]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

!لماذا التحفظ حول تخصص الشريعة والقانون...؟

بواسطة: د/ نعيمي عبد المنعم  |  بتاريخ: 2014-12-07 ، الوقت: 01:35:49
  • تقييم المقالة:
يحاول البعض عبثا النيل من تخصص الشريعة والقانون والتشكيك في قيمته العلمية، وإفراغه من مضامينه وأهدافه الأكاديمية، بل والانتقاص من المهتمين والمشتغلين به، والباحثين في مسائله والموضوعات ذات الصلة به من أساتذة وطلاب. وقد دفع بالبعض إلى تحفظه على تخصص الشريعة والقانون وإثارة بعض الشبهات من حوله نحو: الهدف من إحداث هذا التخصص: هل هو تقنين الشريعة أو تشريع القانون ؟!...هي شبهة كنا نسمعها منذ كنّا طلابا ولا زال صداها يترددّ ويتكرّر، ولا مجال لإنهاء هذا التحامل إلا بالرّد العلمي بالحكمة والموعظة الحسنة. إن قلنا: تقنين الشريعة فصحيح؛ فلا مانع شرعي - فضلا عن المانع القانوني والأكاديمي - يمنع من إفراغ أحكام الشريعة الإسلامية في قوالب قانونية، واختصارها في نصوص قانونية مُقتضبة على هيئة التشريعات الوضعية كما هو الحال مثلا في قانون الأسرة أو قانون الأحوال الشخصية، طالما أن مضامين هذه النصوص مصدرها الشريعة الإسلامية، وأن الهدف الرّسالي من الوحي التشريعي الإسلامي سيتجسدّ في تنظيم العلاقات المجتمعية داخل المجتمع الواحد. وإن قلنا: تشريع القانون أو شرعنة القانون بمعنى: الإقرار بإمكانية أن تحلّ النظم والتشريعات القانونية الوضعية محلّ القانون الإسلامي أو الشريعة الإسلامية، وارتضاء تطبيق القوانين الوضعية بدلا من تطبيق الشريعة الإسلامية؛ فهذا كلام لا يستقيم أبدا وغير مقصود من وراء استحداث تخصص الشريعة والقانون، بل إنّ الغاية من هذا التخصص هو تشجيع الدراسات المقارنة المُتخصّصة بين الشريعة الإسلامية والتشريعات الوضعية، والحرص على إعداد جيلٍ ضليعٍ في مثل هذه الدراسات يُسهم في تجديد فهم أحكام القانون الإسلامي، وتبليغ تعاليمه ونشرها، كذا إظهار قانون الإسلام بالمظهر الذي يليق بقدستيه كما أمرنا قرآن ربنا جلّ وعلا، وسنة رسوله عليه أتمّ السلام وأزكى الصلاة. وأما إن كان المقصود بقولهم: تشريع القانون أو شرعنة القانون بمعنى: الإستفادة من مضامين القوانين أو التشريعات الوضعية على نحوٍ يتناغم مع أحكام الشريعة الإسلامية دون إلغاء العمل بها فهذا طرح جيد جدير بالتثمين، ومن ثمّ فلا مانع من تعزيز العمل به وتكريسه. هذا ولا يصح منا القول إطلاقا بقصور الشريعة الإسلامية عن تنظيم شؤون الأفراد والمجتمع، وعدم استيعاب أحكامها لمستجدات الحياة، ومحدوديتها زمانا بعهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته أو من جاء من بعدهم إلى عهد قريب بهم، أومحدوديتها مكانا بحدود دول العالم الإسلامي كما يدّعي أبناء الغرب والمستغربون والتنويريون. بل وجدنا أن بعض النخب من المسلمين يرون أن الإسلام لايصلح أن يكون نظاما سياسيا أو نظاما اقتصاديا فضلا على أن يكون نظاما تشريعيا إلا في حدود تنظيم العلاقات الشخصية الأسرية. نحن نعتقد جازمين أن الشريعة الإسلام كدين سماوي أو وحي إلهي أو كقانون ربّاني صالح تطبيقها في كل مكان وزمان، وأحكامها المرنة تستوعب مستجدات مجالات الحياة فتدعم الصالح والنافع منها وتُنمّيه، وتُلغي الفاسد والضّار منها وتُنهيه، هو قانون كامل مُتكامل لا يعتريه نقص أو خلل، وما يقع بعد ذلك من أخطاء فمردّه سوء الفهم البشري وإساءة التطبيق الإنساني القاصر والكمال لله تعالى وحده.    إن تخصص الشريعة والقانون يفتح المجال لمقارنة أحكام الشريعة الإسلامية مع أحكام القوانين الوضعية بمنهجية علمية دقيقة، وإثبات وإظهار تفوق أحكام قانون الشريعة الإسلامية وسموّ أحكامها وأسبقيتها في تأصيل وتقعيد العديد من المسائل التي تهم المجتمع إنْ في حياته الداخلية أو حياته الدولية، والتأكيد على إمكانية الإستفادة من مضامينها التشريعية في عديد المجالات على نحوٍ تنتظم به معايش المجتمعات وتستقيم به أحوالها على اختلاف أزمنتها وأمكنتها. إن عديد المقاييس التي يدرسها طلاب الحقوق في المعاهد والكليات القانونية؛ يدرسها أقرانهم في تخصص الشريعة والقانون، بل ويفضلون عليهم في تلقي تكوين مزدوج في مقاييس شرعية تدعم معارفهم القانونية. إني أعجب من موقف التحفظ الذي تتخذه بعض الجهات الطبيعية والاعتبارية حول تخصص الشريعة والقانون ؟!، لماذا يُعاني خرّيج تخصص الشريعة والقانون من التضييق والتهميش وأحيانا كثيرة من الإقصاء إذا تعلّق الأمر مثلا بالتوظيف في كليات الحقوق برتبة أستاذ مساعد ب ؟!، بل حتى لو أراد التحويل من كلية حقوق إلى كلية حقوق أخرى، يلقى في الغالب الأعمّ الصدّ والرّفض من المؤسسة الجامعية المستقبلة؛ بداعي أن التخصص غير قانوني ؟!. وفي السياق نفسه، لست أجد مُبرّرا من إقصاء طلاب الشريعة والقانون من حقّ الالتحاق بالتكوين في شهادة الكفاءة المهنية ومسابقات القضاء ؟!. ويُحاول هنا البعض عبثا إلقاء ثلاث شبهات لا أساس لها من الواقع: أولهما: شبهة تسييس تخصص الشريعة والقانون: وهي شبهة ظهرت زمن الأزمة الأمنية والمأساة الوطنية التي شهدتها الجزائر طيلة عشرية سوداء كاملة؛ حيث استُغلّت هذه الأحداث كذريعة للتضييق على التخصص ورفض السّماح لطلابه بالالتحاق بالتكوين في المحاماة، وكذا الترّشح لمسابقات القضاء؛ بداعي عدم فتح المجال للعودة إلى النفق المظلم الذي تسبّب فيه الإسلاميون، وكأن تخصص الشريعة والقانون يُنتج إسلاميين –ولا أقول مسلمين- ويُنتج حزبيين سياسيين، ولا يُنتج نخبة علمية أكاديمية متخصصة تطير بجناح الشريعة وجناح القانون، وتُتحف المجال العلمي والأكاديمي بدراسات مقارنة ذات قيمة علمية راقية؛ تُسهم في النهوض بالبحث العلمي والأكاديمي المتخصص، وتُسهم في إيجاد الحلول المناسبة لمُعضلات المجتمع ومُشكلاته. إن أحداث الأزمة الأمنية التي مرّت بها الجزائر – لا أعادها الله تعالى - منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي؛ أزمة سياسية لها أسبابها السياسية والأمنية، وهل خرّيجو الشريعة والقانون أو خرّيجوا كليات وجامعات ومعاهد العلوم الإسلامية هم من تسبّبوا فيها وصنعوا أحداثها ونسجوا مآسيها...؟!، سؤال غريب، لا يحتاج إلى أيّة إجابة... وهذا الموقف السياسي الذي اتخذه بعضهم تجاه تخصص الشريعة والقانون، موقف غاية في الظلم والإجحاف بحق طالب وأستاذ الشريعة والقانون، وهو مُغالطة سياسية يُسجلّها التاريخ ضدّ هؤلاء المُدّعين المتحاملين، لا تنطلي على أيّ شخص مُنصف ينشد الحقيقة الناصعة بدون أية مُزايدات أو ترتيبات.     ثانيهما: شبهة أسلمة التشريع: بمعنى: أسلمة القوانين وما يتعلّق بها من قضاء؛ أي أسلمة قوانين الدولة والقضاء، وربما أسلمة شكل الدولة ونظامها السياسي والسلطوي، وربما إقامة دولة إسلامية...!!. لم تكفهم الأحزاب السياسية الإسلامية الناشطة في المعترك السياسي، والداعية إلى أسلمة الدولة بمظاهرها السلطوية في ظل مبدأ الديمقراطية، أو دمقرطة الدولة من منظور إسلامي وممارسة إسلامية، ليدخلوا تخصص الشريعة في نظاق ما يُسمّونه الإسلام السياسي...!!. إن تخصص الشريعة والقانون لا يُقصي قوانين الجمهورية وإن كانت وضعية، كما لا يسعى إلى استبدالها بالقانون الإسلامي، وأن حصول ذلك يحتاج إلى قرار سياسي من السلطة السياسية، وإن كان التخصص يهدف إلى توسيع دائرة العمل بالتشريع الإسلامي وعدم حصره في مجال الأسرة والأحوال الشخصية، وإعطاء الفرصة لتفعيل أحكام التشريع الإسلامي في مجالات أخرى بقدر الإمكان، والإستفادة منها في ترقية حقوق المواطن ورعايتها، وتكريس العدالة، وتعزيز دولة الحق والقانون. ثالثا: شبهة عدم القدرة والكفاءة على التأطير: فعندهم أن خرّيج الشريعة والقانون وإن حاز شهادة الماجستير والدكتوراه يظلّ عاجزا عن الاستفادة من التكوين في مجال القضاء والمحاماة، وإن كانت هذه الشبهة تُطرح أكثر عند التشكيك في قدرات الأساتذة المتخصصين في الشريعة والقانون في تأطير طلاب الحقوق. والسؤال الذي أطرحه على هؤلاء: هبْ أن حامل شهادة ماجستير أو دكتوراه في الشريعة والقانون سيُؤطّر الطلبة في أيّ مقياس قانوني من مقاييس القانون العام أو القانون الخاص فهل يعجز عن ذلك فعلا، خاصة وأنه قد تأطّر فيه يوم كان طالبا في مرحلة الطلب والتحصيل الجامعي إنْ في مرحلة التدرج في سنوات الليسانس أو في مرحلة ما بعد التدرج في الدراسات العليا...؟. هو دَرَسَ القانون العام كما درس القانون الخاص فضلا عن دراسته للعلوم الشرعية، إذن هو في الحقيقة يملك المؤهلات العلمية والمعرفية القانونية المتخصصة لمُباشرة عملية التأطير دون أيّ حرج. إذن...كفانا من سياسة التحفظ وما تدعو إليه غالبا من تهميش وإقصاء. إن تخصص الشريعة والقانون واقع لا مناص من الاعتراف به خاصة وأنه تخصص أكاديمي من بين قائمة التخصصات الأكاديمية المعتمدة في الجامعة الجزائرية وغيرها من جامعات الوطن العربي والإسلامي، وقد أثبت حاملوا هذا التخصص جدارتهم وكفاءتهم في التأطير الأكاديمي والإشراف العلمي والتسيير الإداري والوظيفي...ولا مجال للتشكيك في ذلك كله. أما ما يقع من تقصير مع الحرص على التفاني في ترقية الأداء الوظيفي فهذا مئنّة وعلامة على البشرية التي يعتريها النقص والسهو والخطل، وهذا أمر لا جرم فيه ولا مناص منه، وهو ليس قاصرا على النخبة فضلا عن العوام، كما ليس قاصرا على خرّيجي الشريعة والقانون دون غيرهم...فرجاء كفانا تحاملا على تخصص الشريعة والقانون... كتبه: عبد المنعم نعيمي أستاذ بكلية الحقوق- جامعة الجزائر 1.  
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق