]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

إشكالية المرجعية الدينية في الجزائر...

بواسطة: د/ نعيمي عبد المنعم  |  بتاريخ: 2014-12-14 ، الوقت: 23:27:00
  • تقييم المقالة:
    تقديـم: بسم الله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه وتبعه، صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم لقاء الله جل جلاله، أما بعد: إيمانا بأهمية وضرورة وجود مرجعية دينية جزائرية موحدة، على غرار مرجعية الزيتونة في تونس، ومرجعية القيروان في المغرب، ومرجعية الأزهر في مصر، ومرجعية كبار العلماء في السعودية، ومرجعية المجلس الإسلامي الأعلى الشيعي في لبنان، ...وغيرها من المرجعيات الدينية الأخرى، التي تعد مفخرة المسلمين، وملاذهم لمعرفة حكم الشريعة الإسلامية فيما يلجئهم ويُلِم بهم من نوازل. وإيمانا بضرورة وجود مثل هذا المشروع الحضاري والديني في الجزائر، وأهميته في إحياء تراث الأمة الجزائرية الأصيل، وإحياء ذكرى أمجادها وأعلامها، وتعريف أبناء هذا البلد الحبيب –حماه الله ورعاه- بعلمائهم ودعاتهم ومفكريهم الذين صنعوا مجد أمتهم وتاريخ شعبهم، فمنهم من قضى نحبه صادقا، ومنهم من لا يزال على الصدق باقيا، ينفع بعلمه الذي فتح الله عز وجل عليه. فهذه ورقات، حاولت أن أبحث فيها إشكالية المرجعية الدينية في الجزائر؛ حيث أتطرق في البداية إلى تحديد معالم المرجعية الدينية بشقيها العلمي والمؤسساتي أو ما أسميته: "المرجعية الدينية العلمية" و"المرجعية الدينية المؤسساتية"، ثم أعود لبحث المرجعية الدينية المؤسساتية تحديدا؛ فمن وجهة نظري لا أعتقد أن إشكالية المرجعية الدينية في الجزائر تطرح من الناحية العلمية بقدر ما هي مطروحة من الجانب المؤسساتي؛ لأن حقيقة ما نواجهه اليوم في الجزائر بخصوص هذا الإشكال المطروح لا علاقة له بالكوادر والكفاءات العلمية أو ما أسميته "المرجعية الدينية العلمية"، وإنما هو مرتبط بعدم وجود مؤسسة رسمية تحتضن تلك الكوادر وترعى تلك الكفاءات العلمية، وتجمعهم في صعيد مكاني أو زماني واحد؛ لإفادة أبناء هذه الأمة بحكم ما ينزل بهم من نوازل، وتعريفهم بموقف الشريعة الإسلامية مما يدور حولهم من أحداث. هذا، والله أسأل أن يتقبل مني هذا العمل، وأن ينفع به، إنه جواد منان كريم. أولا: المرجعية الدينية بين العلمية والمؤسساتية: من الضروري ونحن نبحث إشكالية المرجعية الدينية في الجزائر أن نميز بين وصفين لهذه المرجعية؛ بحيث لا يكتمل أحد هذين الوصفين إلا بوجود الآخر، بل لا يتصور أن تؤتي المرجعية الدينية أُكلها، وتحقق أهدافها، إلا باجتماع الوصفين معا: "المرجعية الدينية العلمية" و "المرجعية الدينية  المؤسساتية". 1- فأما المرجعية الدينية العلمية:فهي الطاقات والكوادر والكفاءات البشرية المتخصصة؛ التي تتحقق فيها المؤهلات العلمية الكافية لتبتّ في قضايا الأمة الهامة، ونوازلها الحاسمة، بتا شرعيا شافيا كافيا. وعندما أقول الكفاءات العلمية للمرجعية الدينية، فإني لا أقصر مدلول حدّها على الكفاءات المتخصصة في المجال الشرعي فحسب، بل تتعداه أيضا إلى المجالات العلمية الأخرى المساعدة نحو: القانون، الاقتصاد، الاجتماع، الطب، السياسة، ... وشبهها. فمن المعلوم أن هناك قضايا ونوازل يحتاج معرفة حكمها الشرعي إلى ضرورة تقصي بعض جوانبها ذات الصلة بالمجالات العلمية الأخرى؛ ما يستدعي اللجأ إلى رجل الطب أو الاقتصاد أو القانون...وهكذا، كما قال الحق تبارك وتعالى: ﴿ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ([1])، وأهل الذكر لفظ عام يشمل بعمومه أهل العلم بصرف النظر عن مجال تخصصهم العلمي، وما يهمنا هاهنا التأكيد على ضرورة أن تتحقق في الرجالات العلمية للمرجعية الدينية: الكفاءة العالية، والمؤهلات الوافية. ولله الحمد والمنة، فإننا لا نختلف إن قلنا بأن الجزائر تملك من الكوادر والكفاءات في عديد التخصصات العلمية -بما فيها مجال الدين- ما يجعل من المرجعية الدينية في شقها العلمي واقعا متحققا، أما من جعل إنكار هذه الحقيقة القائمة لسان مقاله فهو إما جاهل بواقع أمته، غير عارف بتاريخ بلده، وما أنجبه –ولا زال- من علماء أقحاح، وفقهاء أفنان، وإما مكابر معاند يتراءى له الحق يقينا أبلجا، ثم يتنكر له عتّلا وأنفة. وفي ردنا على مقالة هؤلاء نقول لهم: كفاكم شاهدا؛ العلماء الأفذاذ الناشطون في الزوايا والمعاهد الدينية المنتشرة عبر ربوع الوطن؛ والشهيرة بالنشاط الديني الفعّال، والتأطير العلمي الكفء، والتي لازالت إلى اليوم تمثل مراكز إشعاع علمي وإصلاحي وحضاري، ومراتع خصبة للنهل من علوم الدين واللغة وغيرها. هذا فضلا عن الكليات والجامعات الإسلامية التي تزخر هي الأخرى بطاقات بشرية على درجة عالية من الكفاءة العلمية، والتي تُؤّهلها للمساهمة بشكل فعّال في النهوض بهذا المشروع الحضاري. على كل، ما أريد قوله والتأكيد عليه؛ أنّه من الخطأ البيّن أن نبخس الحق حقه، ونأنف عن الإقرار به، وندّعي أن الجزائر تفتقر إلى الكوادر العلمية –الدينية منها تحديدا-، ولا تملك من الكفاءات العلمية التي تجعلها قادرة على الإفادة في ميدان الاجتهاد والفتوى، وعلى حسم إشكالية اختلاف الرّؤى أو على الأقل تقريب وجهات النظر فيما يعتري أمتنا من صرُوف علمية -إن صحّ التعبير- وفتاوى وآراء فقهية وافدة. 2- وأما المرجعية الدينية المؤسساتية:فهي المؤسسة أو الجهاز الإداري والشرعي الذي يرعى تحت سقفه تلك الكفاءات البشرية، والطاقات المؤهلة والمتخصصة في مختلف المجالات والتخصصات العلمية، لاتهمّ بعد ذلك التسمية التي سيتسمّى بها هذا الجهاز أو المؤسسة؛ لتكن هيئة، أو جمعية، أو ديوانا، أو مجمعا، أو مؤسسة...المهم في ذلك كله أن تكون هذه المؤسسة مرجعا دينيا جامعا؛ يضمّ أفضل الكفاءات العلمية من أبناء هذه الأمة، التي ستؤدي دورها المنوط بها في الاجتهاد العلمي والفتوى الشرعية المؤسّس على العلم الصحيح. وتأسيسا على ما سبق، تتضح لنا جليا حقيقة ما نعانيه اليوم في الجزائر وهو عدم وجود المؤسسة الشرعية المتخصصة التي من المفروض أن تحتضن هذه الكفاءات العلمية، فيتحقق المقصد الشرعي من إنشائها وهو: جمع شملهم، ورصُّ صفهم، وتوحيد مواقفهم، صونا لأبناء أمتنا الحبيبة من ظاهرة التزمت والتعصب والتطرف باسم الدين، ونضب منبعه الفكري والعقدي الشّاذ المعتسف الوافد. وفي تصوري القاصر لا أجد وفود هذا الفكر الغريب عنا سوى بسبب غياب المرجعية الدينية المؤسساتية التي ستسهم من ناحية في احتضان المرجعية الدينية في شقها العلمي وتجميعها في صعيد واحد، إنْ لم يكن مكانيا فزمنيا كما تقدّم، خاصة مع التطور النوعي الذي مسّ وسائل الإعلام والاتصال الحديثة؛ التي طوت المسافات، وجعلت من الرّقع الشاسعة المناكب المترامية الأطراف أشبه بقرية واحدة. ومن ناحية أخرى ستسهم أيضا هذه المرجعية الدينية المؤسساتية في بعث اهتمام الشباب الجزائري من جديد بعلماء بلده، وترغيبهم في الالتفاف من حولهم؛ وذلك من خلال تعريفهم بهم، فمن المعيب حقا أن يجهل المواطن الجزائري علماء بلده في الوقت الذي يعرف فيه حقّ المعرفة أعيان غيرهم من علماء المسلمين على كثرة أسمائهم وألقابهم ومصنّفاتهم.. وهذا له أسبابه الكثيرة ومبرّراته العديدة منها: غياب المرجعية الدينية المؤسساتية التي تُعرّف بعلماء البلد ونشاطهم العلمي.. ثانيا:المرجعية الدينية المؤسساتية في الجزائر ضرورة وحتمية:  إنّ كثيرا من شبابنا وفلذات أكبادنا، ممن زلّت بهم القدم، وساء منهم الفهم، واختاروا  السلاح قولهم وفعلهم، والتكفير عقيدتهم وإيمانهم؛ إنما زلت أقدامهم، وساءت فهومهم؛ لقلّة علمهم، فمعلوم أن العلم لا يقلّ في أمة إلا كثرت فيهم الأهواء، وتحكمت فيهم الآراء، وصار الشيطان قائدهم، والهوى إمامهم. وإن ما حصل في بلادنا الجزائر زمن العشرية السوداء –لا أعادها الله جلّ وعلا- لخير دليل على صحة ما أقول، فقد كان غياب المرجعية المؤسساتية عاملا مُساهما في تفشّي الأفكار الجهادية بين شريحة واسعة من الشباب الجزائري لولا جهد بعض أهل العلم والفضل مشكورين إنْ من داخل الجزائر أو خارجها. بل إن غياب المرجعية الدينية المؤسساتية أجده كان عاملا مساهما فيما نشهده منذ وقت قريب من انتشار لبعضِ الأفكار المعتسفة والمذاهب الضالة الوافدة؛ التي تتعارض وصريح التعاليم الإسلامية فضلا على تعارضها ووحدتنا المذهبية الدينية، فغياب مرجعية دينية مؤسساتية قد جعل من بلدنا الحبيب         -للأسف الشديد- هدفا مناسبا وفريسة سهلة لأصحاب الفكر الضّال والشّاذ، ومرتعا خصبا لنشاطهم المُعتسف والمشبوه في إشاعة ضلالهم وشذوذهم بين شبابنا. وليس خفيّا على كلّ لبيب ما لشيوع مثل هذه الأفكار من خطر على سلامة المنهج والعقيدة لأبناء الأمة الجزائرية السنية؛ وخذ مثالا على ذلك: خطر كل من التبشير للدين المسيحي، الشيعة الاثني عشر الجعفرية الرافضة، الأحمدية القاديانية، السّلفية الجهادية القتالية التي اتخذّت أشكالا وعناوين عديدة تتقاطع كلها في تكفير الأمم والدول والأنظمة واستحلال الدماء المحرّمة إلا بحقّها.. فهل يُشرع ويُعقل أن مسلما يؤمن بالله ربا، وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبيا، وبالإسلام دينا، يسبّ الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ويقع في أعراضهم بالثلب وسوء الظن، ويرميهم بالفسق والكفر، دون رادع أو زاجر، وهذا كله تحت عباءة حبّ آل بيت النبي صلى الله عيه وآله وسلم، ثم يقول إني مسلم؟!. قطعا لا.. أم هل يُشرع ويُعقل أن مسلما قد رسخ الإيمان في قلبه، وتمكّن الإسلام من جوارحه، يبدل دينه دين الحق، بدين مسخ مشوّه خداج لا خير فيه ولا نفع؛ طلبا لعرض زائل من الدنيا؛ زوجة جميلة تُرديه، سيبدي له الزمان يوما سوء جمالها، وفحش بهائها؟!، أو طلبا لمال خبيث كريه- لا بارك الله تعالى فيه- ممحوقة بركته، عظيم وزره!؟، نسأل الله تعالى العافية. أم هل يُشرع ويُعقل أن يجعل المسلم من دم أخيه المسلم وعرضه وماله هدفا وغاية لاستباحته واستحلاله وقد حرّمها الله تعالى إلا بحقّها المقرّر شرعا!؟. ما هذه من تعاليم الإسلام وصنيع أهله. إن هذا الانحراف في الفهم والسلوك والاعتساف في العقيدة والمنهج يُبرّره غياب العلم الذي تُقرّره المرجعية المؤسساتية، ولا أقول غياب أهل العلم؛ فالحمد لله حمدا كثيرا الأرض التي أنجبت أمثال العلماء الشيوخ: عبد الكريم المغيلي، وأبي العباس الونشريسي، والأمير عبد القادر، وعبد الحميد بن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي، والعربي التبسي وأحمد حماني...، رحمهم الله تعالى، وأنجبت أمثال الأئمة: محمد شارف رحمه الله تعالى والطاهر آيت علجت حفظه الله تعالى...، وأمثالهم كثير، لا زالت- ولله الحمد والمنة- تنجب علماء نحارير، أفذاذا أقحاحا، ورحمها لا يزال يتّسع لإنجاب آخرين في كل زمن.. وفي هذا السياق، سبق القول: أنه لو تأملنا الزوايا والمعاهد الدينية التعليمية المنتشرة عبر ربوع جزائرنا الحبيبة، ونظرنا مليا فيما تضمّه بين جدرانها وجنباتها من علماء وفقهاء، ولو تأملنا جامعات وكليات الشريعة التي تَشْرُفُ بها بلادنا، كم تخرّج- ولازالت- من الإطارات المتخصّصين الذين يشهد على رقيّ كفاءتهم العلمية بروزهم في الجامعات الإسلامية العالمية، وقس على ذلك باقي تخصصات العلم الأخرى؛ لو تأملنا ذلك كله لأدركنا أن الجزائر - ولا فخر وبدون مزايدة - بلد العلماء. إن مشكلة الفتوى الشرعية في الجزائر ليست في عدم وجود فقهاء وعلماء قادرين على الإفتاء وبيان الحكم الشرعي؛ أي أنها ليست في انعدام مرجعية دينية علمية، إن المشكلة الحقيقية التي تواجهنا – كما ألمحنا سابقا - تكمن في انعدام مرجعية دينية مؤسساتية يلجأُ إليها بصورة منتظمة المواطن الجزائري المسلم، الذي يعجّ ذهنه بأسئلة تستوجب الإيضاح، ولن يروي عيَّهُ إلا الجواب الشافي الكافي، فأين نحن اليوم من أمجاد مرجعيتنا الدينية المؤسساتية؟، أين أمجاد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي أسّسها عبد الحميد بن باديس مع الرعيل الإصلاحي الأَوّل؟. إننا اليوم في حاجة إلى مرجعية دينية مؤسساتية أكثر من أي وقت مضى، بل إن المرجعية المؤسساتية اليوم صارت ضرورة ملحة تمليها الحوادث الجسام والنوازل العظام، التي يشهدها العالم الإسلامي في هذه الأيام، نحو ظاهرة: التكفير، استباحة الدماء المسلمة والذمّية، العمليات التفجيرية الانتحارية، وكله يقع تحت غطاء الجهاد، الثورات والحراك الشعبي، الخروج على الحاكم وشقّ عصا الطاعة، التبديع، سب العلماء، التشيُّع، التنصّر، المعاملات التجارية والمالية المعقدة...، وغيرها. والجزائري كأي مسلم آخر حريص على معرفة تعاليم دينه، قد تَعْرِضُ عليه أسئلة واستفسارات حول هذه الظواهر وغيرها من مسائل الأحكام العملية والاعتقادية، وغياب المرجعية الدينية المؤسساتية لا غرو قد يحمل المواطن الجزائري وخصوصا الشباب منه على البحث عمّن يجيبه عن تساؤلاته، غافلا ربما -أقول ربما- عن عقيدة أو فكر أو مذهب من يستفتيه، بل قد يستوي عند بعضهم اليوم حتى سؤال العوام كما عاينت ذلك شخصيا، يعتقدون أن كل من حفظ آية أو حديثا، أو أعفى لحيته، أو لبس قميصا أو عمامة صار من أهل للفتوى واللإخبار بالحكم الشرعي. هذا ومن الضروري أنْ يُراعى معيار الأهلية العلمية عند انتقاء أعضاء  المرجعية الدينية؛ أي عند الإفتاء والاجتهاد، وهذه الأهلية تحدّدها شروط صارمة ذكرها الفقهاء وعلماء الأصول. ولابد أن تكون المرجعية الدينية المؤسساتية في الجزائر جامعة لعلماء وفقهاء المذهبين المالكي والإباضي على تماما كما فعل العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس عندما أسّس جمعية العلماء المسلمين، مع الإلمام ببقية المذاهب الفقهية السنّيّة المعتمدة والتفتّح والإطّلاع على أحكامها. كذلك من المهمّ أن تضم المرجعية الدينية المؤسساتية خبراء في مجالات العلم الأخرى إضافة إلى مجال العلوم الإسلامية؛ وهذا على غرار خبراء في مجال الاقتصاد، الاجتماع، الطب، القانون...ونحو ذلك؛ حتى يثستفاد من خبرتهم العلمية والمهنية في معرفة الإجابة الشرعية على بعض المسائل التي تحتاج معرفة حكمها الشرعي إلى أهل الخبرة والاختصاص من العلوم الأخرى نحو مسائل المعاملات المالية والتجارية والاقتصادية والطبية...  ثم إنه لا يهمّ  -كما تقدّم- الشكل الذي ستؤول إليه المرجعية الدينية المؤسساتية: هيئة، جمعية، مجمع، ديوان، مركز، مؤسسة،... المهم في ذلك كله أن تكون هذه المؤسسة الرسمية مرجعية دينية مستقلة ذات استقلالية مالية ووظيفية؛ بعيدا عن أشكال التسييس والتوجيه إلا ما يتطلّبه السير الحسن لنشاطها.  ومن الضروري من الناحية التشريعية ( القانونية ) تحديد مهام المرجعية الدينية المؤسساتية التي ستضطلع بها مسبقا؛ حتى لا تتجاوز حدود المهام والصلاحيات المنوطة بها فيحصل شيء من التعارض بين مهامها ومهام مؤسسات أخرى نحو المجلس الإسلامي الأعلى مثلا، فتكون محلا للاعتراض والنقد وهذا لايليق بمؤسسة المرجعية الدينية. وأمّا عن أهمية المرجعية الدينية المؤسساتية  فهي باختصار:    - تجميع علماء الجزائر في صعيد واحد؛ ما يسمح باحتكاكهم وتعرّف بعضهم على بعض عن كثب، وتبادل وجهات النظر فيما بينهم لا سيما حول القضايا المصيرية للأمة. - تعريف الأمة بأعلامها وعلمائها، وهذا يُساعد في إعادة النظر في دعوى أنْ لا علماء في الجزائر، بل ويُساعد في التخلص نهائيا من هذا الطرح غير الصحيح الذي يتبنّاه كل مُنكر جاحد لأعلام أمته عن قصد أو عن غير قصد.     - إن المرجعية الدينية المؤسساتية تكريس عملي لمبدأ الشورى أو الإجتهاد الجماعي في أشرف أمور الأمة؛ أمر دينها.     - توحيد الفتوى، وسدّ الباب وقطع الطريق أمام مُروّجي الفتاوى الشاذة؛ الذين يفتقرون إلى سعة العلم، وصحة النظر، وقوة الدليل. ختاما أقول: إن الاهتمام بتنصيب أعضاء المرجعية الدينية المؤسساتية ينبغي أن يكون أولوية توليها الدولة عناية كبيرة واهتماما بالغا، وأن تحرص على تجسيد ذلك قريبا في ظل تحديّات ومستجدات واقع متسارع. هذا هو المأمول من القائمين على الدوائر الرسمية في بلدنا الحبيب، أملنا فقط أن نرى مرجعيتنا الدينية الجزائرية صرحا مشيدا، يُنير بيوت أمتنا، ويسرج دروب شبابها نورا وهدى واستقامة. والحمد لله رب العالمين. كتبه: عبد المنعم نعيمي أستاذ بكلية الحقوق - جامعة الجزائر 1.

([1])سورة النحل، الآية43، وسورة الأنبياء، الآية7.  


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق