]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نضال ملائكي

بواسطة: نور الدين  |  بتاريخ: 2014-12-22 ، الوقت: 22:12:32
  • تقييم المقالة:

نضال ملائكي

 

لن أخوض في منطلقات النضال النفسية ، ولا مسبباته الذاتية منها أو الموضوعية ، لكن يبقى النضال في المجمل هو ذلك النشاط الشغوف المقبول عند الأكثرية ، فالمناضل فيه جرعة زائدة من نشاط إبداعي ، فالرتابة تستفزه و لو كانت حتى تلك الرتابة النضالية نفسها .

النضال هو بحث مستمر عن التغيير أو التجديد أو كسر طوق الظروف و الاستكانة بجوار إكراهاتها ، فهو بحث عن تنفيس لقلق "وجودي" يعتري النفس البشرية ، لن أدخل إلى أخلاقيات النضال بين النضال المدمر و النضال الخلاق أو النضال العقلاني ، فكل حالة نضالية تستحق قراءة متعددة أكثر من التسرع والحكم على المناضل سواء أكان شخصا ذاتيا أو معنويا .

لكل مقال أسباب وجود كما للنضال أيضا ، و لا يمكن تغييب الجانب الذاتي عن تحولات المناضلين ، ما بذر بذرة هذا المقال هو ، مقالات عتاب من شاعرة إلى شاعر ، و حين الحديث عن الشعراء ، يغدو الإحساس مرهفا أكثر من اللازم ، فإذا أحب الشاعر أحب حبا مجنونا ، وإذا غضب و كره ازداد منسوب العدوانية المنساب على لسانه ، حيث تملأه الاستعارة والمبالغة والمجاز ، حتى تكاد تكون جزءا من ذاته ، فمن الشعراء من سكن الشعر وأضحى صورة مجسّدة للتقابلات التي يبنى عليها . سلسلة مقالات ملتهبة تهين فيه الشاعرة عشيقها السابق ، بل لا تخفي فيها رغبتها في تدميره و لو اقتضى الحال أن تدمر نفسها أيضا ، فهي العقيدة الانتحارية في نفسية المناضل ، تطفو أحيانا إلى السطح ، وتسيطر على سلوكه .

 لا أحد يشك أن الشعر فيه جرعة جنون ، و إن شئتم نسبة معينة من النزوة  أحيانا يبني عليها الشاعر أسس عالمه الشعري الذي يسكن كل منهما الآخر، الذي طبعا يختلف عن عالم الحقيقة رغم أنه يحاول على الدوام بعث إشارات أنه يصدح بالحقيقة ، لكن الطبيعي أن الحقيقة أكبر من أن تحملها قصيدة أو ديوان أو حتى آلاف الكتب . بل لا يوجد في الكون عقل قابل لاحتواء الحقيقة ، فحتى النظريات العلمية ما هي إلا جزء من حقيقة في مجال محدد و لو أن العديدين يسعون دوما إلى التعميم . فحقيقة الحب خادعة ، فالحب روح إيجابية " خيّرة " تسقطها الذات على شيء ما سواء داخلها أو خارجها ، و كلما تحول هذا الشي نحو مركز الاهتمام تكورت حوله الأشياء حتى تتوحد فيه بكل تناقضاتها في استعداد للانفجار  ، فالشاعرة هنا تشتكي من تعرضها لنصب مبيت من طرف الشاعر ، أي أنها تعرضت لاستغلال ما قد يكون جنسيا أو غيره ، فأحست أن المناضل جعل منها سلّما للترقي أو بصيغة أوضح ، منحته أمنا روحيا في مسيرته النضالية ، فمارس عليها ذكورته ، أي أن الشاعرة هيأت له أسباب الراحة التي ينتظرها الذكر من الأنثى في الثقافة الشرقية عموما .

لا أهتم كثيرا بموضوع الشاعرة والشاعر و لن أدخل في تفاصيل حياتهما الشخصية التي أصرت الشاعرة على عرضها أمام الملأ ، لكن ما يهمني في هذا المقال هو عنوانه ، فالشاعرة اختارت خطا نضاليا هو نفسه خط الشاعر ، أي أن عقيدتيهما الثافية والفكرية و حتى خلفيتيهما العرقية و حتى منظوريهما للحياة فيه نوع من الانسجام . حدث طارئ ما جعل صدامهما أمرا واقعا ، و عليه بنت الشاعرة ردة فعلها ، فكفرت بالقضية الأساس التي ناضلت من أجلها لسنوات عدة ، انتقاما من الرجل ، أحست بأنها تعرضت للخيانة ، ليس من قبل المناضل وحده بل من كل الذين ناضلت من أجلهم لأنهم قبلوا بأن تمتهن كرامتهم دون أن يهبوا لنصرة قضيتهم .

الشاعرة التي ضحت ببيتها  كما قالت لتجسد الحب ليكون أكثر من قصيدة ، بل لتحس الدفء الحقيقي يصرع في قرارتها دفء بيت القصيدة  ، و آمنت بالنضال ليكون دفء وجودها ، و آمنت بالذات الجمعية متجسدة في فصيلها و حبيبها ، انكسر أملها على صخرة الحقيقة ، فأضحى الحب خرافة و أضحى النضال مجرد أسلوب حياة مملّ .

آمنت الشاعرة أنها ستبقى وفية للنضال ، نضال من أجل نفسها ، نضال في سبيل الأنثى فيها التي تعرضت حرمتها للهتك من طرف هذا الرجل المريض ، ذلك الرجل الذئب ، ذلك الرجل الكسول . فالنضال حاضر في قاموسها رغم كل الذي تجرعته من آلام ، لكن وجهت بوصلته في اتجاه آخر ، فقضية المرأة تستحق أولوية قبل الوطن و قبل العرق والمذهب . فهذا الشهريار الجاثم على ثوب النساء يستحق كل التدمير ، فالمرأة هي الخصوبة ، هي اللغة هي الوطن هي الكرامة .

مقالتي أشرفت على نهايتها ، رغم أن النضال باق لا يموت باعتزال مناضل أو اثنين أو حتى موتهما ، فهو حقيقة إنسانية ، فكل يناضل بطريقته و لو استكثر البعض على الآخر ما يفعله ، فالمشكل إذن هو مجرد أولويات نضالية ، فحتى الذي يقوم صباحا إلى المعمل فهو مناضل ، أولويته كسرة خبز ، و ذاك الذي يجمع المال فهو يناضل وفق أدبياته الخاصة . يبقى فقط أن يؤمن الفرد بأن الحياة نضال مستمر مهما غير من أولياته ، لذلك وجب دائما أخذ الحيطة و أنت تناضل ، وإعطاء النضال قيمته الحقيقية ، أو بالأحرى تقسيم الجهد النضالي في مجاري متعددة ، لتسير سفينتك ببطء على هذه المجاري ، فكلما تسارعت تيارات النضال كانت نتائجه مخيبة ، خذ من النضال بعضه و آمن أن الآخر يستحق أن تترك له نصيبه . فلو امتلكت النضال لن تقوى عليه  صبرا ، فهو ثقيل جدا ، لذلك تعلم أيها الإنسان أن تناضل بدون تكلّف ، لأنه كلما ارتفعت الكلفة ، تسارعت هواجس الندم ، واعلم أن النضال الملائكي معدوم على وجه الأرض ، فالملائكة وحدها من تستطيع أن تناضل بلا سأم .    

 

            

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق