارضت تطبيق ما يسمونه قانون العدالة الانتقالية بمعزل عن قانون للإقصاء السياسي ،نحن عبّدنا الطريق بذلك التمشي لكي يكون الخصم هو نفسه الحكم ،كيف يقتصّ قضاؤهم منهم وهو منهم؟!!!،كيف تلاحقهم الداخلية وهي لهم؟!!كيف يتسلّط إعلامهم عليهم ؟!!...كيف يكون الجلاد قاضيا دون ان يتحوّل القاضي إلى جلاد؟!..وحسبنا أن نشير في هذا السياق إلى ما تتعرّض إليه هيئة الحقيقة والكرامة من صعوبات وعراقيل حتى نقف على هوْل المشهد النكوصي الذي نعيشه بسبب وجود كائنات معادية للثورة في المراكز القيادية في الدولة بشكل نستشعر معه أنّ الأرشيف أو ما تبقّى منه في طريقه نحو جولة جديدة من الحرق والإتلاف تحت إشراف مباشر من السبسي الملقّب ب"الرئيس"!.. 

الرد على مبررات رافضي مشروع قانون الإقصاء السياسي:
================================

مشروع القانون ينتهك مبادئ حقوق الإنسان:
----------------------------------------------------
أولا.؛هناك اتفاقيات حقوقية تسمح بإصدار مثل هذه القوانين ضدّ من يمثلون خطرا على المجتمع وإن كانت تضع ضوابط معيّنة لذلك..،ثانيا.؛كان للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان رأي في التسعينيات مفاده إمكان منع رموز نظام استبدادي سابق من الترشح للانتخابات مع حفظ حقهم في الانتخاب..،ثالثا،يحفظ لنا التاريخ تجارب عديدة في العزل السياسي فبُعيد الحرب العالمية الثانية عمدت فرنسا إلى إقصاء كل من تولى مسؤوليات قيادية في حكومة “فيشي”العميلة للألمان ،كما أن دولا اشتراكية سابقة مثل المجر وبلغاريا سارعت إلى إصدار قوانين مشابهة،من ناحية أخرى يبقى التعامل القانوني مع رجالات النظام البائد أرقى أنواع التعامل الثوري والأكثر إنسانية،فالعزل السياسي يستهدف حقا “بورجوازياّ”وهو الحق في تولّي مناصب في الدولة لزمن معلوم وهذا أضعف الإيمان في بلد من المفترض أنه شهد ثورة عارمة.
في السياق نفسه يبدو أنّ الباجي قائد السبسي وهو يرفض مشروع القانون بدعوى تنافيه مع حقوق الإنسان قد نسي أو تناسى أن حكومته تبنّت المرسوم عدد 15 المنظم لانتخابات 23 أكتوبر 2011 والذي أُقصيت بموجبه القيادات التجمعية ومناشدي الرئيس المخلوع لرئاسيات 2014 من الترشح لعضوية المجلس التأسيسي.

نعم للعزل “الشعبي”..لا للعزل السياسي!:
------------------------------------------------
لقد ثبتت عبثيّة التعويل على الشعب لإقصاء التجمعيين السابقين، فالاشتغال الإعلامي على سيكولوجية العوام والمال السياسي كانا نجمي الحملات الانتخابية فعكروا صفوها فازدهرت الزبائنية السياسية وتجارة الأصوات والذمم التي رأينا عيّنة منها داخل المجلس التأسيسي نفسه من خلال ما عُرف بالسياحة الحزبية ، وحتى اعتماد طريقة الاقتراع على الأفراد في دوائر انتخابية ضيّقة كما اقترح ذلك خبير القانون الدستوري “قيس سعيّد” ماكان ليكون حلا في ظل مناخ سياسي “باتولوجي”-مرضي-،أما الدعوة إلى إجراء استفتاء شعبي حول مشروع قانون التحصين لا يستقيم لا شكلا ولا أصلا ، فالظرف الأمني والاقتصادي فضلا عن أزمة الوقت لا يسمحان بذلك ،كما أنه من الخُلف العودة إلى شعب سبق أن قال كلمته مدوّية منذ 17 ديسمبر 2010 عندما هتف بإسقاط النظام قبل أن ينادي بأي شيء آخر ،فقد كان التونسيون على يقين أنّ شيئا لن يتحقّق دون التخلص من رموز الفساد والاستبداد الذين فسدوا وأفسدوا ولم يعتذروا كما فعل نظراؤهم في جنوب إفريقيا ،فالشعب قال كلمته بعد ولن نعيد صناعة العجلة..

هناك أحزاب وجمعيات أخرى مارست الفساد!:
---------------------------------------------------
إنّ ترديد مثل هذا الكلام هو من قبيل التبسيط والتسطيح السياسي ؛فكلنا يعلم أنّ حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل هو رأس الفساد وهو وإن كفّ عن الوجود الفعلي فإنه مازال موجودا بالقوة فلا أهمية تُذكر لقرار حلّه إذا لم يلحقه عزل سياسي فالعبرة بإقصاء الأشخاص لا الأحزاب،فالأحزاب والجمعيات الفاسدة الأخرى هي مجرد جراثيم تتكاثر إذا وجدت بيئة ملائمة وهذه البيئة وفّرها الحزب الحاكم السابق فهو قاطرة الفساد والإفساد.

فليمرّ مشروع القانون..لكن عبر التوافق وآلية الحوار الوطني!:
------------------------------------------------------------------
هذا رفض مقنّع لمبدأ العزل السياسي ،لأنّ تحصيل التوافق بين مختلف ألوان الطيف السياسي حول مشروع قانون كهذا يبدو ضربا من ضروب المستحيل ،ثم إني أودّ تذكير الناسين والمتناسين أنّ الديمقراطية هي بالضرورة حكم الأغلبية وليست حكم الجميع بالتوافق،وروح الثورة نفسها تتحدّد نقيضا لمنطق الاتفاق العام أو التوافق فعندما عنّ للينين أن يبسط سلطته بعد الثورة البلشفية استهدف الجميع بمن فيهم رفاقه في الكفاح -المناشفة-وانخرط في ملاحقتهم بجنون فسجنهم وعذبهم وأعدمهم بل طاردهم إلى ماوراء البحار ليغتالهم..فلحظة التأسيس مابعد الثورة تتأسس ضرورةً على الغلبة وهي مغالبة نريدها سلميّة تتحرك على أرض النضال اللاعنفي أو اللاعنف الثوري أي التحرك الاحتجاجي السلمي الأقصى للدفع نحو تحقيق الحد الأدنى من المكاسب الثورية التي تبدأ بتحييد الأزلام عن الفعل السياسي لتهيئة المناخ الإصلاحي لعملية غربلة واسعة للمؤسسات الحيوية في الدولة.. وما نراه حقيقةً أنّ الحديث عن “الاستثناء التونسي”هو ذمّ ظاهره مدح كما يقول البلاغيون ،وهو توصيف خدّاع إلى أبعد الحدود فما من ثورة في التاريخ نجحت دون دماء ..روسيا 1917 ثورة إعدامات بالرصاص-ايران 1979 ثورة مشانق في الشوارع -فرنسا 1789 ثورة مقاصل؛ونحن لا نريد إراقة الدماء لكننا نريد أقل من ذلك بكثير نتشوّف إلى إقصائهم من ساحة الفعل السياسي وذلك أضعف الإيمان تحصينا للثورة ومأسسةً للديمقراطيّة..

خدعتان كبيرتان:ثورة بلا دم وثورة بلا رأس!:
========================
جميع الثورات عبر التاريخ كانت ذات قيادات صُلبة -وليس"كتلة تاريخيّة" بالمعنى الغرامشي رغم السمة المغرية والمثيرة للمفهوم - تفرض توجّها معيّنا بل أحيانا تُسقطه إسقاطا على المجتمع وتعوّل على الزمن ليقع التفاعل المجتمعي والمؤسسي حتى تصل في لحظة تاريخية ما إلى الاستقرار المطلوب،ولا يذهبنّ في ظنّكم أننا ننظّر لحقبة جديدة من الديكتاتوريّة فما نريد أن قوله هو ضرورة استعادة مصطلح"الاستبداد"بمفهومه العربي والإسلامي بما يعنيه من معاني الحزم والحسم في الحق واستحضار صورة قريبة من ذلك "المستبد العادل" الذي لاطالما داعب مخيالنا الجماعي..
القضيّة الأساسية في رأينا هو حقيقة وقوعنا ضحايا خدعتين كبيرتين:ثورة بلا رأس وثورة بلا دم ..ليس هناك ثورة بلا راس وليس هناك ثورة بلا دم ،والدم هنا ليس بالضرورة ذلك السائل البيولوجي الأحمر ،إراقة دماء رموز النظام السابق يمكن أن يكون مجازيا عبر أضعف الإيمان وهو العزل السياسي ومحاكمة المذنبين..استطاع الغرب إيهامنا بأنّنا قمنا بثورة استثنائية على غير منوال سبق لا قيادة فيها ولا اقتصاص .. جعلونا نتوهّم أنّ المسار الثوري يمكن أن يقترن بمسار إصلاحي ومنهج توافقي..!!!

مقاومة لا معارضة:
==========
مجرد لعب دور المعارضة هو اعتراف ضمني بشرعية أحد رموز النظام السابق ،وتزكية لحكم تجمعيّ الهوى والهُويّة،صمتنا واكتفاؤنا بدور المواطن الرقيب هوخيانة لدماء الشهداء الذين ماتوا وهم يهتفون بإسقاط النظام،صمتنا هو إقرار بموت الثورة ولعب بمستقبل الاجيال القادمة_ تي انتي قبل ما يولّي السبسي رئيسهم الانتخابات تزورت فما بالك وهو رئيس ،شنوه بش نستناو في الانتخابات الجايه غير التزوير !!_ أأليس في صمتنا لعب بالنار ؟!!!، لن نخطئ خطأ 1987 عندما علقوا على المخلوع آمال التغيير ،لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين ،دعك من خطاب الانبطاح الغنوشي ،كلا الاستبداد يمكن أن يعود من جديد والذرائع جاهزة ..سيطبقون علينا سياسة قمعية مرحلية باسم مقاومة الإرهاب ..ولا نقول هذا حكما على النوايا بل استقراءَ للواقع؛هل أتاكم نبأ محسن مرزوق عندما هدد سمير الوافي بوعيد مبطّن حيث قال له:"سأتذكّر لك هذه الفعلة في الوقت المناسب"؟!!!!..فلنعتبرْ أنفسنا في وضع مقاومة وممانعة لا معارضة ومراقبة ،ولا نقول ذلك من منطلق ثورجي متهوّر بل تاسيسا على طرح متماسك تحرّكه فكرة ناظمة لا غضبة جامحة..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق