]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قراءة في نص المادة 40 من مشروع الدستور الجزائري التوافقي

بواسطة: د/ نعيمي عبد المنعم  |  بتاريخ: 2014-12-08 ، الوقت: 20:00:52
  • تقييم المقالة:
جاء في المادة 40 من وثيقة تعديل الدستور ما نصه: "المادة 40 تُعدّل المادة 148 من الدستور، وتحرر كالأتي: "المادة 148: القاضي محمي من كل اشكال الضغوط والتدخلات والمناورات التي قد تضر باداء مهمته، أو أن تمس نزاهة حكمه. يمكن القاضي أن يُخطر المجلس الأعلى للقضاء إذا تعرض لإحدى الحالات المذكورة أعلاه"".انتهى النص المُعدّل. والجديد في نص المادة 148 المعدَّل هو الفقرة الثانيةمنها: "يمكن القاضي أن يُخطر المجلس الأعلى للقضاء إذا تعرض لإحدى الحالات المذكورة أعلاه".  حقيقة من المهم عدم حصر صلاحيات المجلس الأعلى للقضاء في المهام الإدارية المتمثلة في تعيين القضاة ونقلهم وترقيتهم والإشراف على سير سلمهم الوظيفي (المادة 155/ فقرة 1 من دستور 1996، والمواد 18 - 20 من القانون العضوي04 - 12 المتعلق بتشكيل المجلس الأعلى للقضاء وعمله وصلاحياته)، والمهام الرقابية المتمثلة في رقابة انضباط القضاة ومساءلتهم والسهر على احترام تطبيق أحكام القانون الأساسي للقضاء (المادة 155/ فقرة 2 والمادة 149 من دستور 1996، والمواد 21 - 33 من القانون العضوي04 - 12 المتعلق بتشكيل المجلس الأعلى للقضاء وعمله وصلاحياته ). لذا يبدوا من المهم أيضا - كما نصت المادة 148 المعدّلة - أن يتّخذ المجلس الأعلى للقضاء موقفا إيجابيا آخر؛ فيكون حاميا للقاضي من كل ما من شأنه أن يحيق به من أشكال الضغوط المادية والمعنوية وصور التدخلات، لا مجرّد هيئة مراقبة له وجهة مساءلة أومحاسبة عن أعماله، ويكون المجلس الأعلى للقضاء صدرا رحْبًا يشعر معه القاضي بالأمن والأمان، ويستشعر منه وقوف الدولة إلى جانبه، من خلال إخطاره بكل ما من شأنه أن يُشكّل أمامه عائقا يحول دون القيام بمهامه القضائية على الوجه المأمول.   وفضلا عما تقدّم، فإنه من وجهة نظري القاصرة أرى أنّ هذا التعديل رغم قيمته أجده لا يعكس صدقًا تطلّعات الطبقة السياسية والمدنية في رفع سقف التعديلات المستقبلية للقانون الدستوري الجزائري وتحديدا منها التعديلات المتعلقة بقطاع العدالة، بل ولا أراه يعكس حتى حقيقة الإرادة السياسية المأمولة من أجل تعزيز مبدأ استقلالية القاضي وترقية ضماناته؛ ذلك أن المتأمّل في الخطاب السياسي الرّامي إلى دعم إصلاح أجهزة (مؤسسات) النظام الدستوري، وما تضمّنه خصوصا من وعود حول تحسين قطاع العدالة من خلال ترقية آليات ووسائل وضمانات استقلالية القاضي وحياده وحصانته ضمن نصوص أسمى قانون من قوانين الدولة؛ لا نجد له أثرا مهما ذا بال يرقى إلى مستوى التطلّعات إلا في نص الفقرة الثانية من المادة 148 أعلاه مع إقراري بعدم كفايته. إن القاضي في النظم الدستورية الديموقراطية الحديثة ليس مجرّد موظف لدى السلطة التنفيذية (الإدارة بمفهومها الإداري الضيق) تُملي عليه ما يجب القيام به أو الإمتناع عن فعله، بل هو أعلى شأنا وأقوى مركزا من حيث أنه يُعتبر - إن صحّ مني القول - طرفا فاعلا في هرم التنظيم السلطوي داخل الدولة، يتمتّع بمركز قانوني متميّز تتعزّز معه حقوقه وضمانات سير عمله على ضوء هذا النص الدستوري المُعدّل. ومن ثَمَّ كنت أتمنى ألا يُختزل التعديل فقط في الفقرة الثانية المستحدثة ضمن نص المادة 148 بموجب المادة 40 أعلاه، خاصة في ظلّ التحديات الراهنة والتطلّعات الآنية والمستقبلية الرّامية لتقوية جهاز القضاء من خلال دعم المركز القانوني للقاضي وتحسين أدائه السلطوي في إطار تكريس دولة الحق والقانون وتعزيز سياسة الحكم الراشد (ترشيد الحكم). وكان الأمل معقودا على هذا التعديل لكن بصورة أرقى تتحقق معها رفعة القاضي على نحوٍ أفضل يجعله في منأى حقيقي عن أيّ ضغط أو تدخل قد يُمارس عليه من جانب السلطة التنفيذية أو أيّة جهة أخرى تحت عناوين مختلفة نحو: النفوذ المالي، الحصانة السياسية والبرلمانية...وعلى أيّة حال سأذكر قريبا طرفا من المقترحات التي أراها مجدية لترقية القضاء وتقوية مركز القاضي ودعم حقوقه وضماناته لضمان استقلاليتيه وحصانته. وفي هذا الإطار، أرى أن يُدرج المشرع الجزائري نصا صريحا على استقلالية القاضي (القضاة في أداء صلاحياتهم السلطوية) على غرار نصه على استقلالية السلطة القضائية (القضاء كجهاز وهيئة) في المادة 138 من دستور 1996 بقوله: "السلطة القضائية مستقلة، وتُمارس في إطار القانون"، وأيضا على غرار ما كان منصوصا عليه في دستور 1963 أول دستور للجمهورية الجزائرية المستقلة الذي صرحت مادته 62/ فقرة 2 على استقلالية القضاة، بل ونصت بصريح منطوق عبارتها على أن وجود مجلس أعلى للقضاء يُعدّ ضمانة حقيقية لتحقيق استقلاليتهم بقولها: "استقلالهم مضمون بالقانون وبوجود المجلس الأعلى للقضاء"، وهذا ما أغفلته بعد ذلك الدساتير الجزائرية اللاحقة لسنوات 1976، 1989 و1996، وكذا تعديلاتها سيما لسنتي 2002 و2008 رغم أهميته، إلا ما تعلق منها بخضوع القاضي للقانون فقد نص عليه دستور 1976 في المادة 172،  دستور 1989 في المادة 138 ودستور 1996 في المادة 147.  وتأسيسا على ما تقدّم أقترح أن ينص مشروع تعديل الدستور في مجال القضاء على النقاط الآتية: 1-استقلالية القضاة كأشخاص يضطلعون بمهام (وظائف، صلاحيات واختصاصات) سلطوية فضلا عن استقلال القضاء كجهاز بهيئاته المتدرجة، وللأمانة فقد نص الدستور الجزائري الحالي على استقلالية القضاء كسلطة (استقلالية السلطة القضائية) كما أشرت آنفا في الوقت الذيأغفل فيه التصريح باستقلالية القاضي كما 2-التأكيد على أن هذه الاستقلالية مضمونة أيضا بوجود المجلس الأعلى للقضاء فضلا عن القانون. وهنا يتعيّن العمل على ترقية عمل المجلس وتعزيز استقلاليته كهيئة رعاية للقاضي. 3-من المهم الإحالة على القانون الأساسي للقضاء بشأن الكيفية الإجرائية التي يتم من خلالها إخطار المجلس الأعلى للقضاء بالمضايقات (ضغوط، تدخلات، مناورات) التي يتعرّض لها القاضي بمناسبة تأديته لصلاحياته. 4- إن أهم خطر أراه اليوم يُحدق بالقاضي ويتهدّده، وأجده يُؤثّر تأثيرا مباشرا على حسن سير مهامه: خطر تدخل سلطة الإدارة وكذا أرباب النفوذ المالي والسياسي...، وهذا يُشكل مرتعا خصبا ومجالا مناسبا لترقية ضمانات حماية القاضي وآليات تعزيز استقلاليته...بعيدا عن اشكالية تسييس القضاء (القضاء المُسيّس)، وكولسة القضاء (قضاء الكواليس)...وشبه ذلك كثير. كتبه: عبد المنعم نعيمي.                    

أستاذ بكلية الحقوق- ج


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق