]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هواجس ما بعد الفترة الانتقالية بقلم عزالدين مبارك

بواسطة: عزالدين مبارك  |  بتاريخ: 2015-01-02 ، الوقت: 18:04:35
  • تقييم المقالة:

هواجس ما بعد الفترة الانتقالية

 

بقلم عزالدين مبارك

 

انتهت الفترة الانتقالية والمؤقتة ببوح الانتخابات التشريعية والرئاسية بأسرارها وطويت صفحة كانت مليئة بالأحداث والارهاصات والتجاذبات وكادت تعصف بكل الانجازات وتدمر البلاد والعباد وتؤدي إل حرب أهلية ضروس تأتي على الأخضر واليابس لكن والحمد لله لم تكن لهذا الوطن الصغير ثروات تسيل اللعاب وتجذب الطامعين والفقر وإن كان مصيبة ومعضلة كان هذه المرة حصنا منيعا وكابحا لتنطع المغامرين من الخارج والداخل.

كما أن الفترة الانتقالية لم تحقق شيئا ملموسا على أرض الواقع خاصة من الناحية الاقتصادية والتنموية بما أن مستوى معيشة الطبقات الكادحة والمتوسطة والفقيرة قد تدحرجت إلى أسفل القاع وعم الاضطراب كل مجالات الحياة وانعدمت الرؤيا أمام الجميع ولم يستفد من ذلك إلا قلة ركبت الأمواج العاتية وتسلقت السلالم البهلوانية واستغلت الفوضى وانعدام المحاسبة.

فحتى حرية الاعلام كانت موظفة في الكثير من الأحيان من الأحزاب وتجاري المشهد السياسي في صعوده ونزوله باحثة عن مواقع ولم تتبلور سياسة اعلامية واضحة المعالم في خدمة الشأن العام والمواطن الذي لا صوت له كما لم تبعث مؤسسات صحفية قادرة على الصمود والتمويل الذاتي في ظل استقلالية حقيقية. وليس هناك من يضمن أن هذه الحرية النسبية في المشهد الاعلامي الاستمرار والتطور في المستقبل لأن الفكر الديمقراطي واحترام رأي الآخر لم يتجذر بعد لدى عامة الناس وكذلك لدى أغلب السياسيين الفاعلين في الساحة.

كما أن الدستور التوافقي والهيئات الدستورية المنبثقة عنه تحتاج إلى توضيحات وأوامر وإجراءات وكفاءات غير متحزبة بالأساس لتفعيلها على أرض الواقع دون تعسف ومغالبة وإكراهات. فالكثير من اللبس شاب بعض فصول الدستور وكذلك القوانين المحدثة لبعض الهيئات الدستورية مما يمثل ألغاما عند الشروع في التطبيق الفعلي على أرض الواقع سيخلق صراعات جديدة للفترة ما بعد الانتقالية ويبشر بأزمات هنا وهناك وتنافر بين مؤسسات الدولة خاصة إذا كانت على رأس هذه المؤسسات شخصيات بينها خصومة وخاضعة فكريا وعقائديا لأحزاب ذات اطروحات متباينة.

وقد بدأت الإشارات تأتي من قبل هيئة الحقيقة والكرامة ومن قبلها هيئة الانتخابات لأن الفاعلين في المجلس التأسيسي كانت عينهم على وضع الفخاخ أمام الفائزين في الانتخابات حتى يسهل ترويضهم والتفاوض معهم في المستقبل لاقتسام السلطة في صورة عدم النجاح. كما أن الدستور الذي يبدو في غاية الروعة الانشائية خاصة من جانب الحريات وهذا يعد تسويقا إعلاميا جيدا للدوائر الخارجية بالخصوص لا يمكن تطبيقه إلا من خلال قوانين أخرى وإجراءات عديدة تتطلب وقتا طويلا ويمكن أن تخلق كذلك صراعات كثيرة في قادم الأيام.

ثم هل هذه الحريات التي تجعلك تتكلم كما تشاء وتسب ما تشاء ستقيك برد الشتاء و ضراوة الجوع وقساوة الفقر وشظف العيش ولا انسانية البطالة والاحتياج وستؤدي إلى الرفاهية والعيش الكريم ومحاربة الفساد. فالحرية المصطنعة والزائفة يمكن أن تكون مرحلة للتلهية وذر الرماد في العيون بما أن تحقيق الأهداف الحقيقية للناس شبه مستحيل على الأقل على المدى المنظور.

ومن أخطر المواضيع التي عولجت بتسرع في الفترة الانتقالية والتي كانت تداعياتها خطيرة على أمن البلاد واقتصادها وستستفحل في فترة ما بعد الانتقالية لأعوام عديدة نذكر بالخصوص العفو التشريعي العام والعدالة الانتقالية. فالعفو التشريعي العام سمح بالمجرمين وأصحاب القضايا الثقيلة والخطيرة بالخروج للشارع حاملين أحقادهم الدفينة في ظرف الأمن فيه شبه مفقود والبلاد تعم فيها الفوضى مما خلق بؤر للإرهاب وأعطى لهؤلاء المجال فسيحا للتنظم والتخطيط والتنفيذ. كما أن هذا القانون سمح بالتعويضات المجزية ليس من جيب المذنبين في القيام بجرائم التعذيب ومن القضاة الفاسدين ومن كل من أمر بذلك وهم مازالوا على قيد الحياة وثرواتهم معلومة بل وقع تحميل الدولة بذلك يعني المواطن دافع الضرائب والجباية وهذا ليس من العدل في شيء.

كما أن الكثير من الذين يتشدقون بالنضال لم يكونوا ملائكة ومظلومين بل دخلوا في صراع مع الحاكم لإزاحته والحل مكانه وفيهم من استعمل القوة والسلاح وبالتالي ليس من حقهم التعويض ولا يمكن أن يشملهم العفو التشريعي العام. فمن الأجدى أن تنظر في مآلهم المحاكم العادية أو العدالة الانتقالية عندما تهدأ الأمور وتستقر.

أما العدالة الانتقالية فقد تأخر قدومها كثيرا وفي ذلك جنوح نحو ترحيل مشكلة إلى الوقت الضائع لأن الانتقال يكون في مرحلة المؤقت وليس في الفترة الدائمة المخصصة للبناء ومباشرة العمل الفعلي. وأغلب الظن أن  الاشكاليات التي ستثيرها هذه المسألة ستكون في غير صالح المواطن الذي ينتظر تنمية مستديمة والقضاء على البطالة والفقر لا أن يدفع تعويضات هائلة من قوت عياله  زيادة على مصاريف التصرف الباهظة.

كما أن لجنة الحقيقة والكرامة بما لها من صلوحيات واسعة وحصانة مطلقة ستصطدم لا محالة بواقع القوانين والاجراءات والتراتيب  المعمول بها في هياكل ومؤسسات الدولة مما ينتج عنه تدخل من قبل الأحزاب فتفقد حيادها الموضوعي واستقلاليتها.

فالفترة الانتقالية تركت لنا العديد من الهواجس التي تتطلب من المشهد السياسي الجديد توضيحا وتحديدا حتى تعود للمواطن الطمأنينة وللدولة هيبتها وكيانها.

       

 


       



       


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق