]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مدنية الاسلام

بواسطة: مصطفى الراشد  |  بتاريخ: 2014-11-19 ، الوقت: 20:16:16
  • تقييم المقالة:

كان يمسك بيدها الصغيرة الرقيقة ويسير بها في تلك الصحراء وهي تسير معه وأخذ يحفر حفرة وهي تخاطبه وتقول له ياأبتي ما انت فاعل بي؟ كان ذلك هو قيس بن عاصم الذي ابكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين روى له قصته مع ابنته، فقال: "ما ولدت لي بنتٌ قط إلا وأدتها، وما رحمت منهن موءودةً قط إلا بنيةً لي ولدتها أمها وأنا في سفر، فدفعتها أمها إلى أخوالها فكانت فيهم، وقدمت فسألت عن الحمل، فأخبرتني المرأة أنها ولدت ولداً ميتاً. ومضت على ذلك سنون حتى كبرت الصبية ويفعت، فزارت أمها ذات يوم، فدخلت فرأيتها وقد ضفرت شعرها وجعلت في قرونها شيئاً من خلوق ونظمت عليها ودعاً، وألبستها قلادة جزعٍ، وجعلت في عنقها مخنقة بلح: فقلت، من هذه الصبية فقد أعجبني جمالها وكيسها؟ فبكت ثم قالت: هذه ابنتك، كنت خبرتك أني ولدت ولداً ميتاً، وجعلتها عند أخوالها حتى بلغت هذا المبلغ فأمسكت عنها واظهرت لأمها بأني سامحتها حتى اشتغلت عنها، ثم أخرجتها يوماً فحفرت لها حفيرةً فجعلتها فيها وهي تقول: يا أبت ما تصنع بي؟وجعلت أقذف عليها التراب وهي تقول: يا أبت أمغطي أنت بالتراب؟ أتاركي أنت وحدي ومنصرفٌ عني؟ وجعلت أقذف عليها التراب ذلك حتى واريتها، وانقطع صوتها، فما رحمت أحداً ممن واريته غيرها، فبكى رسول الله عليه الصلاة والسلام لذلك بكاءً شديداً، هذا كان حال العرب قبل البعثة النبوية وقبل الحياة في كنف الاسلام.

 وعندما بعث الله سبحانه وتعالى الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم قام بنقلهم الى حالة سامية من حالات الانسانية والفضيلة فنقلهم بأمر ربه من الظلمات الى النور ومن الفظاظة والغلظة الى الرحمة العظيمة، ومن ضيق التعصب والعشائرية النتنة الى فضاء الاسلام الرحب الواسع ، فاصبحت نفوسهم تنعم بالعطف والرأفة بعد الشدة والقسوة، وعاشوا الوحدة والألفة بعد حروب طاحنة خاضوها مع بعضهم بسبب ناقة قتلت!، آنذاك خرج المهلهل عدي بن ابي ربيعة مطالباً بثأر أخيه وفنى عمره في سبيل ذلك واقتتلت القبائل لسنيين، وما أشبه الامس باليوم فالقصص التي نسمع بها هذه الايام بعد ابتعادنا عن الطريق الذي رسمه الله ورسوله لنا شبيهة الى حد كبير بما سمعنا من قصص اقتتال قبائل العرب فيما بينهم قبل الاسلام، ان المدنية الاسلامية بفضل من الله كانت السبب الوحيد الذي وحد بين هذه القبائل المتقاتلة وجمعهم في دين الله أخواناً، وهي التي حولت قلوب العرب وعقولهم من صحراء للجهل الى واحات للعلم والمعرفة والتحضر، وبعد رسول الله عليه الصلاة والسلام سار خلفائه من بعده ومن تبعهم بأحسان على الاساس الذي وضع لهم واقاموا البنيان واستمروا بتوسيعه، وكانوا حريصين في ذلك كل الحرص لأن هذا البنيان هو رمزاً للعدل والرحمة والانسانية فحرصوا على نشره في كل بقاع الارض وبذلوا حياتهم رخيصة في سبيل الله لتحقيق ما امرهم به عن طريق رسوله، ولم يقاتلوا الا من وقف حجرعثرة دون ذلك، وكان من الطبيعي ان يقف المنتفعون من عبودية الناس لهم والجبابرة والمتكبرين ويشوهوا الحقائق للناس ليلتفوا حولهم، لذا كان لابد للحق ان يفرض ارادته عليهم بالقوة متى تطلب الامر ولزم.

 ان الدعوة الى العيش في ظل المدنية الاسلامية هي دعوة الى الفضائل التي عمل أجدادنا على نشرها من أجل ان ينعموا الناس بالامن والامان في ظلها، ولعل من المؤسف ان يُتَصَوَّر ان الحياة في ظل الاسلام هي قمع للحريات وقطع للايدي ورجم للزناة فقط! كما نجح الاعلام المضاد في تصويره، فان هذه العقوبات التي طبقت حينها على المسيئين لم تحدث بالشكل الواسع الذي صوّرت عليه، كما انها لم تكن الا بمثابة عملية استئصال الورم الخبيث من الجسد حتى لاينتشر فيهلك الجسد كله، كما وان الحدود والعقوبات هذه لو تأملت النظر جيداً لوجدت انها في المدنيات والديانات الاخرى اكثر شيوعاً .

 وأن من ابشع الفرى التي ارتكبت على الاسلام انه قمع المرأة وهذا ليس من العدل والانصاف والحقيقة في شيء، فالناظر الى حال المرأة قبل الاسلام وحالها بعد الاسلام ليلحظ حريةً واحتراماً وتقديراً لها أكثر بكثير مما كانت عليه، سواءً في حياتها قبل الاسلام او بعده في المجتمعات الغير مسلمة، فهي في كنف الاسلام الأم التي يُتقرب الى الله بطاعتها واحترامها، حتى ان لا عمل يتقرب به الانسان الى الله افضل من طاعة الام وتقديرها.

 وهي الزوجة التي يجب أحترامها ومحبتها والرفق بها، والاخت التي لها نصيب من الميراث كما هو للأخ، والبنت التي وجب رعايتها وتربيتها بكل محبة وحنان وعدل، بل وفي احيانٍ كثيرة كانت الفارسة الشجاعة التي ضربت فيها امثلة العز والشرف والكرامة وتحمل المسؤولية كما ينبغي وما  نسيبة الانصارية وخولة بنت الازور وزينب بنت علي رضي الله عنهن جميعاً الا مثالا حياً على ذلك.

اما دعاة تحرير المرأة وأقلامهم الموهومة وقد لاتخلوا ان تكون بعضها مأجورة فدورهم لم يزد على ان دخلوا بين المرأة ونفسها وجردوها من فطرتها وزجوا بها في مجتمعات لاتليق بها واجبروها على ارتداء ملابس الرجال وحملوها من الاعمال مالاتطيقه فأعتدي عليها وامتهنت كرامتها، حتى وجدت انه مامن شيء أحب اليها مما كتبه الله لها في ظل الحياة الاسلامية .

فحقيقة الامر ان المدنية الاسلامية هي السبيل الاصلح لاستقرار الحياة على ظهر الارض لانها تسير الخلق وفقاً لقوانين الخالق،وقد أثبتت 800 سنة حكمت فيها الحياة المدنية الإسلامية بلاد الأندلس بما احتوته من مختلف الديانات وبكل عدل وحضارة أنها الأصلح في قيادة العالم من كل المدنيات الأخرى التي خلفتها والتي أشاعت ثقافة التمييز والفصل العنصري حتى يومنا هذا، فها نحن نرى المدنية الغربية  التي بنيت على نظريات البشر مالبثت ان أثبتت فشلها بعد ان اصطدمت بالواقع، ولعل من اهم البراهين على ذلك هي الازمات الاقتصادية التي تمر بها ودعوات المصلحين الى تطبيق المباديء الاسلامية  في اقتصاد السوق لانها تجعله اكثر استقراراً.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق