]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عندما رحل العجوزُ (قصة قصيرة)

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2014-11-19 ، الوقت: 15:45:57
  • تقييم المقالة:

 

رحل العجوز الطيبُ، الذي اشتعل رأسه شيباً، في جحيم هذه الحياة القاسيةِ، واشتعلت مسيرةُ أيامه المحترقة بالأحزان والأشجان الملتهبة، فاحترق في صدره المريض نبضُ القلب المتوجع، والمتألم، طيلة سنوات متعاقبةٍ، وانتهى إلى يوم البعثِ، بعد أن لم يُجْدِ العلاجُ أي نفعٍ مع مرضه المزمن، الذي ألمَّ به في أواخر حياته.

وأيُّ حياةٍ عاشها المسكينُ؟!

زواجٌ، وعِشْرةٌ طويلة وعريضة، مع زوجةٍ حادَّةِ الطباع، وعصبية المزاج؛ لم يكن يتفاهم معها عميقاً، والتي كان يشتدُّ معها العراكُ والشجارُ، ويحتدُّ الخصامُ والعنادُ طويلاً. وكثيراً ما أطلق العنانَ للسانه في المشادات الكلامية، والحوارات المنفعلة، وقال لها على مرأى ومسمع الأبناء، وبلا تردد:

ـ لولا الأولاد لطلقتك منذ زمن !!

وكفاحٌ مريرٌ، ونضالٌ مستميتٌ، من أجل بناتٍ تزوج معظمهن، وأولاد لكل واحدٍ منهم طريقته الفذة في الحياة، ومنهجه الخاص في العيش، فقتلوا بذلك في نفسه المنكسرة كل آماله وأمانيه في العيش؛ ودَّ أن يرى أبناءه كاليد الواحدة، تتجاور فيها الأصابعُ، لتقوم بأعمالٍ مشتركة، وتخدم مصالح مُوحَّدةً، رجالا مُهابين، ومحترمين، بين الناس، وناجحين في حياتهم كلها.

رحل العجوزُ إذن.. وترك زوجةً.. وخلَّفَ أربعة أولادٍ، وبناتٍ كثيراتٍ متزوجاتٍ، إلا اثنتين في الطريق (أو على الطريق).. وربما لن يحدث ذلك بسرعة، ولن يتمَّ على أحسن وجه، ويجري كما جرى لأخواتهما في حياة أبيهما الماضية، وفي عهده اليقظِ؛ فالعيون، هذه الأيام، أكثر يقظة، والأذان عريضة، والألسنة طويلة. ولقد بدأت سمعتُهما تَسيءُ على ألسنة الناسِ، وتسْري في همساتهم، وتنسابُ في أحاديثهم قليلاً فقليلاً، ثم كثيراً فكثيراً، وفي أذانهم، وفي نظراتهم أيضاً، خاصة بعد غُدوِّهما ورَواحهما، باستمرارٍ، في شوارع المدينة، وخارج المدينة، بسبب وبدون سبب.. ثم بسبب أنوثتهما الصارخة، وجمالهما المُغْري كذلك.. كأنَّ الجمالَ أصبح نقمةً، والأنوثةَ عيْباً، على البنت، في هذا العصر.. ولكن ليس على كل البنات الجميلات !!

وكانت البنتُ السمراءُ، ذات الخصر المتمايل، يمنة ويسرةً، بشكل ملفتٍ للأنظار والجوارح والتعليقات، والصدر الشهي الممتلئ، والشعر المسافر تارة، والمستقر طوراً آخر، أكثر فتنة وجاذبية، وأشد إغراءً وتحريضاً للفتيان؛ ففي مشيتها المختالة خفة ودلال وتحريض واضح، وفي نظراتها الجريئة دعوات مكشوفة وصريحة.. وعلى طول وعرض الطريق تتلقى معاكسات من هذا وذاك وآخر.. ومع كل هؤلاء وأولئك يكون لها شأن مختلف، ويصدر منها ردُّ فعل سليم وغير سليم.

رحل العجوزُ إذن.. وبسرعةٍ وطَّدت البنتان علاقتين مع فتيين ، كأنهما كانتا تنظران فرصة رحيل العجوز لتحقيق نزواتهما ـ ثم مع فتيانٍ آخرين، بحكم إيمانهما بفكرة العصر، والموضة، وحب التغيير؛ فهما تعتبران الفتيان في حياتهما، مثل الثياب في دولابهما...

وبسرعة كذلك وقع في أسْرِ البنت السمراء شابٌّ، يُشابهها في السمرة كثيراً، تعرَّفَ إليها في ظروف سانحةٍ جدا؛ فلقد كان يلتقي بها، برفقة ابنة عمِّهِ، حين تعودان من الثانوية، وحين تزورها في البيتِ، بين يومٍ وآخر؛ فهي صديقة لها منذ الموسم الدراسي، تُراجعُ معها الدروسَ، وتساعدُها في إنجاز الفروض والتمارين، والتهيؤ للامتحانات، كما تخبر أُمَّها، وتدَّعي لتبرير خروجها كل يوم.

فتنَ الشابُ بجمالها، وبأنوثتها الطاغية، وبعودها الناضج، وأيقظت في جسده رغبة مستعرةً، وأشعلت في حواسه نيران الوصال والعناق و... وبدأ يحرِّضُ ابنة عمِّه، ويطلب منها أن تستميلها نحوه، وتُقَرِّبَ المسافات والمساحات، ونجحا في ذلك... كما حاول مرة بنفسه أن يذهب إليها حيث الثانوية، كي يحدثها بعد أن مهدت له الطريقة ابنة عمه، وحدَّثها فعلاً... ومالت... واستجابت... واتفقا... وطفق ينتظرها كل مساءٍ، وفي بعض الأمسيات يخلو بها... !!

رحل العجوزُ، ورحل معه السترُ، والحزمُ، والانضباطُ، وظهرت الأختان أكثر تألقاً، وشهرة، وشعبيةً، وحلاوةً...

وظهر شابٌّ ثانٍ، في طريق البنت السمراء.. يقفُ قريباً من مقر عمله، ينظر بعيداً إلى الشارع الطويل، يترقَّبُ قدومَها، عندما تشيرُ الساعةُ السادسة زوالاً، وبضعة دقائق؛ فهي لا محالة عائدة من الثانوية برفقة صديقتها.. يقف ينظر، وينتظر، بشغف واضح في عينيه، وفي يسراه علبة حلويات صغيرة الحجم، اعتادَ أن يستقبلها بها، في كل لقاءٍ بينهما.. وإذا لم يسعْهُ الوقتُ لذلك يتعمَّدُ أن يمُرَّ بها أمام المخبزة ليدخلاها معاً، ويخرجا منها وفي يد كل واحد منهما ـ وفي بعض الأحيان أيدي الثلاثة ـ حلويات لذيذة، وعلى شفاههم ابتسامات عذبة.

كانت أحلامُه ألذَّ من الحلويات، وآماله أعذب من الابتسامات.. وكان يسأل نفسه في حيرة:

ـ أترى تحبني، أم تحب الحلويات؟!

كان يريدها لنفسه حقّاً، ويتمنى أن تكون من نصيبه، دون غيره، ويتصور أنهما خطيبان، قد تعاهدا على الحب، والصدق، والوفاء، والصبر، والانتظار... حتى يحين الوقتُ المناسبُ، كي يعيشا تحت سقف واحدٍ، وإلى الأبد؛ فهو لا يزالُ في أول الطريق، وعليه أن يشقه لوحده، بكل عزم، وحزم، وجِدٍّ، وتعب... ويضمن لنفسيهما غداً أفضل، ولحياتيهما مستقبلاً أكرم، بضمان أشياءٍ كثيرة، من الصعب تحقيقها بسرعة.

كان يفكر بهذه الطريقة، ويتأمل.. ويشتري لها الحلويات، ويبتسم..

إنه شاب ظريف، وأنيق، ووسيم... ومسكينٌ أيضاً؛ فهو لا يدري أنه قد وقع في غرام فتاة لم تعشق فيه سوى الحلويات.. قد تركت غيره، لأنه لم يفكر مرة بذكاءٍ أن يشتري لها الحلويات، وستتركه هو أيضاً إن وجدت، أو صادفت من يفكر بدهاءٍ، ويشتري لها حلويات أكبر، وأغلى ، وأَلـذَّ !!

ذات مساءٍ نزل شابُّ (لا رقم له هذه المرة) من سيارة أنيقةٍ، ودخل المخبزةَ، على عجلٍ، واقتنى علبة حلويات كبيرة الحجم، ثم استقلَّ سيارته من جديدٍ، وانطلق بسرعةٍ... كانت تجلس بجواره بنتٌ سمراءُ، فاتنة، تضحك وهي تتسلم العلبةَ، وتفك خيْطها الوردي...

إنها بنت العجوز، المسكين، الذي رحل، فرحل معه الستر، والحزم، والانضباط...


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق