]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

خطابٌ رئاسيٌّ عازلٌ للرصاص

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2014-12-16 ، الوقت: 21:20:44
  • تقييم المقالة:

قصة قصيرة

خطابٌ رئاسيٌّ عازلٌ للرصاص

 

محمد الحداد/العراق

(1)

 

وسط تصفيقٍ وهتافٍ مُدَوّيين..وبصعوبةٍ بالغة شقَّ مرشحُ الرئاسةِ الأول وصاحبُ الحظ الأوفر بالفوز صفوفَ المحتفين مبكراً بفوزهِ المحسوم بكرسي رئاسة البلاد قبل أيامٍ قليلةٍ من إعلان النتائج النهائية..اعتلى المسرح بثقةِ المنتصرين متوجهاً نحو منصةٍ عاليةٍ كي يُلقي من فوقها خطبتهُ الحماسية..وبسبب العدد الهائل من أفراد حمايتهِ الذين كانوا يحيطون بهِ لم يكن بوسعِ أنصارهِ أنْ يرونَ منهُ إلا يدهُ التي يلوّحُ لهم بها.. وصلَ المنصة فوقف مُحتمياً وراءها وتوزعَ أفراد حمايتهِ في أرجاء المكان مثل روبوتات مُبرمجة..كانت المنصة محاطة بزجاجٍ سميكٍ عازلٍ للرصاص من جميع الجهات بدتْ أشبهَ ما تكونُ بغرفةٍ زجاجيةٍ مُحصّنة.. رفعوا رؤوسهم إليهِ فبدا لهم عالياً وبعيداً..أعلى وأبعدَ مما تعودتْ أعناقهم أن ترتفعَ سابقاً لِدكتاتورهم المخلوع ..في الوقتِ ذاتهِ نظرَ هو إلى جماهيرهِ من فوق فبَدَوا لهُ صِغاراً..أصغر حتى مما وسوَسَ لهُ خيالهُ وأغراهُ بهِ قبل الصعود..كم يبدو الآخرون صِغاراً من فوقِ منصةٍ رئاسيةٍ عالية؟ وبرغم أنَّ عتمة الزجاج المُضلل لم تكن تسمحُ لهُ أنْ يتبينَ ملامحهم بدقةٍ لكنهُ بهذهِ الكيفيةِ الغائمة كان يراهم كما يريدُ هو..تماماً كما يبدونَ لهُ الآن: صورة ضبابية واضحة جداً! لأنَّ ما كان ينقصُ الصورة هو ذاتهُ الذي زادها وضوحاً في عينيه..كم من علاقةٍ مُلتبسةٍ كهذه بين الحاكم وشعبهِ لن يزيدها ضبابُ العتمةِ إلا وضوحاً؟تأملوهُ جيداً تماماً كما تأملهم ..تراشقٌ مُتبادلٌ بالنظرات..نظرةٌ رئاسيةٌ غائمة تقابلها نظراتٌ شعبية غائمة مُماثلة..من فوق..من منصتهِ الشاهقة تفحَصَ وجوهاً شبحيةً أصبحَ يُدركُ الآن أنَّ عددها يُرضي غرورهُ السياسي بما يكفي ليصلهُ إلى كرسي الرئاسة حتى من دونِ حاجةٍ لأنْ يرى تفاصيلَ وجوههم..كانوا يبدونَ لهُ محضَ أقزامٍ أنجزوا لِتوّهم أفضلَ وأهم أدوارهم..تخيّلهم قطيعاً بأصابع بنفسجية بلهاء بالأمسِ فقط بَصَمتْ لهُ هناك وهاهي تُصفّقُ هنا اليوم من دون وعي..أما من جانبهم فقد رأى البعض الزجاجَ العازل مُضلَلاً ومُعتماً بشكلٍ مبالغٍ فيه..رؤية أزعجتهم كثيراً وتمنّوا للحظةٍ لو كان الزجاجُ عازلا للرصاصِ فحسب من دون أنْ يعزلَ عنهم وجهَ مرشحهم الذي انتخبوهُ لتوّهم وتساءلوا وهم يهتفونَ ويصفقونَ لهُ كيف سيتسنى لهم أنْ يتفاعلوا مع رئيسهم المقبل اعتماداً على صوتهِ فحسب؟كيف سيجزمونَ بصدقِ كلامهِ وغمامة زجاجية صَمّاء تحولُ بينهم وبين قراءته؟ الحياةُ كلها تبدو غائمة من خلفِ زجاج مُعتمٍ وأصم..وثمة قلة قليلة أخرى من ذوي الخيال الجامح ممن انتخبوهُ بالأمس أيضاً أوغلوا أكثر في خبثهم وتمنّوا العكس تماماً..أن يُعزلَ وجههُ عنهم ويكونَ طريقُ الرصاصِ سالكاً نحو جسدهِ بيُسر!هؤلاءِ وهم في ذروةِ هتافهم وتصفيقهم رأوا الزجاجَ مُهشّماً تماماً برصاصاتٍ مُحترفة..لكن حتى الخيال الجامح نفسه بطلاقةِ أجنحتهِ المتمردة ربما سيقفُ عاجزاً أمام زجاجٍ أصمٍّ عازلٍ للرصاصِ كهذا ولن يُتاحَ لهُ أنْ يُتمَّ لهم مُتعتهم المتطرفة هذهِ إذ سترتدُّ رصاصاتهُ بخيبةٍ مؤكدةٍ لحظة ارتطامها..السورُ البشريُّ الحديدي من رجال حماية مرشح الرئاسةِ الذين كانوا يطوّقونهُ من كلِّ الجهات ويملأونَ المكانَ أضفَوا كذلكَ مزيداً من العُتمةِ على المشهدِ كلهِ وأوغلوا أكثر في رسم صورةٍ متكاملةٍ للعزلِ بدتْ للجميع وكأنها مقصودة لتلغيم المكان بخوفٍ مصنوع بحرفيةٍ متفق عليها كنوعٍ من ترويضٍ مُسبقٍ غايتهُ ردع أيِّ طارئ يمكنُ أن يرتجلَ في المكان فجأةً فيعكّر عليهم صفوَ حساباتهم..كلُّ ذلك جعلَ الحفلَ يبدو مُكهرباً بشكلٍ استفزازيٍّ مُرعب..لكن رغم كل تلك الأجواء المشحونة لم ينقطعالتصفيق والهتاف أبداً ومن جانبهِ هو لم يكف أيضاً من تحيةِ جماهيرهِ بيدهِ بينما كانتْ عدساتُ الفضائيات الكثيرة الموزعة في أرجاءِ المكان المَهيب تصوّبُ أضواءها تجاههُ وحدهُ..اقتربَ موعدُ القطاف..سيتقمصُ الآن أحدَ أقنعتهِ المقدسة الكثيرة.. يعرفون ذلك تماماً وينتظرونهُ بشغفِ غريقٍ يمدُّ يدهُ لمُنقذٍ أوحد..نبيٍّ أو قدّيسٍ أو مُلهم..سيعبرُ الآن قنطرةَ إنقاذٍ لا يستخدمها طوال الوقت..سينزلُ لهم من دونِ أنْ يُغادرَ قمتهُ العالية..سيمدُّ لهم يداً من كلمات..ليست القضية برُمّتها أكثر من حفنةِ كلماتٍ حماسيةٍ رنّانة يرُشّها فوق رؤوسهم فيرتسم لهُ تحت ظلالها الساقطة كرسي رئاسةٍ ساحر يفتحُ إليهِ ذراعاهُ ويبتسم..لِمَ لا وهل الرئاسة إلا محض ظلالٍ للكلمات؟هي معركة كلام لا أكثر..حربُ حناجر عنيفة خاضَ الجميعُ غمارها وباتَ أوانُ الحسمِ فيها مسألة أيامٍ فقط..لا بدَّ أنْ تصلَ كلماتهُ إليهم الآن..سيطيرُ إذا توجبَ الأمر..ألا يليقُ الطيرانُ بنبيٍّ أو قدّيسٍ أو مُلهم؟ أية مسافةٍ مقدسةٍ تلك التي تفصلُ الآن بين قمةٍ رئاسيةٍ عاليةٍ وحضيضٍ شعبيٍّ سحيق؟ أتراها تظلُّ ذات المسافة حينما تختلفُ اتجاهاتُ النظر فيما لو ابتدأتْ مُنطلقةً منهم إليهِ أو منهُ إليهم؟ ترى أيُّ المسافتينِ تبدوانِ الآن أكبر حتى لو كان حسابهما بمنطقٍ رياضيٍّ أو فيزيائيٍّ بحت مسافة من حضيضهم الواطئ إلى قمتهِ المُقدسة كما تقيسُها أعينهم أم من قمتهِ هو إلى حضيضهم كما تقيسُها عيناه؟ مَنْ قالَ أنَّ المسافة هنا ستظلُّ واحدة دائماً؟بالأمس القريب فقط كان الجميع يعدّونهُ محضَ لصٍّ انتهازيٍّ مُتلونٍ وقاتلٍ مُحترف وهاهو اليوم يرتقي أعلى قمةٍ يمكنُ أنْ يحلمَ بها رأسٌ وتصِلَ إليها قدم..قمةٌ يكادُ النظرُ إلى ارتفاعها يكسرُ أعناقهم..لكنهم رغم كلِّ ذلك لم يكفّوا عن التصفيق المدوي والهتاف الحماسي بعد..وبمقابل ذلك لم تتعب يداهُ من تحيتهم وثمة مَن لم ييأس بعد من محاولةِ سرقةِ صورة حقيقيةٍ واضحة لوجهِ رئيسهم المقبل من خلفِ أسرابِ الضباب الذي يحجبهُ عنهم ويحيطُ بهِ قبل أنْ يبتدئ خطبتهُ..هل فات أوانُ العودة؟ بينهم وبينهُ الآن تقاويم من يأسٍ مبللٍ بخيبةٍ طازجةٍ لا زال لونها البنفسجي يتلبسُ أطرافَ أصابعهم..لكن ما كلُّ هذا الرمدِ؟ ما فاتَ فات..الماضي يكذبُ دائماً بمجردِ أن تستديرَ وتتركهُ وراءَ ظهرك والذاكرة قمامة نتنة يتوجبُ إزالتها على الدوام وتنظيف المكان من براثنها..لا شيء يقشط آثامَ الماضي حدَّ التطهر ويسلخُ جلدهُ القديم مثل انتخابات الرئاسة..لا حقيقة صادقة إلا تلكَ التي يقفونَ الآن أمامها..الحقيقة التي لا يكادُ يُلوّثها الآن إلا فكرة أنها تبدو لهم عالية وبعيدة وغائمة..حسناً وما البأسُ من ذلك؟ المجدُ في الأعالي..أشارَ إليهم أخيراً بكلتا يديهِ فكفّوا فوراً عن التصفيقِ والهتاف اللَذَين طالا أكثر مما يجب..حان وقتُ القِطاف بالفعل..انقطعت الأصواتُ تماما ودبَّ في المكانِ صمتٌ لزجٌ أغرى بمزيدٍ من الصمت المَهيب..صمتٌ رئاسيٌّ مُرعبٌ كان ممزوجاً برائحةِ قداسةٍ من نوعٍ قديم أدمنوها كثيراً من طولِ ما جثمتْ على صدورهم لعقود..قداسةٌ لم تكن قد غادرتْ ذاكرتهم بعد.. توقفت الحياة كلها في المكان..أخرج حزمة أوراقٍ من جيبِ سترتهِ الداخلي وبسطها أمامهُ على المنصة..عبثتْ أصابعهُ بقبضةِ إحدى الميكروفونات الكثيرة التي كانت مزروعة أمامهُ بعنايةٍ..ومن دون وعيٍّ عدَّلَ من مكانها وصوَّبها تلقاء فمه..ابتدأ خطاباً طالَ انتظاره وبصوتهِ الأجش قال: أيها الشعب..قبل سنواتٍ بائسةٍ من عُمر الوطن انفردَ بحكمكم طاغية مهووسٌ كان بصمةجنونٍ نادرة من الصعب أنْ تتكرر كثيراً على صفحاتِ التاريخ ..طاغيةٌكانت المقابرُ والسجونُ أهمَ مُنجزاتهِ القوميةوظلَّ لعقودٍ يلعبُ بأقداركم وينظرُ إليكم من فوق برجهِ العاجي الذي شيدهُ وفقَ مقاساتِ جنونهِ ونزقهِ ولم يكن الوطنُ يعني لهُ أكثر من غنيمةِ حربٍ افترسها هو وأولادهُ وقسّمَ أبناءَ الوطنِ الواحدِ إلىفرق مُتناحرة وزرعَ عيونهُ وآذانهُ في كلِّ أرجاءِهِ لتعتقلَ كلَّ كلمةٍ تفرُّ من أفواهكم التي لم تصمتْ أبداً.. قاطعتهُ الجماهيرُ بعاصفةٍ من التصفيق والهتافات جعلتهُ يتوقفُ مؤقتاً عن الكلام في الوقت الذي سادَ تململٌ حذرٌ في المكان وتلفتتْ رؤوسُ حمايتهِ هنا وهناك تبحث بريبةٍ بين الصفوف لتقتنصَ أية كلماتٍ ربما تسوّلُ لنفسها أن تفرَّ من بعض الأفواهِ التي قد يُغريها لغط الهتاف والتصفيق..ثم أكملَ قائلا:لم يكن يخطرُ في بالِ هذا الطاغية يوماً أنَّ وطناً آخر كان يولدُ من جديد وينمو من تحتِ ترابِ مقابر شهداءنا..تلك المقابر التي كانت تمتدُّ على طولِ البلادِ وعرضها..لم يكن يعلمُ أنَّ وطنَ الحريةِ الذي تعيشون في ظلالهِ اليوم كان يشقُّ نورهُ من ظلمة تلك السجون..ولعلكم لم تنسوا بعدكيف أنَّ طاغيتنا المخلوع اتخذ من هذا الوطنِ المسكين مسرحاً لهُ وحده.. اعتلاهُ فجأةً مثل قائدِأوركسترامغرور وأدارَ لكمظهرهُ ووزّعَ أمامهُ حفنة مهرجين اتخذهم جوقة عازفين وطبّالين وكانت رغباتهُ المجنونةعصاخرساء يلوحُ لهم بها ويرسمُ مصائركم كما شاء خيالهُ المريض فيلاحقونها بأعينهم ويحولونها بأيديهم بطرفةِ عينٍ إلى معزوفاتٍ بائسة..نشزة لم يكن أمامكم أي خيار إلا أنتطربوا لها مجبرين وتصفقوا لها طويلاً..طربَ الشعبُ وصفقوا طويلاً لِما سمعوا لكنهُ قاطعهم مجدداً بقولهِ:أيها الشعب الصابر الكريم..الآن وبعدما فجّرتم ثورتكم المباركة واقتلعتم ذلك الطاغية من جذورهِ العفنة أبشركم بأنَّ عهدَ الظلمِ والجنونِ والطغيانِ هذا قد انتهى إلى الأبد ليبتدئ حكمكم أنتم..حكمُ الشعبِ لنفسهِ بنفسهِ..فهنيئاً لنا جميعاً عهد حريتنا الجديدة..وانهُ لَمِنْ دواعي سروريوفخري أنكم من بين جميع المرشحين الآخرين اخترتموني أنا لأكونَ خادماً لكم وحمّلتموني أعباءَ مسؤولية الوطن بأسرهِ وأني إذ أتقدمُ إليكم بشكري الوافر أرجو ويحدوني أملٌلا حدَّ لهُ أنْ أكونَ أهلاً لثقتكم هذهِ من أجل أن ننهض معاً بهذا الوطن ونعيدُ لهُ مكانتهُ التي يستحقها بين الأمم..اليوم أنتم على أعتابِ عهدٍ جديد.. عهدٌلا يكادُ يفصلنا عنهُ إلا بضعة أيامٍ وسنحتفلُ بعدها معاً ببدايةِ غدنا الجميل..غمرت المكانَ عاصفة تصفيقٍ مُدوّية..ما أروع الفصاحة.. باتَ الفجرُ قريباً من أرصفة فقرهم..لملمَ أوراقهُ ودسّها في جيبِ سترتهِ الداخلية مُعلناً انتهاء خطابه الحماسي وحيّاهم ملوّحاً بكلتا يديهِ ثم بدأ بالنزول من منصتهِ العالية فهرعتْ أمواجهُ البشرية لتتلقفهُ وسرعان ما غاصَ في بحرها تماماً..وفي طريق خروجهم الفوضوي حطّموا كثيراً من الكراسي والطاولات والأيدي قبلَ أنيغادروا المكان مسرعين..ركبَ مرشحُ الرئاسةِ سيارتهُ المصفحة بسرعة واختفى وراء زجاجٍ مضلل وغائم من نوعٍ آخر..وللحظةٍ تمنت الجماهيرُ لو يفتح لهم نافذتهُ المُضللة ويُحييهم بيدهِ..كم تمنّوا أنْ يظلَّ معهم ولو لدقائق أخرى قليلة ليمعنوا النظرَ إلى وجههِ على الأقل لكنَّ سيارتهُ الفاخرة جرحتْ أحلامهم حينما انطلقتْ به بسرعةٍ جنونية مع موكبٍ مَهيبٍ من سياراتٍ مصفحةٍ كثيرة فأثاروا في المكان عاصفة من دخانٍ وغبار..وبلمحِ البصر وبضغطةِ بنزينٍ رئاسيٍّ فاخر ابتلعت سياراتُ الموكبِ الشارعَ كله ثم مالت نحو  شارعٍ فرعيٍّ بسرعة كانت كافية ليتوارى الموكبُ كلهُ عن الأنظار تماماً..مَنْ قال أنَّ القضية محضُ دخانٍ وغبار؟ كانت الجماهيرُ محبطة تماماً وهي تنظرُ بعينِ اليأسِ إلى رئيسها القادم وهو يبتعدُ عنهم ويبتلعهُ الغياب..أصبح الآن أبعدَ وأبعدَ..لكن لم يكن ذلك مهماً طالما سيقتربُ من قصر الرئاسة..كانت تلك المرة الأولى التي رأى الشعبُ فيها رئيسهُ القادم في لقاءٍ مباشرٍ لكن من وراء زجاج معتم..لا بأس..هي أيامٌ قليلة فقط وستعلنُ نتائج الانتخابات وتقامُ الاحتفالات في البلد كلهِ وستنشدُ الأغاني وتذبحُ الذبائح..

(2)

 

بعد أيام قليلةٍ فاز مرشح الرئاسة الساخن بالفعل كما توقع الجميع..أصبح الآن رسمياً رئيس البلاد الجديد..تذوّقَ أخيراً طعمَ الرئاسةِ بشهيةِ افتراسٍ أولى لبكارةٍ بيضاء طازجة..دخلَ الرئيسُ قصرَ الطاغية القديم نفسهُ وبقيَ الشعبُ هناك ينتظرهُ على الرصيف..لا بأس..الفقرُ هذا جغرافيا حزنٍ قديم ومقيم أبداً..والفقراءُ ظِلالُ السماء..والرصيفُ وطنٌ منسيٌّ مباح للجميع.. يسعُ فقرهم وأحلامهم وجنونهم..وحدهُ الرصيف سيظلُّ كما كان دائماً أليفهم الأثير الذي لن يكبرَ عليهم أبداً..سيبقى هكذا على حالهِ كما عرفوهُ طوالَ حياتهم وسيظلونَ يطمئنونَ إليهِ ويقرأونَ ذاكرة مساماتهِ ويحفظونَ خرائط أحجارهِ ويحصونَ ذراتِ غبارهِ تماماً كما يحفظونَ تجاعيدَ أكفهم النافرة.. في الوقت ذاتهِ وفي قصرِ الطاغية القديم كان كرسيُّ الرئاسةِ المُقدّس يحتضنُ الرئيسَ الجديد ويكادُ أن يبتلعهُ تماماً..بوسعهِ الآن وهو يغوصُ في أحضانهِ الدافئة أن يتكلمَ بأريحيةٍ أكبر..سيتكلمُ كثيراً بلا شك لكن من دون أن يكون مضطراً لأن يلوثَ عينيهِ برؤية شعبه..سيتكلم في الشرفِ والنزاهةِ وحبِّ الوطن والعدلِ والحريةِ والأمانةِ والإخلاص كما لم يتكلم في كلِّ ذلك أحد..وسيستمعُ الشعبُ لهُ أيضاً ويصفقونَ ويهتفونَ كثيراً وسيحفظ الجميعُ كلماتهُ المُلهمة وسيرددها البعض حتى وهم يفترشونَ أرصفتهم البائسة..يجبُ على الرئيسِ أن يتكلم كثيراً كي يسمعونهُ حتى وإنْتعذرَ عليهم أن يتبينوا وجههُ فلم يعُدْ بوسع أحدٍأنْ يراهُ بعد اليوم إلا من وراءِ زجاجٍ عازلٍ آخر..زجاجٍ تلفازيٍّ معتم..مُظللٌ..غائمٌ وأصم..

دخلَ الرئيسُ قصرَ الرئاسة واختفى عن الشعب..اعتلى ذاتَ المسرح وأمسكَ نفس العصا الخرساء..وابتدأ العزفُ الأوركسترالي الجديد بكومةٍ أخرى من عازفين وطبّالين جدد..المجدُ في القصور..والقضية محضُ دخانٍ وغبار..

من داخل القصر الرئاسي لم يعد للمسافاتِ التافهة أية أهميةٍ تُذكر..لم يعدْ يسألُ عنها أحد منذ أنْ ابتدأ للوطنِ تاريخٌ آخر حطّمَ فيهِ الرئيسُ الجديد المسافاتِ كلها واختفى تماماً عن عيون شعبه..أماخارج القصر فلم ينسَ الشعب أبداً تلك المسافات التي صنعوها بأيديهم ذات يوم..لكن لم يعدْمهماً ما الذي يمكن أن تراهُ أعينهم الآن من خلف كلِّ هذه العتمة المتراكمة بعد أن ازداد الزجاجُ العازل سماكةً يوماً بعد يوم وأصبح أعتمَ وأصمَّ من الأمس وما قبلهُ أيضاً بأضعافٍ مضاعفة بشكلٍ لم يعد بمقدورِ أيّ أحدٍ أن يُفرّقَ بين عتمةٍ واضحة أو وضوحٍ مُعتم..ما عاد ذلك الفرقُ يشكلُ لهم أهمية تذكر لأنَّ الصورة برمّتها بدتْ لهم تافهة وكأنَّ لا وجود لها على الإطلاق..لم ينسَ الشعبُ تلك المسافات القديمة لكنهُ بدأ يراها اليوم بشكلٍ مغايرٍ تماماً..ما أتفهها وما أوهنَ جدواها وهي تفصلُ بحسمٍ لا رجعة فيه بين قمةٍ رئاسيةٍ ازدادت قداستها وأصبحت أعلى وأبعد من قبل وبين حضيضٍ ازدادَ انحداراً ووضاعة..في ذات الوقت كانت ثمة مسافاتٌ أخرى يُعادُ خلقها من جديد..لا لتزداد القمة ارتفاعاً والحضيض حضيضاً هذه المرة بل لترسمَ خرائط بديلة معدّلة أكثر وضوحاً ودقة من ذي قبل ببدايةٍ ونهايةٍ واحدة لا لبسَ فيها..الآن فقط يمكنُ للرؤيةِ أن تزدادَ وضوحاً دونما حاجةٍ إلى أن توغلَ أكثر في عتمتها..

كانَ الفجرُ يحبو على مهلٍ وهو يلملمُ أوجاعَ مخاضهِ ليخرجَ من قبوٍ مظلمٍ نامَ منسيّاً في دهاليزهِ طويلاً..ومثل رشقةِ ضوءٍ صادمة تخترقُ عيناً قيَّدها سُباتٌ عميق أبصرتْ عيونُ الشعبِ فجأة ملامحَ رئيسهم الجديد بوضوحٍ لم يسبق لهُ مثيل..من دون عتمةٍ أو ضبابٍ أو عزل..ماتت المسافاتُ ورُفعت الحواجزُ وانقشعت الغيوم فيما كانت الشمسُ تمسحُ برفقٍ بأصابعها الذهبية عن خدِّ الرصيف دموعاً تحجّرَ ملحُها..

ولدَ للتوِّ يومٌ جديد..

الآن فقط..ابتدأ القِطاف !


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق