]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لا نريد شهادة بلا فائدة.

بواسطة: د/ نعيمي عبد المنعم  |  بتاريخ: 2015-01-09 ، الوقت: 00:08:35
  • تقييم المقالة:

لا غرو في أن أيّ طالب علم قد وُفّق لدخول صرح الجامعة، وضَمِن فيها لنفسه مقعدا بيداغوجيا، يتطلّع من بداية مشواره الدراسي إلى الكدّ، والتّشمير عن ساعد الجدّ؛ لإنهائه بنجاح، ونيله الشهادة العلمية التي تُتِيح له الحصول على فرصته في العمل، وتوظيف كفاءته في الميدان لخدمة بلده ونفع أمته، وطبعا لتحسين حالته المادية، ولمَ لا تكليل كل ذلك بأقدس مشروع حياتي فطر الله عزوجل عليه بني الإنسان ألا وهو الزواج.

هذه هي بإختصار تطلعات وأماني بعض أو ربما جلّ طلاب الجامعة اليوم، وهي في حقيقتها تطلاعات وأماني مشروعة، كيف لا والطالب الذي قضى من ليله ونهاره في تلقي المعارف، واستفرغ من وسعه في التحصيل العلمي، من حقه بعد هذه المسيرة الحافلة أن يتطلع لغدٍ أفضلٍ ومستقبل أحسنٍ؛ لينعم فيه بوظيفة تضمن له العيش المليح، وتكفيه ذل البطالة وتكفّف الناس.

وليس بعيب أو نقيصة أن يجعل الطالب من المكسب المادي أحد أهداف تكوينه الدراسي وتعليمه الجامعي، ولكن العيب والنقيصة أن يجعل من ذلك الهدف الأهم وربما الوحيد؛ بمعنى أن لا يبغي من دراسته الجامعية سوى الحصول على الشهادة والمكسب المادي، ناسيا أو ربما متناسيا أن الهدف الأهم الذي لأجله ابتـنيت الجامعات هو: نشر العلم، وإعداد إطارات المستقبل المتمكنة علميا في مجال تخصصها؛ للنهوض بحاضر البلاد واستشراف مستقبلها، وهذا بالطبع لا يتحقق إلا بالتركيز على العلم والتحصيل المعرفي.

إذن الطالب ليس مطالبا بإلغاء طموحاته المادية من وراء نيل الشهادة العلمية، وإنما هو مطالب فقط بترتيب تطلعاته وأهدافه من دراسته الجامعية؛ بأن يجعل الهدف الرّئيسي منها: التحصيل العلمي النوعي الجاد. ويتعيّن عليه لزاما لتحقيق ذلك أن يتفانى في استثمار وقته، وأما الوظيفة والكسب المادي فيأتي أولوية تالية بعد ذلك، بل هو تحصيل حاصل، طال الزمن أو قصر.

هذا طبعا على الرغم من التحديات والمُثبّطات والعثرات والعراقيل التي تكتنف واقعنا اليوم، والتي جعلت من خِرِّيج الجامعة يعيش نوعا من الإحباط؛ فهو يُفني سنوات من عمره في التحصيل العلمي، ليجد  نفسه بعد ذلك مصدوما بمشهد واقع مرير اسمه: البطالة؛ التي تحول دون أخذ حقه وفرصته في سوق العمل والتوظيف، فيُحرَم الإفادة والاستفادة.

ومع ذلك أقول لخريج الجامعة لا تيأس ولا تبتئس، فلن يضيع حقك في الحصول على منصب عمل محترم، خاصة إذا علمت أن السياسة التي تنتجها الدولة اليوم تهدف إلى إعادة تنظيم مجال التوظيف والعمل ورسكلته؛ وذلك من خلال التكفل بالكفاءات والإطارات الجامعية، وهذا ضمن أهداف استراتيجية سطّرتها الدولة للقضاء على بعض الظواهر الاجتماعية التي تفشت بين شبابنا، ولم يسلم منها حتى خريجو الجامعة، أذكر منها على سبيل المثال: الهجرة غير الشرعية التي غالبا ما تنتهي بمآسٍ حزينةٍ، ونهاياتٍ فظيعةٍ، الانتحار، الأمراض النفسية على غرار الكآبة والإحباط، السرقة، هجرة الكفاءات العلمية لتُشرق في بلاد الغير...، وشبه هذه الظواهر كثير.

وعود على بدء أقول ما قاله  الشافعي: "من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم"، نعم أخي الطالب هو: "العلم"، أعطي الشهادة حقّها من العلم والتكوين المعرفي الجاد، واعلم أن الشهادة تفقد قيمتها العلمية أو على الأقل تكون منقوصة الفائدة؛ إذا لم تعكس المستوى الرّاقي للتحصيل العلمي والمعرفي، فإنّ فاقد الشيء لا يعطيه، ومن لا يملك العلم أنّى له أن يُعَلِّم. بل إنه من الخطأ البيّن والخطر الكبير وضع جيل من الطلبة بيد مُؤطّرين ضعيفي التكوين، فهذا لن يجلب لنا سوى المزيد من جيل خداج ليس له من العلم إلا شهادة ورقية، ونحن لا نريد شهادة بلا فائدة.

وللأسف اليوم نرى الطالب الجامعي طالب شهادة، فإذا نال حرف الشين "شهادة" أضاع حرف الفاء "فائدة"، مع أن العلم لا يتوقف عند الشهادة فحسب، فكم من حامل شهادة أضاع بعد التخرج فائدة ما تعلمه؛ لأنه أراد الشهادة فقط فنالها دون العلم، ولو أراد العلم لناله والشهادة.

حريّ بالطالب اليوم أن يكون طالب علم سرمدي، ويتمثل حال أسلافه الذين كان شعارهم: لا نزال نطلب العلم ما حيينا؛ قال أحمد:" أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر"، وقال كذلك:" نحن إلى الساعة نتعلم"، وقال الثوري:" لا نزال نتعلم ما وجدنا من يعلمنا"، وكان علي بن الحسين زين العابدين يدخل المسجد فيَشُقُّ الناس، حتى يجلس في حلقة زيد ابن أسلم فعوتب في ذلك فقال:" إن العلم يُبتغى ويُؤتى ويُطلب من حيث كان"، وعن يحى بن كثير قال:" من قال إني عالم فهو جاهل، ومن قال إني جاهل فهو جاهل".

أخيرا، إذا أردت أخي الطالب التوفيق في نيل عمل تستثمر فيه قدراتك وكفاءتك فعليك بالعلم، فإن العلم يجلب الوظيفة والعمل، وكن ذا عزيمة لأن آفة ذا الرّأي أن يتردّد ويستسلم. عليك بحسن الظّنّ بالله جلّ في العُلا وحُسْن وصاله، فوالذي نفسي بيده إنّ حسن الظّنّ به مجلبة للتوفيق. سبحانه وحده يكلؤك بعينه التي تنام، ويحفظك بكنفه الذي لا يُظام من مصائب الإحباط ومساوئه.

آخره، الحمد لله رب العالمين كتبه: عبد المنعم نعيمي. أستاذ بكلية الحقوق- جامعة الجزائر 1. باتنة، في ليلة الأثنين 31/03/2008 راجعتها ليلة السبت 3/ 1/ 2015

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق