]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مدونة الأسرة المغربية بين الثوابت والمتغيرات .الجزء الثاني

بواسطة: أحمد الذيب  |  بتاريخ: 2015-01-08 ، الوقت: 07:56:42
  • تقييم المقالة:

المبحث الأول : إشكالات التنزيل وآثارها .

من الملاحظ على عديد الكتابات المتخصصة التي واكبت صدور المدونة في 2004م ، أنها أشارت إلى جـــملة من الانتقادات والمخاوف التي حذرت من عـــدم وضوح النصوص في بعـــض المســائل والهاجس هــــو كيف سيكون حــال العمـــل القضــــائي في ظـــل نصوص متداخــلة وغير قطعية الأحكــام ، ممــا سيتسبب في ثغــرات وتضارب ستبينه الانتقادات والنتائج العملية التي واكبت العشرية الأولى للعـــمل بالمدونة ، الآمــر الذي يجعـــــلنا نربط الماضى بالحاضر ونستعرض الظروف التي صاحبت تعـــديل 1993م وأثرها في المطلب الأول ،ونستعرض الظروف التي أدت إلى صدور مـــدونة الأسرة 2004م في المطلب الثاني .

المطلب الأول : تعديل  93 الأسباب وآلية التنزيل  .

من المسلمات أن قــــوانين الدول عبر التاريخ تراجع وتعــــدل حسب الحــــاجة السياسية والواقعيــة كتغير الإستراتيجيات على مستوى العمــــل السياسي أو لفراغ قانوني أو ضرورة تشريعية تســـد حاجة اجتماعية أو لمواكبة التطورات الدولية من اتفاقيـات ومعــاهــــدات تفرض تعــديل بعض القوانين الداخليـــــة والنصوص الدستورية أحياناً ،بمراعاة الدين والعرف والعادات والتقاليد الوطنية

أ -  مر تشريع الأحوال الشخصية أو الأسرة بالمملكة المغربية بآليات قانونية لصياغة الأحكـــام التي تحكـــم مدونة الأسرة أساسها تحقيق الوسطية في مراعــــاة الحقوق والواجبـــات للمواطنين ، وتحقيق التوازن في ذلك ،وأيضاً تطوير العلاقات الإنسانية والاجتماعية بين الرجل والمرأة في احترام تام للمرجعية الإسلامية واحترام الالتزامات المصادق عليها دولياً.

ب - إن ورش إصلاح مدونة الأحوال الشخصية الذي طرح منذ السبعينيات وازداد إلحاحاً وحدة منذ الثمانينات وشكل محــوراً أســـاسيا للحركـة النضالية النسائيـــة التقدميـــة معــززة ذلك بنمو وتطـــور الحركة الحقوقيـــة بالمغرب ،وعلى الصعيد الدولي حيث كان إجماع هــذه الحركة على أن وضعية المرأة في المجتمــــع المغربي هي مفتاح الديمقراطية والتقدم ، وأن حقوق المرأة هي جزء لا يتجزأ من حقـــوق الإنســــان بمفهومها العالمي ومبادئها الكونية .

ج - عرفت مســـألة المرأة أهميــة كبرى في النصف الأخير مـــن القرن التاســــع عشر وتزايد في الاهتمـــــــام بحقوقها وأهميتها لتقدم المجتمعات وتطويرها خصوصاً في مطلع الثمانينات ومنـــذ اتفاقية القضـــاء على جميع أشكـــــال التمييز ضـــــد المرأة ( السيداو) الصـــــادرة عـــام 1979م. أول الإعلانات والاتفاقيــــات الصادرة عن الأمم المتحــــدة التي تتعلق بإلغــــاء التمييز ضــــد المرأة.وانعقــــاد المؤتمر العالمي بنيروبي سنة 1985م ،والذي زاد من نشـــاط المجتمع المدني دولياً وســــاهم في نشر ثقافة حقوق المرأة والطفل .

د -  تفعيلاً لكل تلك الاعتبارات انطلقت بمبادرة من إتحاد العمل النسائي في الثامن من مارس عام 1991حملة وطنية من أجل تغيير مدونة الأسرة ومطابقتها مع الدستور في إقرار مبدأ المساواة بين الجنسين ، وعقد الإتحاد ندوة يعرض فيها مطـــالبه الإصلاحيــة وهي المطالب التي أثارت نقاشــات واسعة وتباينات حـــــادة في الرأي العام المغربي بين مؤيد حداثي ومعارض أصولي وأخذ التباين في الموقف اتجاهات سياسية.

هـ- ازداد موضوع المرأة أهميـــة في الشأن الـداخلي المغــربي وأصبح محــط نقاشات لدى العديد من الحركات النسائية بالمغرب مما جعل هــــذه القضية أساسية ومصيرية بالنسبة لتلك الحركــــات ،وفي عام 1993م شكلت معركة تعديل مدونة الأحوال الشخصية حدثاً بارزاً في الســـاحة الوطنية، إذ صارت موضوعاً لدراسات متعددة الجوانب ، وأهم المطالب التي نادت بها الحـــركة النسائية انطـــلاقا من المبـــدأ القائل " النساء شقائق الرجال " وبمساندة مؤيديها من اليسار السياسي :-

1/ وضع الطلاق بيد القضاء .

2/ نزع طابع القدسية عن مدونة الأسرة بتعديلها ودمجها في النسق الوضعي للتشريع .

3/ ملاءمة نصوصها مع الواقع المجتمعي المغربي الذي اكتسبت فيه المرأة أدواراً جديدة .

4/ تحوير وتعديل المدونة بما يتماشي مع الدستور والمواثيق والمعاهدات الدولية التي صادقت عليها المغرب.

5/ رفع الولاية في الزواج .

6/ حق المرأة في الولاية على أبنائها مثل الرجل .

7/ منع تعدد الزوجات .

8/ النفقة والحضانة .

ووضعت الجمـعيات النسائية مطالبها في إطـــار" تأويل جـــديد للقـــــانون بالارتكــــاز على الاجتهاد وحقـــوق الإنسان والعدالة والمساواة" وعقدت لأجل ذلك تجمعات خطابية مختلطة في المدن الكبرى. وتابع اتحـــاد العمل النسائي هذه الحملة عبر نقاشات مفتوحة وعمومية، وتوزيع العرائض والنداءات في جريدة 8 مـــــارس وأنوال وتكوين لجن حسب الأقــــاليم والأحياء والإدارات والمكاتب والاتصالات المباشرة بالبيوت والنقاشـات المباشرة في الحافلات والجامعات.لكن كل هذا لم يلق الترحـــاب من طرف الفقـــهاء والتيارات الإسلاميـــة فبدأت تهاجم المناضلات النسائيات عبر جرائـــد الراية والنور والصحوة وتنعتهن بالإلحاد وأصدرت فتاوى في حقهن. ورغم هذا فقـــد بلغت العريضة مـــليون توقيع في بضع شهور فقط وكانت التوقيعات من كلا الجنسين .مما استدعى تدخل الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله في خطابه الشهير في 20غشت 1992 ليعلن أن مدونة الأحوال الشخصية من اختصاص الملك بوصفه أمير المؤمنين .

وبعد ذلك بشهر يستقبل وفداً يمثل الحركــات والجمعيات النسائية بالمغرب ليعدهم بالنظر في شــأن المدونة بما يكفل للنساء حقوقهن طبقاً لثوابت الشريعة الإسلامية.

هذا باختصار أهم أسبـــاب التعديل لمــدونة الأحـــوال الشخصية في عام 93 كيف جاء التعديل ومــــا شمله من تعديلات ؟ .

وكيف اعتبرته الحركات النسائية والتيارات السياسية ؟.

أعلن جلالة الملك الراحل الحسن الثاني  في الرابع عشر من أكتوبر 1992 تشكيل لجنــة لتعديل مدونة الأحوال الشخصية برئاسة الأستــــاذ /عبد الهادي بوطالب توجت بإصدار مدونة الأحــوال الشخصية بتاريخ10/09/93

والتي تمحورت التعديلات الأساسية فيها على الطـــلاق والحضانة .

كانت اللجنة المكلفة بالتعديل مكونة من: - مستشارين للملك – وزير العدل – وزير الحبوس – عضو بأكاديمية المملكة – أربعة أعضاء بالمجالس العلمية الجهوية – الكـــاتب العـــــام للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان – أربعة أساتذة في العلوم الدينية – رئيس جامعة القرويين – قاضيين ساميين – ثلاثة أســـاتذة قانون – امــــرأة واحـــدة مكلفة بمهمة في الديوان الملكي

وما يمكننا ذكره هنا عن بعض التعديلات التي عرفتها مدونة الأحوال الشخصية :-

1/ تقييد تعدد الزوجات برضا الزوجة الأولى واشتراط العدل بينها وبين الثانية .

2/ توزيع الولاية في الزواج شطرين حيث تعتبر شرط صحة بالنسبة للبنت ذات الأب ، وهى ليست كذلك بالنسبة للبنت اليتيمة .

3/ إعطاء المتعة وظيفة تعويضية قياساً على أحكام المسؤولية المدنية .

4/ منح الحضانة للأب بعد سقوطها من الأم مباشرةً أو بعد تنازلها عنها بعدما كان يحتل المرتبة السادسة .

5/ منح الحق للمرأة في أن تكون ولية على أموال أبنائها القاصرين – وبحكم القانون – بعد وفاة الأب مباشرة أو بعد فقد الأهلية .

6/ المحضون بعد إتمام الثانية عشرة من العمر والمحضونة بعد إتمام الخامسة عشرة من العمر حق في الاختيار للحاضن لهم الذين يودان العيش في كنفه .

7/  وضعت حدا للطلاق الغيابي الذي كان يعطي الصلاحية للزوج لتطليق زوجته غيابيا.

8/ أصبح بالإمكان رفع دعوى استعجاليه قصد الحكم بالنفقة في مدة محددة .

9/ كما كان أيضا ضمن التعديلات, إنشاء مجلس العائلة الذي أحدث بمرسوم ملكي .

وأهم الانتقادات أو الملاحظات التي نوردها على تعديل 1993م هي :-

*- أنها كانت تلبيةً لمطالب قديمــــة تاريخيــاً منـــذ عـــام 58م والتي نمت وازدادت حدةً برغبات الجمعيــــات النسائية والتيارات السياسية ولأجل ذلك اعتمـــدت المدونة أحكامـاً لم يوجـــد لأغلبها موقعا في أي مذهب فقهي أو سني أو غير ذلك مما جعل عملها يوصف بالتسرع

*- هذه اللجنة مكونة من أشخاص في خدمة الدولـــة ولا تشمل مهتمين بميادين أخـــــرى غير الدين وقد طالبت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان بتوسيع اللجنة في 17 أكتوبر كما سبق لها المطالبة بأن لا ينحصر الحوار بين الفقـــهاء بل أن يشمل مختصين في القــــــانون والاقتصاد والاجتماع ومنظمات حقوق الإنسان.

*- أنها مزجت بين المـــذاهب السنية وفي مقدمتها الفقـــه المالكي الســائد بالمغرب الذي يمثل في إطارها مجالاً واسعاً ،ثم المــذهب الحنفي وبعــــده الحنبلي والشافعي واعتمـد التعديل كذلك على المذهب الظواهري في بعض أمهات المؤسسات القانونية فيما يتعلق بالوصية الواجبة التي نظمـها ضمن أحكام المواريث.

*- الولاية في الزواج لا تقبل التجزئة لأن في ذلك خرقاً لمبدأ عمومية وتجريد القاعــدة القانونية وكــــذلك فقهياً التلفيق بين المذاهب مسألة غير جائزة فقهياً ولها آثارها على التطبيق العملي .

*- الولاية على المال في الفقه الإسلامي لا تكون إلا للذكور دون الإناث .

*- السن التي حــــددت للمحضون في اختيار الحـــاضن للجنسين لا تتوافق والتكوين النفسي والإدراك العقـــلي لمصلحة من شرعت لهم .

*- جنحت اللجنة إلى كل تلك الأحكام في إطار اجتهادي محض ولم تخــــالف في مضمونها نص صريحــــاً في كتاب الله تعالى وسنة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وهذا حكماً أجمع عليه علماء الأمة من المجتهدين وربما نجد لهذه الأحكام أساساً فيما تفرضه الضرورة في إطار الاستحسان والمصلحة المرسلة .

*- محاولات التعديل اصطدمت بمعارضة التيار المحافظ التقليدي الذي بلغ في بعض المحطات أعلى درجـــات التهديد بتفجير الأوضاع داخل المجتمع ، وهذه المعارضة أنتجت لجان متشـــددة و متمسكة  بالتفسير المـــذهبي الضيق ومنذ سنة 1957وتعيين جواد الصقلي إلى لجنة

*- تعارض بعض نصوص تعديل المدونة مع نصوص آخري في القانون المدني والجنائي وهو ما يبرز سمة التسرع الذي غلب فيه طابع احتواء الأزمة وإرضاء الأطراف المؤيدة والمعارضة لتعديل المدونة

 ومنذ أن أعلن عن تعـــديل المــــدونة أنصبت عليها الانتقــادات من  الجمعيات النسائيــة والتيارات السياسيـــة المؤيدة لمطــالبها التي لم تستسغ هـــذه التعـــديلات لأنها لم تحـــقق أغلب متطلباتها و عبرت عن استيائها منها ، واعتبرتها أملا في إيجاد مدونة قـــــادرة على استيعاب الواقع الجـــديد للمرأة المغربيـــة و يؤسس للعلاقـــــة المتكافئة بين الرجــــل و المرأة تأسيسا على المرجعيـــة الإســلامية إلى جانب المرجعية الدولية المتمثلة أساسا في المواثيق والاتفاقيات الدولية المتعلقة بالمرأة.

واعتبر الجـــــانب الإيجابي في تعديل 1993 هو إزاحة الطابع " القدسي " عن المدونة ،ولكنها لم ترفع القدسية فقط بل سطرت اتجاه إصـــلاحي هدفه إلغاء استثناء التشريع الأسري من الطرق العادية لاستصدار أي قـــانون والذي سبب قبل 93مجالا للخلافات والصراعات كاد استغلالها السياسي أن يؤدى إلي فتنة كبرى بالمغرب . 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق