]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

من التفكير...إلى التعبير

بواسطة: طه عبد الغني  |  بتاريخ: 2014-11-17 ، الوقت: 23:34:32
  • تقييم المقالة:

..هناك جانب مهم من أنواع الحريات، وهذا الجانب هو المتعلق بحرية التفكير، فكل شخص يمتلك حرية مطلقة في أن يفكر، وأن يعمل فكره فيما يحنو له، وفيما يريد، بشرط ألا تتجاوز هذه الحرية الحدود التي حددها الشرع في هذا الجانب، فحرية التفكير خلقت مع الإنسان، وهي الشيء الذي يملكه الإنسان لوحده، دون أن يتدخل شخص ما لمنعه من التفكير، مهما حاول، ففي ذهن الإنسان تسري مجموعة من الأفكار، ويعملها في خاطره قبل أن يفصح عنها. وقد يفقد كل شيء إلا هذه الحرية.

 لقد ربط سيد يوناني قديم عبده، وحاولا رده عن إسلامه، فقال له العبد: ولئن سلبتني حريتي؛ فإنك لن تتمكن من الضغط على حرية تفكيري، وضرب السيد بلالا، ليرجعه عن إسلامه، فكان يقول: أحد، أحد؛ أي لن أرجع عن اختياري.

 فلحرية التفكير دور كبير في إنتاج الأفكار وإغناء التجارب، لأن الحياة الآن، تتطلب من الكل أن يعمل فكره، وأن يجول به جولات عديدة من شأنها أن تأتي بالجديد، فهذا الجديد قد صار عملة نادرة الوجود أمام قمع حرية التفكير.

وبالموازاة مع حرية التفكير، ثمة حرية تفوقها أهمية، ولا يمكن أن تتحقق الأولى إلا بوجود الأولى، ويتعلق الأمر هنا بحرية التعبير، أي التعبير عن الأفكار المتوصل إليها بعد إجهاد الفكر وإعماله لوقت طويل، ولعل ما يُلاحظ في العصر الحالي هو تطويق هذا الحق، وقد يصل الأمر أحيانا إلى الحرمان التام الذي قد تصاحبه عقوبات في حالة مخالفة بعض القوانين.

إن الحق في التعبير معناه فسح المجال لنشر الأفكار التي تدور بخلد الإنسان، وبما أن العصر الآن يشهد زخما إلكترونيا، فإنه من السهل تعميم هذا الأفكار ونشرها على أوسع نطاق، فكثيرا من الأفكار التي يتوصل إليها بعض الأشخاص، ولكنها لا تُأخذ مأخذ الجد من لدن الجهات المسؤولية، وخاصة إذا كانت هذه الأفكار لها صدى سياسي أو تهدف أو تمرير خطابات إيديولوجية من شأنها توعية الفرد وتبصيره إلى ما يحدث في الواقع، وفي غالب الأحيان، تُجابه مثل هذه الأفكار بالتضليل أو التحريف أو نشرها بطريقة مشوهة أو إذاعتها في غير الأوساط المناسبة لها، والتي من شأنها أن تتفاعل معها.

وفي كل مجتمع لا بد أن يتواجد مفكرون يعانون من ضيق ذات اليد أو من الشهرة أو الإمكانات المادية، ولكنهم يملكون سلاحا فتاكا من شأنه إحداث تغيير جذري داخل المجتمع، وهذا السلاح هو قوة التفكير وإدارة الفكر وتوجيهه إلى التفكير في أمور يكون له وقع كبير في حالة ما رأت النور. وإذا ما كانت هذه الأفكار خاضعة للمنطق، ويقبلها العقل ، ويسلم بها تسليما كليا، فينبغي أن ترى النور، وأن يستفيد منها المجتمع.

 أقترح هنا، مثلا في مجال الصحافة، سواء كانت ورقية أو إلكترونية أن تخصص الصحف والجرائد عمودا خاصة لهذا الجانب، تعرض فيه، بشكل مبسط، أفكارا حرة، على أن يتم أخذ هذه الأفكار، ومعالجتها من قبل الجهات المختصة. هكذا سنشجع حرية التفكير، وهناك طرق أخرى لتشجيع هذا الحق، وإعطائه صبغة أكثرا تنفيذا وفعالية.

ولست أدعو هنا إلى إطلاق الاستجابة إلى كل الأفكار، إذ ثمة أفكار لو أننا أخذنا بها، لكان مصيرنا الدمار والفناء. ولنعلم أن العقل ملكة ونعمة ربانية، تميز الإنسان عن الحيوان، وترتقي بها إلى أسمى درجات الإنسانية، ولاشك أن هذه الملكة من شأنها أن تنتج الكثير الكثير، إذا ما تم إعمالها وتشغيلها في المدار الصحيح، فالغرب، إنما وصل إلى ما وصل إليه الآن، بفضل فسح مساحات واسعة للتفكير والتعبير عن أراء الإنسان.

أريد من كل شخص ينتمي إلى هذا الوطن أن يفكر بالطريقة التي يريد، ويرى أنها من شأنها أن تساهم في التنمية الشاملة، وأريد أن يعبر عما يختلجه، وأن يحس، ولو للحظة في حياته، وأن يفصح في حرية تامة، هكذا يتحقق ما يمكن أن أسميه بكرامة التفكير والتعبير. 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق