]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

إشكالية الإلزام في القرارات الدولية...سياسة التّشهّي والتّلهّي.

بواسطة: د/ نعيمي عبد المنعم  |  بتاريخ: 2014-12-13 ، الوقت: 14:58:17
  • تقييم المقالة:
هو عنوان كنت قد كتبته منذ ثلاث سنوات تقريبا ولم يرى النور إلا اليوم، بعد مراجعة بعض ما جاء فيه أحببت أن أنشره حتى لا يظلّ حبيس أدراجي فشعاري دائما: "لا تترك قلمك حبيسك أدراجك".. إن صناعة القرار الدولي تهدف في الأصل إلى تعزيز السلم الدولي والأمن العالمي، وتكريس مبدأ الشرعية الدولية في أسمى صورها وأرقى تطبيقاتها. وتتطلّب صناعة القرار الدولي مراعاة قواعد شكلية وأخرى إجرائية قبل أن يصدر في صورته النهائية، ويُنفّذه الأشخاص الدوليين المعنيين بتنفيذ مضامينه. ولا شك أن صنع القرار الدولي يُعدّ أحد أهم أعمال المنظمات الدولية، والموضوع من الناحية الواقعية الآنية يطرح عدّة إشكاليات لعلّ من أهمها: إشكالية الإلزام، وآليات تفعيل مضامين القرارات الدولية وتنفيذها؛ خاصة إذا تعلّق الأمر بمصالح دولٍ بعينها تنأى بمركزها القانوني والسياسي والعسكري والاقتصادي عن الإلتزام بالقرارات الدولية والحرص على تنفيذها. اليوم نجد الدول العظمى تتسيّد عملية صناعة القرارات الدولية وتُوجّهها وفقا لمقتضاياتٍ مرحليةٍ تحقق من ورائها أهدافا استراتيجية، وهذه الدول نفسها تتخذ من الشرعية الدولية شعارا لتمرير رسائلها وتجسيد سياساتها عن طريق القرارات الدولية الموجّهة والمسيّسة، كما تستند إلى منطق القوة بمظاهرها العديدة وملامحها المختلفة في صناعة ما تشتهيه من قرارات أو تستند إلى ذات المنطق للتملّص من التزاماتها الدولية. وهذا تماما ما يُقرّره التوجه الرّاديكالي الذي يرى أنصاره أن الدول بما تتمتع به من سيادة وتملكه من قوة؛ تلجأ إلى وسائل الإجبار لحسم نزاعاتها، "وفرض وجهة نظرها باعتبارها قانونا مُلزما". كما قد تُلجئها مصالحها إلى استعمال القوة لاستصدار ما يُلائمها من قرارات دولية أو التملّص من تنفيذ ما يلزمها تنفيذه من تلك القرارات. أريد أن أقول: إن دول الفيتو وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية تتلاعب بهذا الحق في إطار تكريس إرادتها في التحكم والسيطرة على العالم، لا تُصدر قرارا إلا وفيه طَرَفٌ من مصلحتها، ولا تُنفّذ قرارا لا يخدم مصلحتها، حتى في مثل الحالات التي تتدخل فيه هذه الدول لرعاية مصالح الأمم والدّول الأخرى تُصدر قراراتٍ ترعى أيضا مصالحها الآنية وتحقّق أهدافها الاستراتيجية، وعند تغيّر مصالحها تراها أول من يعترض على العمل بها، ويقف سدّا منيعا أمام تنفيذ مضامينها، حتى وإن حملها ذلك على استعمال القوة ووسائل الإجبار بطرق غير مشروعة. ولقد كان من أبرز وأوضح آثار تخلّي الدول العظمى عن تحمّل التزاماتها وتفريطها في التزام العمل بالقرارات الدولية: تململ الشرعية الدولية التي تطاولت عليها أسنّة هذه القوى العظمى صاحبة السّيادة والرّيادة، ما أعاد من جديد بعث فكرة الرّاديكالية في القانون الدولي المعاصر والعلاقات الدولية المعاصرة، والأخطر من ذلك طرح إشكالية التشكيك في حقيقة وجود قانون دولي تسمو قواعده على إرادة الدول، وتُلزم قرارت مؤسّساته المجتمع الدولي ككل دون أيّ استثناءٍ قد يفرضه منطق القوة والتسيّد غير المشروع، وهي إشكالية لها أسبابها ومُبرّراتها القانونية والواقعية. وعلى الرّغم من خطورة هذه الإشكالية إلا أنه حقيقة لا مناص من ذكرها ولا حاجة لإنكارها. أعتقد جازما أن الاعتراض على تنفيذ القرارات الدولية والتزام العمل بها أثّر تأثيرا سلبيا على المضامين الإلزامية للقواعد القانونية الدولية (قواعد القانون الدولي)؛ من حيث أن القرارات الدولية مصدر من مصادر قواعد القانون الدولي على رأي الفقه الدولي المعاصر، وأيّ تأثير يطال القرار الدولي ينسحب على القاعدة القانونية الدولية. هذا وليس أدلّ على تأثّر مبدأ الإلزام في القرار الدولي؛ مما يحدث اليوم في نقاط مختلفة من عالمنا العربي والإسلامي: كالعراق مثلا الذي لا يزال يعاني آثار حرب شعواء قذرة دبّرت الولايات المتحدة الأمركية خطتها، وحبكت خيوطها بليل، ودقَّت طبولها مدعومة بأذنابها وعملائها، حرب لا تمتّ إلى الشرعية الدولية بأيّة صلة، حرب مرّرتها الولايات المتحدة الأمريكية عُنوة متحدّية إرادة المجتمع الدولي، ومُعَانِدة القرارات الأممية (قرارات الأمم المتحدة)، تحت شعار تحرير العراق من براثن الاستبدادية الصدامية، والتخلص من كذبة أسلحته النووية الصدئة التي لا أثر لها. لست في إطار الدفاع عن الرئيس المخلوع صدام حسين أو قراءة وتحليل ما وقع في العراق من أحداث غداة غزوه، وإنما أريد فضح شعار التحرير الأمريكي المُبطّن بالمصالح الاستراتيجية التي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيقها، ولو على حساب استقلال دولة ذات سيادة، وأمن شعب مستقل، وبدلا من تحقق المشروع الأمريكي التحرّري، انتقل العراق من الاستبدادية الصدامية إلى وضع أخطر وأسوأ: الفتن العشائرية والنعرات القبلية؛ التي لم يسلم منها حتى كوادر وإطارات العراق الأكاديمية والعلمية؛ الذين اجتمعت عليهم أيادي الغدر من العملاء والدّخلاء، وذوي العصبية القبلية الأدعياء، كلّ ذلك تمّ برعاية أمريكية وعلى مرأى ومسمعٍ من المجتمع الدولي (دول ومنظمات دولية). صرنا نخشى فعلا على الأمد البعيد أن يتحول الشعب العراقي الشقيق إلى شعب ممزّق متشرذم، وضعٌ يُكرّس مشروع تقسيم العراق إلى دول فدرالية، هذا الوضع الذي لن يدعم مشروع المصالحة بين أطياف الشعب العراقي ووحدة الدولة العراقية. وأستحضر هنا صور التقتيل والتفجير التي كان يتعرّض لها يوميا العراقيون الآمنون خاصة في السنوات الأولى من الاحتلال (الغزو) الأمريكي، وللأسف إن الإنفلات الأمني لا يزال عنوان الحياة السياسية والاجتماعية في العراق والذي مهّد أكثر لتفشي وتعاظم العمليات الإرهابية والتخريبية. وفي مثال آخر: فلسطين الدولة العربية الاسلامية الأسيرة منذ عقود..وما يمارسه عليها يوميا الكيان الاسرائيلي الصهيوني من جرائم بعناوين مختلفة ومبرّرات غير مشروعة قانونا وعرفا وشرعا.. وهنا يحق لنا التساؤل: أين هي نصوص القواعد والقرارات الدولية التي تحرّم وتجرّم الاعتداء على سيادة الدول مما حدث من اغتصاب فلسطين وغزو العراق؟. أين هي القرارات الدولية الخاصة بمعاملة أسرى الحرب وحقّهم في محاكمة عادلة مما حدث في مهزلة محاكمة صدام حسين وبعض أركان نظامه ؟، ومما حدث كذلك من جرائم ضد الإنسانية في زنزانات سجني غوانتنامو وأبو غريب وتحت حماية دولة الأمريكان ؟. هل حوكم شارون وبوش وغيرهم كثير من أبناء الصهيونية العالمية والمسيحية الإنجيلية الأصولية على جرائمهم ؟، هل حوكم براك وليفني وغيرهما من أركان الكيان الصهيوني على جرائمهم المقترفة في حق الفلسطينين..؟، والجواب أحبّتي يعرفه الجميع: لا يُحَاكَمُ من له الحكم، ولا يُقَاضَى من بيده القضاء، ولا يُساد من يملك السيادة؛ فالصهيونية على سبيل المثال قد صدر بشأنها قرار من منظمة الأمم المتحدة عام 1975 تضمّن: المساواة بين الصهيونية والعنصرية، ولكن للأسف تم إلغاؤه عام 1991 في سابقة غير متكررة عبر تاريخ المنظمة الدولية وبتأثيرٍ وإيعازٍ من الصهيونية العالمية نفسها، واقع يكشف حقيقة من يقف وراء صناعة القرارات الدولية وإلغائها وعدم تنفيذها والعمل بها. إذن المسألة واضحة كالشمس في رابعة النهار؛ إن منطق القوة والنفوذ الذي تتمتع به دول بعينها وما يُحقّقه لها من مصالح يتحكّم في القرارات الدولية صناعة وتنفيذا، وخذ مثالا على ذلك: دولة إسرائيل التي داست على كل شيء؛ على الحرمات وتعاليم الدين والقيم الأخلاقية، لا تجد حرجا في خرق مضامين القرارات الدولية والاعتراض على تنفيذها، فكم من قرار صدر عن هيئة الأمم المتحدة يدعم القضية الفلسطينية لم تُعره إسرائيل أدنى اهتمام منها: "21 قرار يخصّ القدس وحدها، وفي المقابل سنّت اسرائيل نحو 25 قانونا جائرا خاصا بالقدس فقط"، جميعها لا يمت إلى الشرعية الدولية بأيّة صلة، ومع هذا فهي تنفذها على الفلسطنيين قهرا وقسرا، ورغما عن إرادة الهيئات الدولية، وتحت رعاية أممية ومباركة أمريكية. ولعلنا نتذكر "مذبحة المسجد الأقصى التي ارتكبها الصهاينة في أكتوبر 1990؛ والتي راح ضحيتها 20 شخصا وأصيب فيها 150 آخرون، وهنا توقّع الجميع في ظل الحديث عن الشرعية أن يكون موقف المجتمع الدولي حاسما وحازما، ولكن الحقيقة المؤلمة أن رد الفعل الدولي كان هزيلا، ولم يزد على إصداره لقرارات ثلاثة ضرب بها الكيان اليهودي الغاصب عرض  الحائط". ثم إن هذه القرارات لم تتجاوز حدّ التنديد والشجب والإدانة.. ولعل القرار الأممي رقم  1860 الذي صدر بمناسبة عدوان إسرائيل على قطاع غزة، يؤكد الموقف الهزيل والمتخاذل الذي تتخذه هيئة الأمم المتحدة إزاء القضايا التي يكفي ألا تخدم المصالح الأمريكية والإسرئيلية وحلفائهما؛ ما يعني عمالة أكبر هيئة للسلام الدولي، كما تأكدت عمالة المحكمة الجنائية الدولية التي تُصدر مذكرات لوقف بعض الشخصيات السياسية والعسكرية؛ كالتي أصدرتها بشأن رئيس السودان حسن عمر البشير بداعي ارتكابه جرائم حرب في إقليم دارفور السوداني. والتساؤل المطروح: هل أصدرت هذه المحكمة مذكرة أيضا بتوقيف الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته: جورج دبليو بوش بسبب جرائمه في العراق وأفغانستان ؟. كذلك شارون ونتنياهو وليفني وغيرهم من مجرمي الكيان الصهيوني وممارساتهم القمعية والهمجية المتواصلة في حق الشعب الفلسطيني ؟. أين كان دعاة حرب الإرهاب مما كان يحدث في دولة الجزائر مثلا من مجازر وتقتيل طيلة عشرية سوداء ؟. هل ساهم دعاة مشروع الحرب ضدّ الإرهاب في استصدار قرارات دولية تنصف المأساة الجزائرية من خلال شجب الإرهاب وتأكيد التعاون الدولي على مجابهته بكافة أشكاله وعناوينه ؟. سبحان الله !، الوضع أنذاك في الجزائر لم يكن يعنيهم  قطعا. لكن لما ظهر في الأفق ما يُكدِّر صفوهم، ويُرجِف أمنهم، ويتهدّد مصالحهم إثر أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 المفتعلة، جعلوا من محاربة الإرهاب وملاحقة الإرهابيين عنوانا ظاهرا لحروبهم ضدّ الشرعية، وزحفهم على مضامين القرارات الدولية، بل واتخذّوها مطيّة لصناعة وتمرير ما يخدم مصالحهم ويرعى مكاسبهم غير المشروعة منها قبل المشروعة من قرارات، لا يهمهم في ذلك إلزامية قرار دولي ولا شرعية دولية. وحتى ما اصطلح على تسميته: "الثورات العربية" نجد فيه للغرب الرسمي والمؤسساتي مصلحة ومنفعة وربما تدخلا وتأثيرا، طبعا أقول هذا الكلام مع تقديري الشديد للشعوب العربية والإسلامية الشقيقة التي كافحت لتتحرّر من الاستبداد السياسي؛ وخذ مثالا عن دولة ليبيا وما فعلته بها قرارات الأمم المتحدّة، هل حرّرتها هذه القرارات حقيقة أم مزّقتها وزادت وضعها تأزما ليس فقط على صعيد الأمن المحلي والوطني بل أيضا على صعيد الأمن الإقليمي ؟. كذلك دولة مصر التي لا زالت تتخبّط في سبيل تثمين مكاسب ثورتها وتجسيد أهداف حراكها الشعبي، سيما بعد الانقلاب على الشرعية الثورية باسم الثورة المضادة، وأيضا قرار المحكمة القاضي بتبرئة ساحة حسني مبارك الرئيس المتنحي من التهم المنسوبة إليه..وبين هذا وذاك يتخبّط المواطن المصري في وضع اجتماعي واقتصادي مُزري.. وهكذا مع سوريا التي صارت ساحة للاقتتال بين عديد الأطراف اختلط فيها الحقّ بالباطل، والأمر نفسه مع اليمن التي تشهد بعد ثورتها اقتتالا حادّا بين أبناء الوطن الواحد كلٌّ له ولاء سياسي لطرف معيّن...وهكذا ثورات العرب التي أنهكت العرب فاستفاد منها الغرب. أخيرا، يبقى ما ذكرته غيض من فيض لمشاهد واقع دولي لا يرحم، تحوّلت فيه منظمات القرار الدولي إلى منظمات من ورق بيد من يُحسن طيّ الورق وإحراقه، وتحوّلت فيه منظمة الأمم المتحدة إلى منظمةٍ للولايات المتحدة والصهيونية العالمية.. كتبه: عبد المنعم نعيمي. أستاذ بكلية الحقوق- جامعة الجزائر 1. naimi.abdelmounaime@gmail.com
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق