]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

بثور نتنة على وجهِ القمر!

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2014-12-16 ، الوقت: 17:04:57
  • تقييم المقالة:

بثور نتنة على وجهِ القمر!

 

محمد الحداد /العراق

في الحدثِ المصري الراهن أعادني مشهدٌ مُلتبسٌ إلى الوراءِ قليلاً وسحبَ معهُ مشاهدَ أخرى يكادُ يربطها معاً خيط واحد..المشهدُ الذي أعنيه كان لمجموعةٍ من مؤيدي الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك تجمهروا أمام مستشفى المعادي العسكري وهم يرفعونَ صورهُ ويهتفونَ لهُ بفرحٍ غامر بعد قرار المحكمة بتبرئتهِ من جميع التهم المنسوبة إليهِ وأهمها تهمة إعطاء أوامرهِ بقتلِ المتظاهرين إبان ثورة يناير 2011 وهي القضية التي سُمّيتْ بمحكمةِ القرن..من جانبهِ وفي تتمةِ المشهد السعيد شاركَ مبارك أنصارهُ الفرحة وأخرجَ يدهُ مُلوّحاً لهم من شبّاكِ غرفته..وإمعاناً في السخريةِ المريرة أطلق بعضُ أنصارهِ بعد ذلك بوقتٍ قصيرٍ حملة الكترونية تطالبُ بإعادةِ مبارك لحُكم مصر من جديد وهو الذي لا يزالُ حبيسَ سجنٍ لم يخرجُ منهُ بعد وربما يغادرُ الحياة إلى الأبد قبلَ أنْ يُغادره..هذهِ المحكمة التي دخلها وقضى كلَّ تفاصيلها وهو مُكفهرّ الوجهِ ومسجىً على نقالةٍ طبية لكنهُ خرجَ منها آخرَ الأمرِ مُنتصباً فرحاً !

عجباً للأفكار كيف تومضُ سريعاً في الرأسِ مُحرّضة على سحبِ مزيدٍ من الأحداثِ والصورِ التي نُخطئُ أحياناً إذ نظنُّ أنها غاصتْ إلى الأبد في وحلِ النسيان وإذا بها تستيقظ من رقادها الدافئ في مخدعِ الذاكرةِ بلمحِ البصر سيّانَ في ذلك إن كانتْ ما تراهُ العيونُ لحظتئذٍ مُشابهاً أم مختلفاً مع ما تداعتْ إليهِ الذاكرةُ إلى الوراءِ نحو خزانةِ تلك الأحداثِ والصور..لذا رأيتني أستحضرُ فوراً مشهداً قريباً آخرأظنكم مثلي لم تنسَوهُ بعد..المشهدُالذي رأيتهُ على التلفازِ قبلَ بضعةِ أشهر وكان يصوّرُ جُموعاً من المتظاهرين يرفعونَ الكثيرَ من صور السيسي (وزير الدفاع في حينها) مطالبين إياهُ بأنْ يُرشحَ نفسهُ لمنصبِ رئاسةِ الجمهورية وهو بالضبط ما فعلهُ لاحقاً وأصبحَ رئيساً لمصر!

وغير بعيدٍ عن ذلك مشهدٌ ثالث أقرب إلينا من سابقهِ رأيتهُ هو الآخر ينهضُ من رقادهِ وكان لحشودٍ أخرى رفعتْ في حينها شعار (يا سيسي فين تفويضي؟)مأخوذين بمهابةِ السطوةِ الجديدة التي أسَرَتْ ألبابَ الكثيرين إلى الحدَّ الذي أنساهم تماماً أنهم رفعوا بأياديهم ذاتها في ثورة يناير التي أطاحتْ بمبارك (وهو مشهدٌ رابع) شعاراً يدعو لإنهاءِ عسكرةِ الدولةِ المصرية ويُنددُ بخطرها ويطالبُ بحياةٍ مدنية وهو شعار (يسقط يسقط حُكم العسكر)..وهو الشعارُ ذاتهُ الذي نفدتْ مدةُ صلاحيتهِ وقرروا لاحقاً إسقاطهُ بسقوط حُكم مبارك وانتهاءِ حُكم العسكر فكانت المفارقة أنهم لم يرموهُ إلا تحتَ أرجلِ ومساطلِ أولئك (العسكر) أنفسهم لا غيرهم..فسقطتْ هيبة رفع الشعار وجرأةُ إسقاطهِ وهيبتهم في وقتٍ واحد..ليرفعوا بعد ذلك (للعسكري) السيسي شعار(قل للسيسي أنت رئيسي) بعد أن كانوا ينددون بحكم العسكر ونحنُ الذين ظننا أننا لن نُصدمَ في زحمةِ شعاراتِ الثورةِ وما بعدها بغرابةٍ تُضاهي غرابة الشعار الذي رفعتهُ لمبارك حشودٌ أخرى كتبتْ بأصابعِ الندم (أعذرنا يا ريس) بعد أن أطاحوا به !

لا أعرفُ إن كانَ قد تبينَ لكم الخيط الأسود الذي يربط كلَّ هذهِ المشاهد مع بعضها لكن أرأيتم كيف أنها تشتبكُ معاً رغم التباين في الرسائلِ التي يبعثهاكلُّ مشهد عن الآخر؟ليست هذهِ ثرثرة جوفاء في السياسةِ تستحقُ أنْ تُرمى في بحرِ التجاهل والإهمال..وليست أحكاماً متسرعةتخبطُ خبْط عشواءٍ في ليلةٍ ظلماء..هذهِ فصولٌ طازجة من تاريخٍ ساخنٍ يُصنع الآن في مصر يُلوّحُ لنا بيدهِ ويدعونا لتأملِ تناقضاتِ الأحداث التي تكتبُ حروفها على صفحاتهِ

لكن ما يعنينا هناتحديداً هو الوقوف عندَ حقيقةٍ مهمة تثبتُ أنَّ فوضى هذهِ التناقضات برغم كلِّ صدماتها المتكررة لم تأتِ من فراغٍ أبداً لأنَّ لها جذوراً ضاربة في أعماقِ تاريخنا السياسي الحديث..هي نتاجٌ طبيعي لبذارٍ فاسدٍ قديم لكنَّ الذي فضحَ بشاعتها اليوم بشكلها الصادم وسرّبَ روائحها الكريهة إلى أنوفنا هو تخمّرٌ سيئٌ لذاتِ الثمارِ اللذيذة التي ذاقَ الشعبُ بعضاً من حلاوتها إبّان موسم قطافها الأول في ثورة يناير التي تمَّ فيها إسقاط مبارك..ثمارٌ نضجتْ سريعاً وطابَ أكلها لكنها تُركتْ طويلاً تحتَ وهجِ شمسٍ مغرورة ففسدتْ أسرعَ مما يحتملُ الانتظار حتى أصابها العفنُ من دونِ أن ينعمَ أحدٌ بأكلها..

غريبٌ حقاً أمر هذه التناقضاتِ المتشابكة التي تثيرها مشاهد فوضى الولاءات التي تكادُ تُسلمُ رؤوسنا إلى لفتاتٍ بلهاءَ ترسمُ دوائرَ العجبِ والذهول و تتركُ في النفسِ مشاعرَ بائسةتتوزع بين الدهشةِ والغرابةِ والقرفَ..إذ كيف يمكنُ لعقولنا أن تستوعبَ اليوم بقاءَ هذهِ الولاءاتِ المقيتة على قيدِ الأحداث بعد زلزال سقوط مبارك وطي صفحتهِ إلى الأبد وبداية حقبةٍ جديدة لمصر؟ كيف لأعيننا أن تبصرَ ثانيةً مشاهدَ تزلفٍ ومحاباةٍ وتذللٍ كأنها صوّرتْ قبل عشرين عاماً أو أكثر؟ كيف بإمكاننا أن نستسيغَ الآن رؤية البعض وهو يحاولُ التشبثَ عبثاً بأذيالِ ماضٍ رثّ نفضَ ما بجعبتهِ من أدرانِ السنين ثم ولّى واندثر؟هذا الذي نراهُ اليوم يُثبتُ أنَّ ثمة الكثيرَ من الأتباعِ المُخدَّرين ممن لا يزالون بالفعل غارقينَ حتى اليوم في مُستنقعِ أوهامهم القديمة..يُثبتُ أنهم أسارى بائسين كبّلوا مصائرهم بأيدي مَنْ أسقط التاريخُ أكذوبتهم وفضحَ زيفهم لكن يبدو أنَّ رغبة جامحة تغشى هؤلاءِ تغريهم للبقاءِ إلى الأبدِ في دائرةِ طغاتهم المغلقة لأنهم لازالوا يُصرونَ أنهم أنفسَ ما جادتْ بهِ الحياةُ عليهم لذا هم لم يستوعبوا حتى الآن أنَّ الأرضَ دارتْ دورتها ونظفتْ نفسها من براثنهم وسيظلون في أعينهم زعماءَ خارقين على الدوام إن أعيتهم الحيَلُ من إيجادهم على الأرضِ بحثوا عنهم وسط القمر وسيرونَهم بعيونِ أوهامهم حتماً ولو بعدَ حينٍ لو غطتْ صورهم يوماً سحائبُ المستحيل..

هي صناعة مقدسة لا يريدُ منتجوها أنْ يعترفوا بإمكانية أن تطالها يوماً قوانين الزمن ويبدو أننا بقينا لوحدنا نتفردُ في احتكارها ويهونُ في سبيلِ بقاءها كلّ شيءٍ حتى النهاية وما بعدها أيضاً !

ولا أغربَ من كلِّ ذلك إلا إدماننا نحنُ على رؤيةِ كلّ هذهِ المشاهد المتناقضة وهي تتراكمُ فوق بعضها البعض لدرجةٍ تُسكرُ أبصارنا وتوحي لنا وكأنها متآلفة ومتناسقة حدَّ الانسجام..لكنَّ الحقيقة أنَّ الترسيمة القبيحة التي تخطها هذهِ المشاهد من جديد على اختلافِ رسائلِ الولاءاتِ التي تبعثُ بهاتثبتُ أنَّ السيكولوجية المُنتجة لهذهِ التناقضات لا تزالُ حية أيضاً ولم تمُتْ بعد ولازلنا نمتلكُ خبرةً متراكمة في ذلك نسبقُ بها جميعَ الأمم كما أنَّ الأفعالَ المُحرضة لكلِّ ذلك وليدة طقوس متوارثة واحدة لا يزالُ الكثيرون يعشقونَ ممارستها حتى اليوم باصطناعِ ذاتِ الدوافع التي ورثوها ويحرصونَ على إطالةِ صلاحيةِ ذاتِ المُحرّكات المُنتجةِ لها..وكلُّ الوقائع بتسلسلِ الأحداثِ التي شهدتها مصر منذ ثورة يناير 2011 وحتى اليوم تؤكدُ أنَّ رغبةَ البعضِ في مزاولةِ ذلك مرةً بعدَ مرةٍ لم تمُتْ بعد ومن دونِ أملٍ بأن تصلَ أمواجُ يأسهم يوماً ما إلى ضفافِ النهايةِ في المنظورِ القريبِ أيضاً.

أعرفُ أنَّ البعضَ ممن سيقرأ تلك الكلمات ربما سيخرجُ بانطباعاتٍ متضاربة أيسرها يمكنُ أن ترميني بسوءِ الظن..قد يجدُ أحدهم مثلاً أنني كحلتُ كلماتي بشفراتٍ سوداءَ مُغرضة مُعبأة بحمولةِ وخزٍ إسقاطية مقصودة سلفاً..أو ربما على نقيض ذلك تماماً سيتهمني آخر بأنني خلطتُ الأوراق كلها وأبَحتُ لكلماتي حقَّ أنْ تقذفَ بشررها جزافاً من غير تدبرٍ وبدونِ أن تجودَ معها بدليلِ صدقها..

لكنَّ فوضى الولاءاتِ المتناقضة هذهِ التي لا تزالُ ترسمها حالة مصر ما بعد الثورة - وهي بالمناسبة جزءٌ من حالةٍ عربية أوسع لا تختلفُ عنها كثيراً - تدعونا لنتأملَ طويلاً غرابة ما يحدث وتدفعنا لقولِ كلّ الذي قلناه..يكفي أن تستعرضوا فقط أخطاءَ قادتنا وزعماءنا مَن سقطَ منهم ومن لا يزالُ حتى اليوم متشبثاً بمقودِ السلطة.. يكفي أن تستذكروا تاريخهم الأسود وكوارثهم وحروبهم العبثية الكثيرة التي أدخلونا بسببها إلى مستنقعاتٍ موحلة ولم يخرجونا منها حتى اليوم وكيف أشبعونا موتاً وفقراً وظلماً وجرّوا ويلاتهم على البلادِ والعباد..

يكفي أن تتأملوا كلَّ ذلك ثم تنظروا إلى الملايين من أولئكَ الهائمين بعشقهم والمسبّحينَ بحمدهم فستجدونَ أنهم لا زالوا حتى اليوم غارقينَ في مستنقعِ أوهامهم ويجهدونَ أنفسهم ليجدوا لهم تبريراً لكلِّ جريمةٍ من جرائمهم ويفتحوا لهم مخارجَ آمنة ينقذونهم منها ولعلَّ مَنْ ينظرُ لكلَّ ذلك بعينِ الإنصاف فسيبرّئُ حتماً كلماتي من جميعِ تلك التهم..

لكن بالرغم من كلِّ  ذلك فإنَّ مَنْ يظنُّ أنَّ سقوطَ بعض أولئكَ الطغاة الذين يرى الناسُ صورهم على وجهِ القمر قد أنهى عصرَ صناعةِ طغاة جُدد فهو واهمٌ جداً لأنها صناعة يبدو أنَّ الزمنَ لم يعفُ عنها بعد طالما بقينا نمتلكُ ذاتَ الجينةِ اللعينة التي تنتجُ كلَّ ذلك السُعار الهائج القادر على ولاداتٍ جديدة..

وسيظلّ ثمة دائماً ما يحثنا على أنْ نكررَ صناعتنا العتيدةِ هذهِ بكفاءةٍ مجربة من فشلٍ متناسلٍ وقديم..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق