]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ليلى العامريّة

بواسطة: عزيزة محمود خلايلة  |  بتاريخ: 2014-12-31 ، الوقت: 10:02:05
  • تقييم المقالة:

                                      ليلى العامريّة

       منذ أن خلق الله الأسرار والأبواب الموصدة، وأنا أحلم أن أغلق عليك بابي، ويكون وجهك قبلتي ومحرابي، منذ بدء الخليقة ومنذ أن لامست قدما آدم الأرض وأنا أفتّش عنك في كلّ مكان، في الشّوارع، وعلى الأرصفة، في وجوه المارّة، في إشارات المرور، في السّيّارات، في القطارات، في المطارات، في المرايا، في أجنحة الفراشات، في ضحكات الأطفال، في بكارات السّنابل، في الأضواء الخافتة حيناً، وفي نيران الموقد المشتعلة أحياناً.

   كنت أراك في ساعة الحائط، في مرآتي، في مقبض الباب، وعلاقة الملابس، وصحن الحساء، وفي علبة سجائري، وفي حقيبتي، في تلك الخرزات البراقة النّائمة على جزداني، في رماد سيجارتي عندما يلامس المنفضة، كنت كالعصفور تقفز وتتنطّط على الحائط المقابل لسريريّ، تلتقط الحَبّ عن أرضيّة النّافذة، كنت أحلم بك كما يحلم الرّاهب بالزّواج، وكما يحلم التّائب بالمغفرة، وكما يحلم المسافر بالإياب، كما تحلم الأرض  بالمطر، والرّبيع بالأزهار، والفراشات بالضّوء، والمساء بضوء القمر، حلمت بك طوال عمري، ولكن في آخر عمري تأكّدت أنّي كنت أطارد خيط دخان.

      كنت أضع رأسي على صدر ليلى العامريّة وأبكي، فتطمئنني ليلى إلى أنّني سأجدك، كم كان يريحني البكاء على صدر ليلى! كنت أخرج معها، ونجوب البوادي؛ لنبحث عن قيس سويّا، لكنّ ليلى العامريّة عادت وكفّها معقودة بكفّ قيس، وعدت وكفّي معقودة بآخر خيباتي.

         ذات يوم لمحتك في نافورة ماء، كالنّهر المتدفّق تلقي الرّذاذ على المصطافين، والسّياح يتكوّمون حولها، وبلتقطون لها الصّور، وقد شخصت إليها الأبصار، وذابت فيها الأخيلة، وكأنّها تحفة فريدة نادرة، لمحتك تغتسل قرب نافورة الماء، ركضت وراءك طويلاً، حاولت الإمساك بك، لامست يدي طرف ثوبك، ولكنّك ذبت في نافورة الماء، ولم أجدك فازددتُ قناعة بالسّراب، وبجدوى التيمّم، وبروعة العيش في الصّحراء تحت لفح وهجير الرّمضاء، وازددت عطشاً بدل أن أشعر بالارتواء.

     تقول: ابتعدي قليلاً لأرتّب أوراقي وأقرّر، ولأختلي بنفسي وأفكّر، في حياتي لم أسمع عن محبّ يقول لمعشوقته: ابتعدي ألم تقرأ تاريخ العشّاق، تاريخ قيس وكثيّر، ونزار، وروميو؟ وما حكاية أوراقك المبعثرة؟ وكم من الوقت يحتاج ترتيبها؟ هل ستكفيك عشر سنوات، أم تحتاج لأكثر، وكم عشر سنوات تحويها أعمارنا؟ خذ عشر سنوات لترتيب أوراقك، ولإكمال حساباتك من أرباح وخسائر، وكأنّك في متجر، فقط أمهلني بضع دقائق لأحرق أوراقي وذكرياتي، وأغسل قلبي منك.

      الجوّ ماطر، سأنطلق إلى الشّارع تحت المطر لأغتسل منك، لأنظف خصلات شعري من آثار يديك التي مرّت يوماً عليه، وسأدع المطر النّازل يستقرّ على يديّ التي لمستهما سابقاً، المطر سيغسلني منك، لكنّ المطر لا يتمهّل يهطل بغزارة، لا أستطيع السّيطرة عليه إنّه أبداً لا يتوقّف، من بعيد ألمح ليلى العامريّة تغتسل تحت المطر، فحتّى قيس لم يعد قيساً، صارت لقيس حسابات وأرباح وخسائر، ومصالح، صارت لقيس تطلّعات برجوازيّة، والمحزن في الأمر أنّها لم تتغير ليلى العامرية.

 ألف مرّة  قررت نسيانك ومحوك من ذاكرتي، طبعًا، لا يمكن أن أشتري النسيان بثمن ربطة بقدونس! النّسيان لا يشترى بثمن بخس دراهم معدودة، ترى كم الثّمن المطلوب للنّسيان؟ وهل هو في متناول اليد؟ أم أنّه مبلغ خياليّ وضخم يصعب دفعه، وعندما أعجز عن دفعه هل سأستمرّ في اجترار الماضي بما فيه من حكايات وصور وذكريات؟ الأهمّ من هذا كلّه أن يمنحني الله مقداراً ضخماً من القسوة لأحتمل وقع السّكين المسنون جيّداً وهو يهوي على ذكرياتي، ومشهد فرم الذّكريات الجميلة والمؤلمة، ألم يقل عالم النّفس فرويد إنّ الذّكريات المؤلمة تعيش في الذّاكرة فترة أطول؟ ما مدى نجاعة السّكين المسنون في فرم الذّكريات المؤلمة التي تركت بقعاً مستعصية على قلبي، قلبي يعزّ عليه فرم الذّكريات، ألم أقل لكم إنّ ثمن النّسيان باهظ؟

السّكّين تسكّن الذّبيحة بالذّبح وتجعلها تهدأ، والسّؤال المهمّ الذي يطرح نفسه هل ستهدأ ذكرياتنا وتسكن بعد الفرم، أم أنّها فولاذيّة ستستمرّ في الحركة، والتّقلب، وتهيّج مواجعنا بتحرّكها، ونزيفها الدّائم؟ ما جدوى وجودنا إن جزّوا ذكرياتنا؟ هذا (النحن) مكوّن من أجسادنا وأرواحنا، وعقولنا ونفسياتنا، وأكداس الألم، وبعض الفرح، لذا قرّرنا نحن الموقّعين أدناه الاحتفاظ بكلّ ما يخصّنا من آلام وآمال وذكريات وتخصّيص مكان لهاً لتدفن معنا، شريطة أن توضع قريباً من قلوبنا.

                                                                  عزيزة محمود الخلايلة

 

                                                                  مشرفة اللغة العربية

 

                                                                   مكتب التربية/ الخليل

 

  Email : azizah_m2012@yahoo.com                                 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق