]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مدونة الأسرة المغربية بين الثوابت والمتغيرات .الجزء الرابع

بواسطة: أحمد الذيب  |  بتاريخ: 2015-01-08 ، الوقت: 08:01:05
  • تقييم المقالة:
المبحث الثاني :أهمية التعديل وآلياته .

حقيقةً يصعب أن نستخلص كل الايجابيات التي تضمنتها مــدونة الأسرة ومكامن النقص فيها على المستويين التشريعي والتطبيقي نظراً لتشعب هذا الموضوع والتداخل بين ما هو إيجابي وسلبي لكل بنود المــدونة التي ترتبط بواقع متغير باستمرار، فقد تكون أحكامها تحقق أهــدافاً مجتمعية وطنية للأسرة حسب ظروف الزمان والمكان ، وقد يحدث العكس حسب تلك الظروف

ومن خلال أحكام قضاء الأسرة التي اتسمت بالتباين في تطبيق نصوص المدونة ونفس الحراك المجتمعي والنقاش الفكري الثقــافي والديني وتغير المعطيات الدوليـــة والإقليمية التي تبرز في ظرف زمني هام وخطير فأن المطلب الأول من هذا المبحث سنتناول القرار السياسي وسياسة التشريعفيما يخص مدونة الأسرة ،ونخصص المطلب الثاني للأسباب التي تستدعي ضرورة تعديل المدونة بعد 10سنوات من التطبيق .

المطلب الأول : مدونة الأسرة القرار السياسي وسياسة التشريع .

أن التنشئة السياسية لأي مكون حزبي مرتبطة جذريا بالمتغيرات وبالتحولات في المنظومة السوسيوثقافية داخل المجتمع أو خارجه، إن أول اختبار حقيقي داخل الساحة السياسية المغربية في عهد ما أصطلح عليه آنذاك بحكومة "التناوب التوافقي" كان في الرجة التي عرفتها الساحة السياسية عندما ظهر مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية. هذه الخطة المقترحة في عهد حكومة التناوب، كانت فرصة لقياس ميزان الحرارة والذي أظهر مدى العمل الذي يستوجب القيام به لخلق نوع من الإجماع من أجل خلق مجتمع ديمقراطي حداتي قادر على مجابهة قوة العولمة.

الآليات والميكانيزمات السياسية التي تلت هذه الخطة من خلال الإجماع الذي عرفته مدونة الأسرة، جعلت المغرب يدخل  في عملية التحديث السياسي العقلاني. فبعد مرحلة الجمود والتقليد السياسي بكل أشكاله، كانت مرحلة التناوب والتي تعدُ النواة الصلبة للمشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي.

الانتخابات التشريعية لشتنبر 2002 ، رغم السياق العام التي جرت فيه، جعلت المغرب، من خلال ميثاق الشرف بين جميع مكونات الجسم السياسي المغربي،  يقطع شوطا كبيرا للخروج من عملية الشرود السياسي التي طبعته بحكم هشاشة المؤسسات الحزبية. التغييرات القانونية والتنظيمية التي عرفتها العملية الانتخابية أنداك كانت السمة الأساسية التي كرست للتناوب الديمقراطي والذي تأثر بشكل أو بآخر بالأحداث المرعبة لـ 16 ماي 2003 التي عرفتها مدينة الدار البيضاء. هذه الأحداث الدامية أبانت على ضعف التأطير الحزبي و السياسي للشارع و بالتالي أبرزت ضرورة تقويم السلوكيات والقيم السياسية وحتى الهياكل المؤسساتية للأحزاب السياسية المغربية من أجل أداء وظيفتها الحقيقية بدل  انشغال غالبيتها بحروب سياسية ضيقة جعلها تسقط في فخ الخطابات السياسوية و الشعبوية الفارغة من كل خطاب يؤسس للقطيعة و ينمي روح المبادرة و الاجتهاد. كل هذا  جعل الساحة فارغة من أي تأطير مؤسساتي فاعل وهذا ما أدى إلى فراغ سياسي مدمر، هذا الفراغ أظهرته بالملموس انتخابات 7 شتنبر 2007 من خلال تدني نسبة المشاركة الانتخابية و أبان على جدوى البحث الفعال المناسب لمقاربة شاملة تأخذ بعين الاعتبار التغيرات السوسيوثقافية و الاجتماعية التي أصبحت تميز المغرب.

العزوف السياسي هو الداء الخطير الذي قد يصيب أي مسار ديمقراطي .المنهجية الديمقراطية التي اعتمدها المغرب مباشرة بعد هذه الانتخابات  لتحديد المسؤوليات وإعطاء بعد سياسي لعملية الانتقال الديمقراطي و الخروج به من عملية التقليد إلى التحديث، هي في حد ذاتها منهجية عقلانية لتحديث البنى الأساسية للدولة والمجتمع و جعل الجميع، بدون استثناء، أمام مسؤولياته.

ويجب هنا أن نضع هذه الكلمات المباركة من جلالة الملك محمد السادس حفظه الله أمام مجلس النواب في الدورة التشريعية أمام البرلمان المغربي في عام 2003:-   

" وإذا كانت مدونة 1957 قد وضعت ، قبل تأسيس البرلمان ، وعدلت سنة 1993 ، خلال فترة دستورية انتقالية ، بظهائر شريفة ، فإن نظرنا السديد ارتأى أن يعرض مشروع مدونة الأسرة على البرلمان ، لأول مرة ، لما يتضمنه من التزامات مدنية ، علما بأن مقتضياته الشرعية هي من اختصاص أمير المؤمنين ، وإننا لننتظر منكم أن تكونوا في مستوى هذه المسؤولية التاريخية ، سواء باحترامكم لقدسية نصوص المشروع ، المستمدة من مقاصد الشريعة السمحة ، أو باعتمادكم لغيرها من النصوص ، التي لا ينبغي النظر إليها بعين الكمال أو التعصب ، بل التعامل معها بواقعية وتبصر ، باعتبارها اجتهادا يناسب مغرب اليوم ، في انفتاح على التطور الذي نحن أشد ما نكون تمسكا بالسير عليه ، بحكمة وتدرج.وبصفتنا أميرا للمؤمنين ، فإننا سننظر إلى عملكم ، في هذا الشأن ، من منطلق قوله تعالى "وشاورهم في الأمر" ، وقوله عز وجل "فإذا عزمت فتوكل على الله".وحرصا من جلالتنا ، على توفير الشروط الكفيلة بحسن تطبيق مدونة الأسرة ، وجهنا رسالة ملكية إلى وزيرنا في العدل. وقد أوضحنا فيها أن هذه المدونة ، مهما تضمنت من عناصر الإصلاح ، فإن تفعيلها يظل رهينا بإيجاد قضاء أسري عادل ، وعصري وفعال ، لا سيما وقد تبين من خلال تطبيق المدونة الحالية ، أن جوانب القصور والخلل لا ترجع فقط إلى بنودها ، ولكن بالأحرى إلى انعدام قضاء أسري مؤهل ، ماديا وبشريا ومسطريا ، لتوفير كل شروط العدل والإنصاف ، مع السرعة في البت في القضايا ، والتعجيل بتنفيذها.كما أمرناه بالإسراع بإيجاد مقرات لائقة لقضاء الأسرة ، بمختلف محاكم المملكة ، والعناية بتكوين أطر مؤهلة من كافة المستويات ، نظرا للسلطات التي يخولها هذا المشروع للقضاء،فضلا عن ضرورة الإسراع بإحداث صندوق التكافل العائلي.كما أمرناه أيضا ، بأن يرفع إلى جلالتنا اقتراحات بشأن تكوين لجنة من ذوي الاختصاص ، لإعداد دليل عملي ، يتضمن مختلف الأحكام والنصوص ، والإجراءات المتعلقة بقضاء الأسرة ، ليكون مرجعا موحدا لهذا القضاء ، وبمثابة مسطرة لمدونة الأسرة ، مع العمل على تقليص الآجال ، المتعلقة بالبت في تنفيذ قضاياها الواردة في قانون المسطرة المدنية الجاري به العمل ".

وهو خطاب بين في مجمله مدى حكامة جلالته وحجم المسؤولية التي يجب أن تكون منهاج عمل لكل أطياف المجتمع المغربي بأحزابه وتياراته السياسية والأيدلوجية وأهمية موضوع الأسرة منذ بداية تشريع قانون وضعي للملكة في الأحوال الشخصية عام 57 ، وهذه المسؤولية هي التي تستوجب من جميع الأحزاب الخروج من نفق الكتلة و الوفاق و الوسط  ، فالمرحلة الحالية تستوجب الخروج من فلسفة التوافقات السياسية ونظام الحصص التي طبعت المشهد الحزبي المبلقن و الدخول في عهد القطبية  المبنية على تقارب في التصور و الممارسة السياسية الخلاقة ذات الأهداف التي يكون فيها المواطن العنصر الأساسي ومصلحة الوطن والمحافظة على آمنه وسلامه هي المصلحة العليا لكل الفرق السياسية داخل أروقة البرلمان وصناعة القرار وصياغة التشريعات الوطنية .

ولايخفى على الجميع الدور الذي لعبته الهيئات الدولية لتفعيل الاتفاقيات والمعاهدات الدولية في صناعة القرار وفق للتطور الدولي لصالح العولمة وحكومة العالم الموحدة بشكلها المبطن لتمرير دعائم التطبيق على المستوى الداخلي للدول الوطنية بحيث يتم ربط الفرد مباشرةً بالتطبيق المباشر للمخططات العالمية ،وقد كانت ولا زالت قضية المرجعية هي النقطة الجوهرية في الخلاف، فإن ما تبقى تحصيل حاصل، فقضايا حذف الولاية نهائياً، ورفع سن الزواج، وجعل الطلاق بيد المرأة أو القاضي، والمساواة في الإرث، واقتسام الممتلكات بعد الطلاق، ومنع تعدد الزوجات، والحرية الجنسية للمراهقين، وتقنين الدعارة، وغيرها من القضايا كانت هي الأخرى موضع مواجهات إعلامية وسياسية وشعبية .ومن أسباب التوتر والمواجهات قضية التمويل الأجنبي للخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنميةالمشروط والواضح  فمن المعروف أن الخطة مولها البنك الدولي ووثق ذلك في الصفحة الأولى للمشروع: بتمويل من البنك الدولي، ومن المعلوم أن البرامج المتعلقة بقضايا التعليم والمرأة والإسكان وتنظيم النسل أصبحت هي المفضلة عند البنك الدولي، ولم يعد البنك يكتفي برهن السياسات الرسمية لمشاريعه ومخططاته، ولكنه انتقل بعد ذلك على التحكم في مؤسسات المجتمع الأهلي وتحويلها إلى مؤسسات للضغط على الحكومات من أجل فرض قيم العولمة الغربية، ولقد علم أن دول الاتحاد الأوروبي منحت لوحدها أربعة مليارات سنتيم لجمعيات مدنية مغربية، دون الحديث عن الهيئات الأمريكية والكندية، لذلك لم يكن غريباً أن تصر الجهات المؤيدة للخطة على ضرورة وفاء المغرب لتعهداته فيما يتعلق بخطة بيكين وغيرها ، ولا غرابة أن يظهروا تأففهم وتضايقهم من التحفظات التي سجلتها الحكومة المغربية على المشروع الدولي.

وبالنظر إلي الإشكاليات الحاليــة في المـدونة و التطبيق المتباين للعمل القضائي ، سببه سياسي محض ، والذي يعــود في أســـاسه إلى مسار تاريخي .وقد حظيت في هذا الصدد بشرف الحضور لعــديد الندوات الرسميــة والمجتمعيـــة بخصوص مـــدونة الأسرة واستمعت للانتقادات الموجهة إلى نصوصها وكـــذلك تقـــارير ومداخـــلات حول إشكاليات التطبيق أمام المحاكم والقضاء المغربي ، وقد أطلعت على ما لا يقل عن 200 حكم بشأن قضــايا الأسرة من كافة محــــاكم المملكـــة وعلى مختلف درجـــــات التقاضي - ابتدائي – استئناف – نقض متنوعة الفترة الزمنية طيلة 10 سنوات من التطبيق . والتي ترجـــمت لنا وبشكل واضح عن الآتي :

1/ تأثيرالاتجـــاهات الفقهية في مرجعية التفسير لروح النص ، والمرجعيات الأيدلوجية والانتماء السياسي " الحداثى – الأصولي " .

2/  أبانت عن الخلال في منظومة تطبيق نصوص المدونة والتي كان السبب فيها عدم الوضوح من قبل المشرع في مسائل عديدة .

3/ التداخل بين السلطات في الاختصاص والتباين الواضح في الأداء بين السلطة التشريعية والقضائية في تجسيد المبادئ التي كانت وراء تعديل المدونة والتي جاءت واضحة في خطاب جلالة الملك محمد السادس حفظه الله .

4 / صعوبة الانتقال الديمقراطي وتكييف التوافق السياسي للفرق البرلمانية وصناعة الصياغة التشريعية لمدونة الأسرة بما ينعكس على تطبيقها بضمان العدل والمساواة ورفع الحيف وصيانة الأسرة .

5 / الدور الإعلامي الباهت في مخاطبة المجتمع المغربي بضرورة إنجاح مدونة الأسرة كمكسب مهم للمجتمع وليس للمرأة فقط .

6/ الخلل الواضح في ديناميكية العمل القضائي وعدم نجاح الدليل العملي الذي صدر للمدونة عن طريق وزارة العدل .

7 / الموروث الثقافي والعادات والتقاليد والتنوع الحضاري الذي يشكل ثروة حضارية للمغرب بعيد جدا عن روح النصوص وتأثيره المباشر في التطبيق أو في عدم الالتزام خصوصاً فيما يتعلق بالزواج .

8 / الاحترام المبالغ فيه للاتفاقيات والمعاهدات الدولية وتغليب هذا التوجه في مدونة الأسرة على حساب الضرورات الوطنية .

9 / تأثير التوافق السياسي على صياغة مدونة الأسرة 2004 والنتائج المترتبة عن ذلك على مؤسسة الأسرة وآليات التطبيق .

10/ البطء الشديد في تفعيل المرافق والهيئات الداعمة للتطبيق السليم للمقتضيات الاجتماعية التي يستوجبها تنفيذ الأهداف والمبادئ والفلسفة التي تطورت بتطور سلطة التشريع وإصدار القوانين بالمملكة المغربية .

11/ ويدخل من أهم الأسباب وجديدها هو الدعوة لتحكيم شرع الله من قبل جماعات متطرفة ومتشددة تأخذ من الثغرات التي تطبق خصوصاً في مجال الأحوال الشخصية والأسرة منطلقها الإقناعى للفئات الشعبية والفقيرة وتنامي تلك التيارات بسرعة تفوق البطء التشريعي والعمل الحكومي .

12/ التهديد الحقيقي للمتطرفين الإسلاميين والذي بدأ يداهم الدول المغاربية تونس –ليبيا مثلاً ويجند الشباب ويسخرهم لتدمير أوطانهم بحجة إقامة شرع الله وتحكيم الشريعة الإسلامية وفق تصوراتهم على حساب الدولة المدنية ومؤسساتها .

13/ ضرورة الإسراع بإدخال تحويرات جذرية على العمل القضائي لأن القضاء والمحاكم والعدل هو المستهدف الأول لتلك الجماعات المتطرفة المتشددة بحجة تحكيم شرع الله والحكم ليس للقضاء الذي يحكم بالقانون الوضعي .

وحقيقة نضع الآن وفي هذا الظرف الزمني الذي تمر به أمة الإسلام والمنطقة المغاربية على وجه الخصوص وقياسا ً بالواقع الليبي الذي أنتج لنا المقارنة الواقعية العديد من التعجبات فما فرض بالأمس من اتفاقيات ومعاهدات دولية وعن طريق إكراهات مالية من صندوق النقد الدولي لتعديل القوانين الداخلية سنجنى ثماره السلبية بهذه الفتنة التي يغديها ممولي نفس المشاريع الدولية التي همها الإنسان وكرامته معادلة صعبة الفهم في الوقت الحالي ولكن الحلول البديلة ممكنة وتحتاج إلي جهد وتفاني وتغليب المصلحة الوطنية في كل تلك الاكراهات ووضع " المسؤولية الاستباقية " في إدارة الأزمات والحلول على مستوى العمل السياسي والابتعاد عن الانتماء الحزبي الضيق المفهوم والبحث عن الحلول الشمولية في صناعة التشريعات الوطنية .

 

 

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق