]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مولد النبي عليه السلام رحمة ونعمة من الله تعالى مع وجود جواز الاحتفال به في القرآن والأحاديث وأقوال الأئمة والفقهاء

بواسطة: غلام غوث  |  بتاريخ: 2015-01-03 ، الوقت: 11:14:44
  • تقييم المقالة:

مولد النبي عليه السلام رحمة ونعمة من الله تعالى مع وجود جواز الاحتفال به في القرآن والأحاديث وأقوال الأئمة والفقهاء

 

غلام غوث 

 

 

 

الحمد لله الذي شرف الكون بمولد نبي الرحمة والرسول الكريم وخاتم النبيين وأشرف المرسلين وأكرم الخلق محمد مصطفى صلى الله عليه وسلم. والحمد لله الذي علمنا وأعطانا جوازالاحتفال بمولد النبي عليه السلام في المصدرين الرئيسيين للتشريع الإسلامي القرآن والحديث.

 

جواز مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم

 

إن تاريخ احتفالات المولد لنبي من أنبياء الله تعالى يعود الى زمن سحيق. ونجد تأييدا قويا لها عندما أرسل الله سبحانه وتعالى السلام على يوم ولادة ووفاة النبي يحيى عليه السلام، و يقول الله عز وجل:

 

" وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا" (سورة مريم: 15)

 

إن الله سبحانه وتعالى قد أعطى الجواز للاحتفال بمولد النبي يحيى عليه السلام عن طريق إرسال السلام عليه. ويبقى الحال كما هو عليه أن عامة المسلمين يمارسون الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف. كما يخبرنا القرآن أن النبي عيسى عليه السلام احتفل بعيد الميلاد الخاص به:

 

 وقوله تعالى " وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا"(سورة المريم 19:33)

 

والاحتفال بذكرى مولد النبي عليه السلام ليس عمل الابتعاد عن أمور الدين بل إنما هو من الأعمال التي تقربنا من الدين وحب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسمل. وإرسال السلام في أي يوم من الأيام سواء كان يوم ولادة النبي عليه السلام هو دليل على فعل ما فعل الله سبحانه وتعالى وملائكته عز و جل ، وقوله تعالى "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" (33:56)

 

وطلب الله تعالى من نبيه موسى عليه السلام أن يذكر قومه بأيام الله تعالى ، وقوله تعالى: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ" (14:5)

 

وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "( وذكرهم بأيام الله ) أي : بأياديه ونعمه عليهم ، في إخراجه إياهم من أسر فرعون وقهره وظلمه وغشمه ، وإنجائه إياهم من عدوهم ، وفلقه لهم البحر ، وتظليله إياهم بالغمام ، وإنزاله عليهم المن والسلوى ، إلى غير ذلك من النعم . قال ذلك مجاهد ، وقتادة ، وغير واحد".

 

وقوله تعالى "وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ " (14:6)

 

وبعبارة أخرى يمكن أن نقول إن أيام الله هي أيام النعمة والرحمة والفضل والنجاة من الظلم والعذاب، وذكر موسى عليه السلام قومه بها ، فبالقياس على ذالك لما لا نذكر يوم النعمة والرحمة التي هي يوم ولادة محمد صلى الله عليه وسلم.

 

 وقوله تعالى أيضا : " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ" (5:15)

 

والإمام الطبري قال في تفسير هذه الآية:  "قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب : "قد جاءكم" ، يا أهل التوراة والإنجيل"من الله نور" ، يعني بالنور ، محمدا صلى الله عليه وسلم الذي أنار الله به الحق ، وأظهر به الإسلام ، ومحق به الشرك ، فهو نور لمن استنار به يبين الحق . ومن إنارته الحق تبيينه لليهود كثيرا مما كانوا يخفون من الكتاب" (تفسير الطبري)

 

وقوله تعالى أيضا " قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ" (5:114)

 

قال الشيخ إسماعيل حقي في روح البيان(2/446) عن هذه الآية : "أي يكون يوم نزولها عيدا نعظمه ، وإنما أسند ذلك إلى المائدة لأن شرف اليوم مستفاد من شرفها". ولذا ، نقول إن ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس بأقل شأنا من ميلاد النبي عيسى عليه السلام ، بل ميلاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أعظم منه فضلا، وذالك لأن الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم أكبر نعمة، فيكون ميلاده أيضا أكبر وأعظم.

 

وقال الله تعالى: "لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين" (آل عمران : 164)

 

قال الإمام الفخر الرازي رحمه الله تعالى: "إن بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إحسان إلى كل العالمين ، ولقد شرف الله به العرب ونقلهم ببركة مقدمه صلى الله عليه وآله وسلم من رعاة الشاء والغنم إلى رعاة الشعوب والأمم ، ورفعهم من عُبية الجاهلية إلى مقام السيادة والريادة كما قال تعالى "وإنه لذكر لك ولقومك" فقد أفردهم بالفخر على سائر الأمم وذلك لأن الافتخار بإبراهيم عليه السلام كان مشتركا بين اليهود والنصارى والعرب ثم إن اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى عليهما السلام وبالتوراة والإنجيل . فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائدا على شرف جميع الأمم"

 

"وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" (3:103)

 

وقوله تعالى: " يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ"

 

وقوله تعالى:" قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ" (10:58)

 

الإمام ابن الجوزي رحمه الله قد أوضح هذه الآية في تفسيره: "أن فضل الله: العلم ، ورحمته : محمد صلى الله عليه وسلم

 

الإمام ابو حيان الأندلسي قال: "الفضل العلم والرحمة محمد صلى الله عليه وسلم".

 

وفي الدر المنثور للحافظ السيوطي (4/367)أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال : فضل الله العلم ، ورحمته النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

 

والآية القرآنية الشهيرة التي يقول فيها الله سبحانه وتعالى للنبي محمد عليه الصلاة والسلام: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (21:107)، تشير إلى النوعية المميزة النبوية أن النبي عليه السلام كان نعمة ورحمة  قولا وفعلا ليس فقط للمجتمع الإسلامي المعين بل أيضا للعالم بأجمعه.

 

جواز مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الشريفة

 

كما ورد في البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم الحديث أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم: "لما وصل إلى المدينة ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء سأل عن ذالك فقيل له: أنهم يصومون لأن الله نجى نبيهم وأغرق عدوهم فهم يصومونه شكرا لله على هذه النعم فقال صلى الله عليه وسلم: نحن أولى بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه".  ويقال إن الحافظ ابن حجر أول من قدم هذا الحديث في جواز المولد النبوي.

 

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه"لطائف المعارف" فيما لمواسم العام من الوظائف، باب ذكرى مولده صلّى الله عليه وسلّم (ص98): فيه إشارة إلى استحباب صيام الأيام التي تتجدد فيها نعم الله على عباده، فإنّ أعظم نعم الله على هذه الأمة إظهار محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعثته وإرساله إليهم، كما قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ) (آل عمران: 164)، فصيام يوم تجددت فيه هذه النعمة من الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين حسن جميل، وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكر".

 

مدح الصحابة الكرام رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

وروي الشافعي أن عمر بن الخطاب في عهده دخل المسجد فوجد حسان بن ثابت ينشد الشعر في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: حسان أشعر في مسجد رسول الله؟ فقال: لقد أنشدته عند من هو خير منك يا عمر ...ثم التفت إلى أبو هريرة وقال: أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم أيده بروح القدس....فقال: نعم، فقال: فاتخذوه لحسان منبر في المسجد ينشد الشعر في مدح رسول الله". يقول العلماء إنه دليل على أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم مدحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، واعتراض سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه على الشعر لم يكن اعتراضا على مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم أو على الشعر إنما كان اعتراضا على المكان الذي ينشد فيه، ألا و هو المسجد...والله أعلم بالصواب.

 

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون ، قال بعضهم : إن الله اتخذ إبراهيم خليلا ، وقال آخر : موسى كلمه الله تكليما ، وقال آخر : فعيسى كلمة الله وروحه ، وقال آخر : آدم اصطفاه الله ، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : قد سمعت كلامكم وعجبكم ، إن ابراهيم خليل الله وهو كذلك ، وموسى نجي الله وهو كذلك ، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك ، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك ، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر ، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ، تحته آدم فمن دونه ولا فخر ، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها ، ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر ، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر . وهو حديث قوي ، وله شواهد رواه البيهقي في دلائل النبوة (5/270-500) . وأصل الحديث في الصحيحين.

 

تخفيف عذاب أبي لهب يوم ولادة النبي عليه السلام

 

وقد ثبت ذلك في البخاري برؤيا رآها العباس عم النبي صلّى الله عليه وسلّم، حيث روى البخاري في صحيحه.... قَالَ عُرْوَةُ: وثُوَيْبَةُ مَوْلاةٌ لأَبِي لَهَبٍ، كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا فَأَرْضَعَت النبيّ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ قَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي (ثُوَيْبَةَ).

 

قال ابن حجر في "الفتح"،ذكر السهيلي أنّ العباس قال: لما مات أبو لهب رأيته، فقال: ما لقيت بعدكم راحة، إلاّ أنّ العذاب يخفّف عني كل يوم اثنين، وذلك أنّ النبيّ ولد يوم الإثنين فبشرت ثويبة – مولاة أبي لهب- بمولد صلّى الله عليه وسلّم فأعتقها.

 

صوم النبي محمد صلى الله عليه وسلم يوم ولادته

 

ويقدم البعض قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم "كل بدعة ضلالة" دليلا على عدم جواز المولد النبوي ويقولون "إن تخصيص يوم ولادة النبي عليه السلام بمزيد عبادة بدعة في الدين ، وكل بدعة ضلالة". فرد العلماء على ذالك بدليل قوي أن أول من خصص هذا اليوم بمزيد فضل هو ليس سوى النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الشريف تعظيم يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث أنه سئل عن صوم يوم الأثنين ؟ فقال النبي عليه السلام: "ذالك يوم ولدت فيه". (رواه مسلم في صحيحه)

 

وكذالك بالقياس على تخصيص يوم عاشوراء بعبادة شكرا لله تعالى على نجاة قوم موسى فكذا يوم ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم بجامع شكر الله على هذه النعمة.

 

الاحتفال بمولد النبي عليه السلام سنة حسنة لها أجر

 

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَنَّ فِي الإسلام سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِها بعْدَهُ كُتِب لَه مثْلُ أَجْر من عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، ومَنْ سَنَّ فِي الإسلام سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وزر من عَمِلَ بِهَا ولا يَنْقُصُ من أَوْزَارهِمْ شَيْءٌ" [رواه مسلم في صحيحه]

 

من المعروف أن الأصل هو أننا نعمل الطاعات والعبادات في كل وقت دون استثناء إلا ما منع الله تعالى عن نوع من العبادة فيه. وهناك أدلة كثيرة منها ما قال الله عزوجل "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره". ولهذا فالأصل أنه تجوز صلاة النوافل المطلقة في جميع الأوقات إلا ما منع الشرع من الصلوة فيه وهي أوقات معروفة بأوقات النهي.

 

كما علمنا من كتب العلماء والفقهاء أنه يمكن أن نصوم في أي يوم من الأيام إلا ما نهى الشرع عنه، سواء نهي تحريم كيوم العيد أو نهي كراهة كإفراد الجمعة. ويمكن أن نطعم الطعام في جميع الأوقات إلا ما منع الشرع عنه كإطعام الصائم في نهار رمضان، وهذا لا يجوز. ولذالك، لا وجه لمنع الناس يوم المولد النبي عليه السلام عن ذكر الله تعالى وعبادته وشكره على إرسال النعمة ، أفضل المرسلين صلى الله عليه وسلم ولا وجه لمنعهم عن صيام التطوع ولا عن أي طاعة إلا ما منع الشرع عنه بشكل خاص.

 

وباختصار أن المراد بالبدعة في حديث "كل بدعة ضلالة" هو مالا أصل له في الدين .ولذا قال في الحديث الآخر "من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد"  فقوله صلى الله عليه وسلم "في امرنا" أي في دينه وشرعه وقوله "فهو رد" أي مردود غير مقبول .فالصوم والصلاة ،والصدقة ،والذكر ،والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كلها مشروعة ،وذالك لأن كلها من أمره وشرعه. وكذلك، لا ريب في أن الفرح والابتهاج بيوم ولادة النبي عيله السلام من دلائل المحبة والمودة تجاه النبي عليه السلام.

 

وليعلم المطالعون لهذا الموضوع أن أغلب الأحاديث المتعلقة بقصة مولد النبي عليه السلام ليست صحيحة الأسانيد إذ لا يصح منها إلا القليل وما سواه ضعيف، وقد قال العلماء يجوز رواية الحديث الضعيف في الفضائل وقالوا يعمل به إلا في العقائد والأحكام.

 

جواز مولد الرسول صلى الله عليه وسلم عند علماء الإسلام البارزين والأئمة والفقهاء رحمهم الله تعالى

 

على الرغم من أن إرسال السلام على ولادة ووفاة النبي عليه السلام- مثلما يقوم به أهل السنة والجماعة بيوم مولد ووفاة النبي عليه السلام-  هو من سنن الله تعالى والأنبياء عليهم السلام، فإن البعض ينكرونه منذ العقود القليلة الماضية. إذا نظرنا للعلماء والفقهاء والمحدثين وأقوالهم قديما وحديثا كالحافظ السيوطي والحافظ ابن حجر وابن الجزري والإمام يوسف بن علي بن زريق الشامي والإمام محمد بن جار الله بن ظهيرة الحنفي والعلامة شهاب الدين أحمدُ المقريّ والحافظ ابن كثير والشيخ ابن خلكان والعلامة قطب الدين الحنقي والملا علي القاري والمجدد ألف ثاني والشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي والشاه ولى الله المحدث الدهلوي والشيخ اسماعيل الحقي والشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي رحمهم الله تعالى وكثير من علماء المذاهب الأربعة وغيرها، علمنا أن لهم أدلة أقاموها على جواز الاحتفال بالمولد النبوي ، ولقد علمنا أنهم وجدوا أدلة وحجج شرعية على جواز المولد النبوي وعلمنا أنهم قيدوه بعدم وجود منكرات فيه ، كما علمنا منهم أنه ليس في الاحتفال بالمولد النبوي إلا الخير فقط.  

 

وذكر العلامة شهاب الدين أحمدُ المقريّ في كتابه "نفح الطيب"أن السلطان أبا حمو موسى صاحب تلمسان في القرن الثامن الهجري كان يحتفلُ ليلة مولد رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم غايةَ الاحتفال كما كان ملوك المغرب والأندلس في ذلك العصر وما قبله.

 

وذكر الحافظ أبو عبد الله التّنَّسيّأنه كان يقيم ليلة المولدِ النبوي اجتماعًا يجتمع إليه الناس خاصّة وعامة.

 

وللحافظ السيوطي رسالة سماها "حسنَ المقصدِ في عملِ المولد"، قال:

 

"قد وقع السؤالُ عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول ما حكمُه من حيث الشرعُ وهل هو محمود أم مذموم؟ فالجوابُ عندي أن أصلَ عملِ المولد الذي هو اجتماعُ الناس وقراءةُ ما تيسَّر من القرءانِ وروايةُ الأخبارِ الواردة في مبدإِ أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما وقعَ في مولده من الآياتِ ثم يُمدّ لهم سِماطٌ فيأكلونه وينصرفونَ من غير زيادةٍ على ذلك من البدع الحسنةِ التي يثابُ عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف صلى الله عليه وسلم، وأول من أحدث ذلك الفعلَ صاحبُ إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكَبري بن زين الدين علي بن بكتكين أحدُ الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد. وكان له ءاثار حسنة، وهو الذي عمّر الجامع المظفريّ بسفح قاسيون".

 

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى عن المولد النبوي: "من خواصه أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام" (السيرة الحلبية، تأليف: علي بن برهان الدين الحلبي، 1/83)

 

وقال ابن الحاج المالكي: "فكان يجب أن نزداد يوم الاثنين الثاني عشر في ربيع الأول من العبادات والخير شكرا للمولى على ما أولانا من هذه النعم العظيمة وأعظمها ميلاد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم"(المدخل عن تعظيم شهر ربيع الأول، تأليف: ابن الحاج(1/361)

 

وقال ابن الحاج المالكي أيضا: "ومن تعظيمه صلى الله عليه وآله وسلم الفرح بليلة ولادته وقراءة المولد"(الدرر السنية، ص190)

 

قال الحافظ ابن كثير في تاريخه: "كان يعمل المولد الشريف (يعني الملك المظفر) في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً، وكان شهمًا شجاعًا بطلاً عاقلاً عالمًا عادلاً رحمه الله وأكرم مثواه. قال: وقد صنف له الشيخ أبو الخطاب ابنُ دحيةَ مجلدًا في المولد النبوي سماه: التنوير في مولد البشير النذير، فأجازه على ذلك بألف دينار، وقد طالت مدته في الملك إلى أن مات وهو يحاصر الفرنج بمدينة عكا سنة ثلاثين وستمائة محمودَ السيرة والسريرة"

 

وقال ابن عابدين:"اعلم أن من البدع المحمودة عمل المولد الشريف من الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وآله وسلم". وقال أيضا: "فالاجتماع لسماع قصة صاحب المعجزات عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات من اعظم القربات لما يشتمل عليه من المعجزات وكثرة الصلوات" (شرح ابن عابدين على مولد ابن حجر)

 

والحافظ عبد الرحيم العراقي قال عن مولد النبي عليه السلام: "إن اتخاذ الوليمة وإطعام الطعام مستحب في كل وقت فكيف إذا انضم إلى ذلك الفرح والسرور بظهورنوررسول الله في هذا الشهر الشريف ولا يلزم من كونه بدعة كونه مكروها فكم من بدعة مستحبة قد تكون واجبة" (شرح المواهب اللدنية للزرقاني)

 

وقال أبو شامة (شيخ الإمام النووي) رحمه الله تعالى:"ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل كل عام في اليوم الموافق لمولده صلى الله عليه وآله وسلم من الصدقات، والمعروف، وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مشعرٌ بمحبته صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمه في قلب فاعل ذلك وشكراً لله تعالى على ما منّ به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين" (الباعث على إنكار البدع والحوادث، تأليف: أبو شامة، ص13)

 

وقال الشهاب أحمد القسطلاني (شارح البخاري): "فرحم الله امرءا اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعيادا، ليكون أشد علة على من في قلبه مرض وإعياء داء" (المواهب اللدنية- 1-148-طبعة المكتب الإسلامي)

 

وقال ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان"في ترجمة الحافظ أبي الخطاب ابن دحية: "من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء، قدم من المغرب فدخل الشامَ والعراق واجتاز بإربل سنة أربع وستمائة فوجد ملكها المعظّم مظفر الدين بن زين الدين يعتني بالمولد النبوي، فعمل كتابَ "التنوير في مولد البشير النذير" وقرأه عليهِ بنفسه فأجازه بألف دينار"اهـ.

 

قال السيوطي رحمه الله تعالى:وقد سئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل بن حجر عن عمل المولد فأجاب بما نصه: "أصلُ عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحدٍ من السلفِ الصالحِ من القرون الثلاثة ولكن مع ذلك اشتملت على محاسنَ وضدها، من جرد في عمله المحاسن وتجنبَ ضدها كان بدعة حسنة ومن لا فلا، وقد ظهر لي تخريجُها على أصل ثابت وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم قدِم المدينةَ فوجد اليهود يصومون يومَ عاشوراء فسألهم فقالوا: هو يوم أغرقَ اللهُ فيه فرعونَ ونجَّى موسى فنحن نصومه شكرًا لله تعالى، فقال صلى الله عليه وسلم: "نحنُ أولى بموسى منكم" فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما منَّ به في يوم معيّن من إسداء نعمةٍ أو دفع نقمةٍ ويُعادُ ذلك في نظير ذلك اليوم من كلّ سنة، والشكرُ لله يحصلُ بأنواعِ العبادةِ كالسجودِ والصيامِ والصدقةِ والتلاوة، وأيُّ نعمةٍ أعظمُ من بروزَ هذا النبيّ نبي الرحمة في ذلك اليوم، وعلى هذا ينبغي أن يتحرّى اليوم بعينه حتى يُطابق قصَّة موسى في يوم عاشوراء ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر بل توسع قومٌ فنقلوه إلى أي يوم من السنة وفيه ما فيه، فهذا ما تعلق بأصل عمله وما يعمل فيه فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكرَ لله تعالى من نحو ما تقدّم ذكرهُ من التلاوة والإطعام وإنشاد شىء من المدائح النبوية الزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة".

 

وقال حسنين محمد مخلوف شيخ الأزهر: "إن إحياء ليلة المولد الشريف وليالي هذا الشهر الكريم الذي أشرق فيه النور المحمدي إنما يكون بذكر الله وشكره لما أنعم به على هذه الأمة من ظهور خير الخلق إلى عالم الوجود، ولا يكون ذلك إلا في أدب وخشوع وبعد عن المحرمات والبدع والمنكرات. ومن مظاهر الشكر على حبه مواساة المحتاجين بما يخفف ضائقتهم، وصلة الأرحام، والإحياء بهذه الطريقة وإن لم يكن مأثورا في عهده صلى الله عليه وآله وسلم ولا في عهد السلف الصالح إلا أنه لا بأس به وسنة حسنة" (حسنين محمد مخلوف، فتاوى شرعية وبحوث إسلامية ، ج1، ص131.)

 

وقال محمد الفاضل بن عاشور من علماء تونس البارزين: "إن ما يملأ قلوب المسلمين في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول كل عام من ناموسِ المحبة العُلوي، وما يهزّ نفوسهم من الفيض النوراني المتدفق جمالا وجلالا، ليأتي إليهم محمّلا من ذكريات القرون الخالية بأريج طيب ينمّ عما كان لأسلافهم الكرام من العناية بذلك اليوم التاريخي الأعظم، وما ابتكروا لإظهار التعلّق به وإعلان تمجيده من مظاهر الاحتفالات، فتتطلع النفوسُ إلى استقصاء خبر تلك الأيام الزهراء والليالي الغراء؛ إذ المسلمون ملوكاً وسوقةً (أي عامتهم) يتسابقون إلى الوفاء بالمستطاع من حقوق ذلك اليوم السعيد" (محمد الفاضل بن عاشور، ومضات فكر، ص 199)

 

وقال محمد علوي المالكي:"إننا نقول بجواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف والاجتماع لسماع سيرته والصلاة والسلام عليه وسماع المدائح التي تُقال في حقه، وإطعام الطعام وإدخال السرور على قلوب الأمة" (محمد علوي المالكي، حول الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف)

 

وقال يوسف القرضاويعن ذكرى المولد: "إذا انتهزنا هذه الفرصة للتذكير بسيرة رسول الله، وبشخصية هذا النبي العظيم، وبرسالته العامة الخالدة التي جعلها الله رحمة للعالمين، فأي بدعة في هذا وأية ضلالة؟" (موقع القرضاوي: الاحتفال بمولد النبي والمناسبات الإسلامية)

 

وقال محمد سعيد رمضان البوطي: "الاحتفال بذكرى مولد رسول الله نشاط اجتماعي يبتغي منه خير دينيّ، فهو كالمؤتمرات والندوات الدينية التي تعقد في هذا العصر، ولم تكن معروفة من قبل. ومن ثم لا ينطبق تعريف البدعة على الاحتفال بالمولد، كما لاينطبق على الندوات والمؤتمرات الدينية. ولكن ينبغي أن تكون هذه الاحتفالات خالية من المنكرات"(موقع البوطي: فتاوى عن المولد النبوي)

 

وقال عبد الملك السعدي، المفتي العام للعراق سابقًا:"لم يكن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف معروفاً في عصر الصحابة الكرام. ولكن لا يَلزم من عدم وجوده في عصر النبي -صلى الله عليه سلم- أو في عصر الصحابة كونه بدعة سيئة أو منافياً للشريعة، فالاحتفال بالمولد إن أُقيم على أساس أنَّه عبادة مشروعة -كالصوم والصلاة والعبادات الأخرى- : فهو بدعة. وكذا لا نسمِّيه عيدا، بل إحياء ذكرى؛ لأنَّه لا يوجد سوى عيدين في الإسلام. وإن أقيم على أساس إحياء ذكرى مولد سيد المرسلين وإعادة ذكريات سيرته العطرة وخلا من المنكرات واختلاط الرجال بالنساء والمبالغة في مدحه صلى الله عليه سلم فلا يعد بدعة" (الأمة الوسط: مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف)

 

القاعدة الأصولية "لا يحتج بالترك" من الأدلة على جواز مولد النبي عليه السلام

 

ويقول البعض: إن النبي عليه السلام لم يحتفل بذكرى ولادته ولا الصحابة من بعده. فمن الردود على ذالك هو أن القاعدة الأصولية تقول: "لا يحتج بالترك"، أي لم يفعله النبي عليه السلام ولا الصحابة وهذا لا يعني عدم الجواز طالما أن له أصلا في الدين. كما أخبرت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ما زاد على إحدى عشرة ركعة في ليلة، ومع ذالك فقد صلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه التراويح عشرين ركعة وأقره على ذالك الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فكان ذالك محل الإجماع ، والأدلة على ذالك أكبر من أن تحصر.

 

بعد مطالعة الآيات القرآنية والأحاديث وأقوال الأئمة والفقهاء ، قد اتضح لنا أنه يجوز في الإسلام الاحتفال بذكرى مولد الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم الذي جاء بالتوحيد و نبذ الشرك و عبادة غير الواحد الاحد. وبهذه المناسبة لا يجتمع المسلمون إلا على ذكر لله ومدح وثناء وصلاة وسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقراءة لقصة مولده الشريف و إطعام الطعام و إظهار البهجة و السرور. هناك المزيد من الأدلة التي تجيز مولد النبي عليه السلام ، ولكن الأدلة المذكورة أعلاه هي تكفي لمن يريد صدق النظر إلى الموضوع. وفي الختام ، من الضروري أن أنقل عن الحافظ ابن كثير ما كتبه: "حكى السهيلي عن تفسير بقي بن مخلد الحافظ، أن إبليس رن أربع رنات: حين لعن، وحين أهبط، وحين ولد رسول الله ، وحين أنزلت الفاتحة".  (البداية والنهاية لابن كثير : فصل فيما وقع من الآيات ليلة مولده عليه الصلاة والسلام)

 

غلام غوث كاتب ومترجم متخصص باللغات العربية والإنجليزية والأردية وحصل على شهادة العالمية من الجامعة الوارثية في لكنؤ وشهادة الفضيلة من الجامعة الرضوية في منظر إسلام الواقعة في بريلي شريف بولايات أوترابراديش وشهادة التخصص في اللغتين العربية والإنجليزية وأصول الحديث والتفسير من جامعة حضرت نظام الدين أولياء في حي ذاكر نغر و شهادة البكالوريوس من الجامعة الملية الإسلامية  نيو دلهي ، الهند ويواصل فيها الآن دراسات الماجستير في اللغة العربية

 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق