]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مدونة الأسرة المغربية بين الثوابت والمتغيرات .الجزء الثالث

بواسطة: أحمد الذيب  |  بتاريخ: 2015-01-08 ، الوقت: 07:59:06
  • تقييم المقالة:

المطلب الثاني : مرحلة مشروع " الخطة الوطنية " ومدونة الأسرة .

التجادل والتصارع على موضوع الأســرة والأحـــوال الشخصية لم ولن يكـــون صراع قانوني حول مكــــانة المرأة في المجتمع ،ولم يكن صراعاً بين من يتمسك بالدين والهوية والأصالة ، ومن تجــاوزها وفرط فيها ، بل كان في حقيقته صراعاً سياسياً إستراتيجياً رهانه البعيد المدى سيحدد مسارات المجتمع المغربي في الانتقال من نمط مجتمع تقليدي محافظ إلى مجتمع ديمقراطي حداثي .

لعل مــن أبرز المراحــــل السياسيــــة في المغرب هي تلك التي اتسمت بانخــراط المغرب في تجربة "التناوب التوافقي". هذه المرحــــلة كرست لنهاية مسار مهم من الحوار داخل الساحة السياسية و جعلت المغرب يتعاطى كليا ،بعيدا عن العنجهيـــة السياسيـة الســائدة أنداك  بين مختلف الأطياف المكونة للجســـم السياسي،  في عملية تطوير نظمه ومؤسساته السياسية..

إن هذه المرحلة من تاريخ المشهد السياسي المغربي عرفت نهاية المعارضة التقليدية وخلقت واقعا جــديدا تميز بظهور تشكيلات سياسية ذات فكر و إيديولوجيات سياسية ولدت تفاعلات حية. هذه الأخيرة، حولت المتغيرات التي كانت ترتكز عليها المعادلة السياسية المغربية، وظهرت بالخصوص أطياف جديد، تمثلت بالأســـــاس في الظهور الرسمي لبعض المكونات السياسية.

هنا نجد بأن تجربة التناوب التوافقي كرســـت، حقيقة، مفـــهوم التنمية السياسية من خـــلال إعطاء والسماح لما يسمى "المتغير الإسلامي" بالمشاركة، ويصبح هكذا فاعلا،  داخل المعادلة السياسية.

إن أول اختبار حقيقي داخل الســــاحة السياسية المغربية في عهــــد ما أصطلح عليه آنذاك بحكومــة "التناوب التوافقي" كان في الرجة التي عرفتها الساحة السياسية عندما ظهر مشروع الخطـة الوطنية لإدمــاج المرأة في التنميـــــة. هذه الخطـــة المقترحــة في عهد حكومة التناوب، كانت فرصة لقياس كــــافة معايير التغيير والذي أظهر مــدى العمل الذي يستوجب القيــــام به لخلق نوع من الإجماع من أجـــل خلق مجتمع ديمقراطي حداثي قادر على مجابهة قوة العولمة.

وكان شرارة ذلك الاختبار التصريح الحكومي في أبريل 1988الذي جاء إرضاء للجمعيات النسائية اليسارية التي مافتئت تطالب بتغيير مــدونة الأحوال الشخصية جــــاء في التقرير الحكومي (أبريل 88) الذي تقـــدم به الأستــــاذ / عبدالرحمن اليوسفي الوزير الأول في حكومة التناوب آنذاك ومن ضمن ما جاء فيه :-

" أنه يجب إعمال الفصول الايجابية التي تضمنتها مــــدونة الأحـوال الشخصية ببلادنا والقيام بإصلاح تدريجي لهذه المدونة في نطاق احترام  قيم ديننا الحنيف الإسلامي " مع العلم أن حكومة التناوب هذه التي يتقدمها حزب الإتحاد الاشتراكي قد أظهرت تعاطفاً كبيراً مع تلك الجمعيات النسائية .وفي هذا الإطار سيوضع مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية .

أولاً- مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية :

لقد تم تهيئة مشروع الخطة الوطنية للتنمية من طرف كتابة الدولة المكلفة بالرعاية الاجتماعية والأسرة وقد كان على رأسها آنذاك الأستاذ /سعيد السعيدي المنتمى لحزب التقدم والاشتراكية وحسب ما سطر في مقـــدمة هــــذا المشروع على أنه يتبنى في منطلقاته على عناصر ثلاثة :

1/ المرجعية الدينية :

                تعتبر الشريعة الإسلامية النساء شقائق الرجال في الأحكام وهى تؤكد على قاعدة ( وأن لهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) الآية 226من سورة البقرة .

2/ المرجعية الوطنية :

- الإرادة الملكية التي بدأت في الانتصار لتحسين وضعية المرأة والحفاظ على حقوقها . - القواعــــد الدستورية التي تقرر المســــاواة بين الرجل والمرأة والتي تعترف بحقوق الإنسان كما هي    متعارف عليها دولياً . - التصريح الحكومي الذي وعد بإصلاح تدريجى لمدونة الأحوال الشخصية .

3/ المرجعية الدولية :

تنطلق هـذه المرجعية من الإعـــلانات العالمية وبرامج العمل الصادرة عن كل من القمة العالمية للتنمية الاجتماعية " كوبنهاجن 1995 والمؤتمر الدولي للسكان والتنمية القاهرة 1994والمؤتمر الرابـع للمرأة بكين 1995 وهـذه كلها محـــطات دولية لسلسلة متواصلة بـــدأت بمؤتمر نيبروبي سنـة 85، وانضمام المغرب إلى الاتفاقية الــــدولية للقضاء على جميـــع أنواع التمييز ضـــد المرأة وغيرها من الاتفـاقيات الخاصة بحقوق الإنسان .

وإذا كان مشروع الخطة يتضمن برنامـجاً شمولياً ذا طبيعـــة اجتماعـية واقتصــادية وسياسيــة وقانونية يرمى من وجهة نظر واضعيه إلى تحسين أوضاع المرأة داخـــل المجتمع المغربي فأننا ســوف نتوقف عند  المقتضيات المتصلة بالأحوال الشخصية فقط ،لأنها تمثل الشق الذي يهمنا في ذلك المشروع .

وهكذا فمن خلال وقوفنا عنــد الجانب المخصص في مشروع الخطـــة لتدعيم السلطة القانونية للنســـاء والرامي إلى مراجعة بعض مقتضيات مدونة الأحوال الشخصية نرصد ما يلي :

   أ / رفع الزواج إلي 18سنة و جعل حكم الوصاية في الزواج ثانوياً وحذف التطليق وإقرار الطــــلاق وكذلك حذف تعدد الزوجات واقتراح حالات إسثتنائية حسب تقدير القاضي وبموافقة الزوجة الأولى .

ب /توحيد سن الحضانة بغض النظر عن جنس الأطفال في 15سنة وإلغاء كون زواج الأم المطلقة في سقوط حق الحضانة وإخضاع حق التصرف في أملاك القاصر للقاضي سواء كان الممثل الشرعي هو الأب أو الأم .

ج / توسيع مفهوم النفقة ليشمل بيت الزوجية كمكون أســــــاسي وإقرار نصف الممتلكات المكتسبة خــلال فترة الزواج للمرأة المطلقة .

د / إنشاء لجنة مختصة وذات كفاءات مكلفة بضمان تناسق وتحسين مقتضيات القانون الوضعي التي تعرقل مشاركة النساء في التنمية وسوف تتكلف بالتفكير في رفع التحفظات الخاصة باتفاقية إلغاء كل أشكال التمييز ضد النساء .

هـ /العمل على ملاءمة عدم احترام مقتضيات قانون الأسرة والعقوبات وخلق محـــــاكم أسرية وتكوين قضاةمتخصصين في معالجــة المشــاكل الأسرية وتكـــوين أعــــوان قانونيين متخصصين في معـالجة المشاكل الأسرية والاعتراف للنساء القاضيات بتخصصات قاضي التوثيق .

و/  إعفاء القضايا المرفوعة بالمحاكم المتعلقة بتطبيق قانون الأسـرة من الضرائب القضائية وخلق  صندوق  ضمان لتغطية النفقة في حالة عجز الزوج على الأداء.

ثانياً – مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية بين المؤيد والمعارض :

1- التيار المؤيد

تمثل هذا التيار في مختلف الأحزاب السياسية اليسارية وفي مقدمتها حزب الاتحاد الاشتراكي الذي كان يقود آنذاك الائتلاف الحكومي وتبعها في ذلك التأييد مختلف الجمعيات النســائية اليسارية التي تنبثق من تلك الأحزاب أو تتبنى نهجها السياسي والأيدلوجي ، وقد اعتبرت الهيئات المساندة لمشروع الخطة أنها تمثل إنجــازاً حكوميا غير مسبوق لأن هــذا المشروع وعلى عكس المشاريع الحكومية الســـابقة جـــاء ببرنامج شمولي ومتكــامل لصالح المرأة المغربية وفي هذا الإطــــار ولتأكيد مساندتها للمشروع رفعت أحـزاب يسـارية مـذكرة إلى الوزير الأول تعبر عن تشبتها بالخطة وإلحــاحها على تفعيلها وتم تكـريس ذلك التأييد بمسيرة ضخمة أقيمت بالعاصمة الرباط في يوم 12/مارس /2000بدعوي من أحزاب الكتلة وضمت وزراء وممثلين نقابيين وهيأت جمعوية وحقوقية وأحزاب وقادة سياسيين .

2- التيار المعارض :

في مقابل التيار المؤيد كان تيار آخر مناهض لمشروع خطة إدماج المرأة في التنمية تتزعمه مختلف الفعاليات الدينية في المجتمع المغربي مثل رابطة علماء المغرب  خطباء وعلماء دار الحديث الحسنية وبعض خطباء المساجد وجمعية العدول بالمغرب ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية والتيار الإسلامي بمجلس النواب وقد أصدرت رابطة علماء المغرب في 27ماى 1999بياناً أكدت فيه أنها لم تستشر في الموضوع وأن مشروع الخطة تم وضعه من جانب جمعيات غير متخصصة في غياب العلماء وفقهاء الشريعة الإسلامية وأكدت أن الاجتهاد هو " اجتهاد أهل العلم والاختصاص لا اجتهاد غيرهم من المبهرين بالحضارة الغربية الطامعين في فتات مثالبها " كما أكد البيان على أن " علماء المغرب يحذرون من تغيير أحكام الشريعة الإسلامية في مجال الأسرة وغيرها لما يترتب على ذلك من نتائج وخيمة وأصدر العلماء خريجوا دار الحديث الحسنية بدورهم بياناً في 20يونيو 1990ردوا فيه على مشروع الخطة حيث اعتبروه مخالفاً للشرع ومناقضاً لأحكامه ، وعلى مستوى آخر أصدرت منظمة تجديد الوعي النسائي بياناً في 11غشت 1999تندد فيه بإقصاء الجمعيات النسائية ذات التوجه الإسلامي  ، وحتى تعبر عن رفضها لمشروع الخطة نظمت الهيئة الوطنية لحماية الأسرة المغربية بتنسيق مع عدد من المنظمات النسائية وتحت شعار " النساء شقائق الرجال في الأحكام " مسيرة ضخمة بمدينة الدار البيضاء في نفس اليوم الذي نظمت فيه التيارات المؤيدة مسيرتها بالرباط أي في 12مارس 2000.

ولأن هذا الخلاف صار من الحدة لدرجة أنه أصبح ينذر بتصادم عنيف بين الطرفين بادر الوزير الأول إلى تشكيل لجنة استشارية في 12 ماى 2000وهى لجنة لم تجتمع قط لأنها حملت في تركيبها بوادر فشل .

 

ثالثاً : تدخل السلطة العليا وتشكيل اللجنة الاستشارية الملكية :

في يوم 5مارس2001أعلن جلالة الملك محمد السادس عن تشكيل لجنة استشارية ملكية لإصلاح مدونة الأحوال الشخصية وفي يوم 27أبريل من نفس السنة أعلن جلالة الملك بالقصر الملكي بفأس عن أعضاء تلك اللجنة حيث تم استقبالهم بصفة رسمية ومن أبرز ما جاء في الكلمة التي ألقاها جلالة الملك محمد السادس حفظه الله بالمناسبة أنه حرص منذ توليه عرش المملكة المغربية على النهوض بأوضاع المرأة في كل المجالات وذلك بناء على أحكام الشريعة الإسلامية فيما أحلت أو حرمت من أجل ترسيخ قيم العدل والمساواة بين الرجل والمرأة ، وحتى يكون عمل اللجنة الاستشارية الملكية ذا فعالية ذكر صاحب الجلالة بأنها مطالبة بالإصغاء إلى كل الأطراف المعنية وفتح الأبواب أمامها لكي تدلي بآرائها والوقوف عند مطالبها بإمعان وتبصر، وبالقراءة المتأنية لواقع اللجنة الاستشارية لتعديل مدونة الأحوال الشخصية نلاحظ أنه يغلب على هذه اللجنة الطابع الفقهي المحافظ .

رابعاً : إصلاح قضاء الأحوال الشخصية :

من التصريحات القلائل التي صدرت عن رئيس اللجنة الاستشارية الملكية لإصلاح مدونة الأحوال الشخصية الأستاذ / إدريس الضحاك في لقاء تلفزى أن عمل اللجنة يسير في اتجاهين ،اتجاه يخص قضاء الأسرة وتفعيل الإجراءات المسطرية التي تتحكم في وظيفته واتجاه يخص إصلاح القواعد الموضوعة المضمنة بمدونة الأحوال الشخصية وأن ما تقرر بشأن الاتجاه الأول أي الجانب الإجرائي المسطري سيعلن عنه .

وغني عن البيان أن تطبيق وتأويل القواعد الموضوعية المضمنة في مدونة الأحوال الشخصية بكيفية سليمة رهين بأمرين :

1/ وجود قضاء مؤهل علمياً أي ذي تكوين قانوني وفقهي في ذات الوقت مع إلمامه بواقع مجتمعه وخاصة ما اتصل منه بالعلاقات داخل الأسرة المغربية .

2/ وضع إجراءات مسطرية تلائم النزاع المتصل بتطبيق قانون الأحوال الشخصية وتفعيل أحكامه بالسرعة المطلوبة .

إن المتغيرات البنيوية التي عرفها المغرب منذ الاستقلال سواء على الصعيــــد الديموغرافي أو الاقتصــادي أو التكنولوجي أو السياسي والتحولات التي طرأت على البنية الاجتماعية وخـــاصة على الأسرة المغربية منذ عام 57-58 أي تاريخ صدور مدونة الأحـــوال الشخصية بل حتى منذ عـــام 93 تاريخ تعـــديلها والممتدة إلى فترة صدور مدونة الأسرة 2004 لم تواكبها تحولات من نفس الحجم على الصعيد القوانين بنفس الوتيرة ، كمـا على ما يبدوا من جهة أخرى لم تواكبها تحولات من نفــس الحجـــم في السلوكيات والذهنيات الفردية والجماعية من جهة أخرى كل هذه العوامل أدت إلى وضعية مشوبة بتناقضات كثيرة يمكن تشبيهها بأعراض الانفصام انفصام الواقع اليومي والقوانين وخصوصــا في الســـلوكيات اليومية والثقافـــة الســـائدة التي أصبحت في أواخر القرن الماضي وبداية هذا القرن عبارة عن مزيج بين التقاليد وبين زخم العولمة وأنماطها ورموزها .

أن القــانون ليس في نهاية الأمر إلا تعبيراً مكثفاً عن النظـــام السياسي الاجتماعي وعلاقـات السلطة القائمة فيه سواء تلك التي توجد بين الفئات والطبقات أو بين النساء والرجال ..

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق