]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الأقسام المؤجلة من الأسئلة الخالدة

بواسطة: Ahmed Qarani  |  بتاريخ: 2011-12-07 ، الوقت: 18:17:04
  • تقييم المقالة:

 

 

 

  هناك أسئلة راودت مخيلة الإنسان منذ زمن بعيد، أتعبته إلى حد الاشمئزاز، أخذت من وقته الكثير، خلقت له مشكلات جمة، أعطى في سبيل حلها تضحيات لا تعد... وقبل أن أطيل في سرد سلبيات هذه الأسئلة، اود أن اشخص أحدها، والذي بدأ به ـ كما أعتقد ـ الأديب والفيلسوف (أوربيد) حيث يتخيل في تحليلاته متسائلاً: لا أستطيع القول أن شخصاً ما سيكون في يوم ما سعيداً إلا بعد موته.

  صحيح إن هذا السؤال حير الكثيرين، وبقي ينخر ذاكرة التأريخ خلال أكثر من ألفي سنة... لذا فمن السذاجة أن نبحث جاهدين عن شخص سعيد نلقاه من دون ميعاد، خاصة ونحن نعيش في أحلك الظروف ونتعرض إلى أكبر التحديات، ماذا دهانا أن نفعله في هذه العجالة ونطرق أبواباً لم تفكر يوماً بأنها ستستقبل أناساً من أمثالنا الذين يدفعهم الفضول الى أن يضعوا وردة على قبر اوربيد و يحاولوا تفعيل سؤاله السخيف في البحث عن السعادة ولم ير أحد منهم سوى التعاسة. إنه أمر طبيعي بالنسبة للتعساء، يفعلونه متى ما شاؤوا، وينبشون في أطلال المجهول أين ما كانوا...!!؟

  من نوادر القدر أن الذين استفادوا من فحوى هذا السؤال أكثر من الذين يريدون أن يستفيدوا من جوابه المنتظر. وربما كان الكاتب الروسي (غوغول) هو اول من تمعن في هذا المنعطف الحساس. السؤال في حد ذاته حكمة ومفتاح لأمور كثيرة لمن يتمكن أن يتقنهما في الوقت المناسب. يتحدث غوغول عن راع يريد أن يثبت لمواشيه بأن أسعد لحظة في الحياة هي تلك التي يضع الجزار السكين على عنق الخروف، إنها لذة لا تضاهيها نعمة في الدنيا لذا تريد الماشية أن تنعم بهذه الهبة ولا تعود الى التعاسة الموجودة في جميع مفاصل الحياة. العبرة في هذه الرواية المصطنعة هي الفطنة التي تحلى بها هذا الراعي الحكيم، وبذلك فتح طريقاً أمام كل الرعاة لكي يحاولوا أن يقنعوا أغنامهم بصدق تلك اللذة وحلاوتها لكي تتسارع الضحايا وتتزاحم من أجل أن تنال النعمة قبل غيرها.

  وحتى إن كانت هذه الحكمة طرفة دغدغت مشاعر القرويين في يوم ما، فضحكوا على غباوة الضحايا حتى ملأت عيونهم بالدموع والتي سرعان ماتبخرت أمام دخان سكائرهم الداكن، حيث أغلق العقل واختفت الحكمة الى الابد...

  لا يشترط أن يحدث هذا العرض المضحك المبكي في كل مكان، فالمسألة تختلف كلياً بالنسبة لأهل المدن، حيث تعتبر هذه الحكمة أحد مفاتيح الحُكم، بل تعتبر في بعض المدن الكبيرة وخاصة ذات الحضارة العريقة فلسفة الحياة ونهجاً صحيحاً تستمد مصادر تخطيطهم المبرمج. وعن طريق تلك البرامج الذكية، يستطيع الحاكم أن يقتاد ملايين الناس مثل قطيع مطيع ويفعل بهم ما يشاء. حقاً إنه سحر محير لو لم يعرف أحد سر قوته، لكنه سرعان ما يتحول الى دجل مقنع لو تمكن أي شخص من فتح شفراته البسيطة التي لا تحتاج إلا الى تفكير مضاعف يستند في تحليله الى منطق سليم.

  لايقتصر تأثير هذه الحكمة في دهاليز السياسة ومطبات إدارة الحكم فقط، بل تدخل في المناهج الثورية لأشد القوى راديكالية حيث تكتشف اللحظة السعيدة بين أسطر مبادئها العزيزة على القلوب. وكثيراً ما يصبح بعض رموزها كاريزما العصر من دون منافس، كما هو الحال في عنفوان اللحظات الأخيرة من حياة جيفارا أيام حروب التحرير في منطقة الكاريبى وأمريكا اللاتينية بشكل عام. لم يكن هذا التأثير بكاف عما يفعله الملوك ورجالات السياسة بشعوبهم عند الخط الحاسم بين الحياة والموت، فالحالة هنا تشمل الأحياء والأموات في وقت واحد... بل تعدى ذلك التأثير حدود الفكر ووصل الى مجالات الفن والأدب. سرعان ما يسعى أديب معروف، أن يحول بطل روايته الى شخص خالد، يعيش مع الزمن، يعرفه القاصي والداني. او يحاول نجم عالمي في الفن أن يجر قطعته الموسيقية او لوحته التشكيلية بشق الأنفس الى اللحظة الخالدة لكي تسعد بعز كينونتها.


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق