]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

كلاسيكو الاندلس

بواسطة: مصطفى الراشد  |  بتاريخ: 2014-11-11 ، الوقت: 22:22:34
  • تقييم المقالة:

كنت قد هممت بالنوم غير ان مامر بخاطري قد أقض مضجعي، ليس لسبب شخصي فما اظن انه سيمنعني لو كان كذلك غير انه شيء أكبر ، رأيت فيه انه قد فاق الحد وبلغ مبلغ الجد، وأخذ يضلل ويوهم اعز الناس الى قلبي الا وهم بنو قومي.

 لعل الكثيرين سيتعجبون مما أكتبه الان، لكني يعلم الله يابني قومي اني مشفق على الحال الذي وصلنا اليه، فكان لابد من اتخاذ القرار الصائب، لابد من التنبيه، لابد من ان تبين الحقائق للناس ليعرفوا اين كنا واين صار حالنا وماذا فعل بنا من نهتف لهم ونحزن ونأسى لخسارة الاول ونفرح وننقلب مسرورين اذا فاز الآخر.

انه "الكلاسيكو" يابني قومي، هذا ما أقض مضجعي!!! وهذا ماكرهت كما لم أكره شيئاً من قبل، هذه المباراة اللعينة التي يترقبها العالم كل ليلة تحدث فيها، هذه المباراة التي كلما حان وقتها ذكرتني بجرح غائر واخذ ابطالها ينكأوون فيه، نعم يابني قومي أظن الصورة قد بدأت تتضح أمامكم انها المكان الذي تنطلق فيه تلك المباراة انها الاندلس( اسبانيا والبرتغال)، هناك حيث بنى اجدادنا مجد تليد، هناك حيث بنيت الحضارة على اصولها، هناك حيث اقام اجدادنا صرح "المدنية الاسلامية"، صرح العلم والمعرفة والعمارة، حيث منارات المساجد وحلقات العلم والقرآن، والكتب والمؤلفات والمكتبات، وابن زيدون ودواويين الشعراء وابن فرناس وعلم الكيمياء والمجريطي وعلم الفلك ونجومه، واذا سألت عن الطب والجراحة  فاسأل عن الزهراوي اول من استعمل خيط الحرير في خياطة الشريان وأول من استأصل اللوزتين وفتح الجراحات واستأصل السرطان، واول من أجرى عمليات تفتيت الحصى في المثانة، وغيرهم الكثير، كأبن حزم، وابو عبيد البكري، وابن الزرقالي، والشريف الادريسي، وابن رشد، وابن البيطار، هؤلاء العلماء كانوا الامهر في علومهم على ظهر الارض، وان كانت هناك براءات اختراع فهم أحق الناس بها ودونكم التاريخ  فأقراوا سيرهم وستعرفون حجمهم .

انها الاندلس التي حكمها اجدادنا 800 سنة، حيث كانت قرطبة عاصمتها مركزا للعلم والمعرفة، وقبلةً يقصدها من يريد طلب العلم من كل انحاء اوروبا، حيث "المسجد الجامع" والحمام الزاجل ومئات القصور والاف القرى في كل قرية منبر وفقيه، وشوارع معبدة، وسرج مضائة، وجنات وحدائق وانهار جارية  حتى قال الشاعر واصفاً لها

وليس في غيرها بالعيش منتفع

ولاتقوم بحق الانس صهباء

وكيف لايُذهب الابصار رونقها

وكل روض بها في الوشى صنعاء

انهارها فضة والمسك تربتها

والخز روضتها والدر حصباء

وللهواء بها لطف يرق به

من لايرق وتبدو منه اهواء

هناك حيث طليطلة التي كانت تحتضن اهم فلاسفة العالم وكتابها، هناك حيث غرناطة  وقصر الحمراء وقلعته، وجنة العريف وحدائقها التي كانت تطل على كل ارجاء المدينة، تلك الجنة التي كانت مقصد امراء بني الاحمر وذويهم ومحطة جلساتهم ومساجلاتهم وملاعب شبابهم ورياض أطفالهم، وحي البيازين وماادراك ما البيازين حيث الشرارة الاولى لثورة بقايا المسلمون الاندلسيون على ظلم الاسبان بعد سقوط غرناطة حين حولهم الظالمون من مالكين للارض الى عبيدٍ اذلاء،  فيا من زرته او ستزوره يوما تذكر ان شعبا مسلماً ثار على الظلم والجور ولازالت بعض جذوره ضاربة هناك قد روت دمائه في يوم من الايام أرض هذا الحي الذي تسير فيه.

 وقد قارن الطبيب الأمريكي ‏المؤرخ فيكتور روبنسون بين الحالة الصحية ‏وغيرها في الأندلس وفي أوروبا خلال فترة الفتح ‏الإسلامي للأندلس فقال:‏"‏ كانت أوروبا في ظلام ‏حالك، في حين كانت قرطبة تضيئها المصابيح، ‏وكانت أوروبا غارقة في الوحل، في حين كانت ‏قرطبة مرصوفة الشوارع".

وبعد كل الحضارة التي بنيت، والعلوم التي اوصلها اجدادنا الى هناك، اشرف همج الامس قادة التحضر "والمدنية الغربية" في يومنا هذا على ابادة الحرث والنسل وتدمير كل تلك الحضارة  عبر محاكم صليبية اسموها "محاكم التفتيش"، وحملات قطع رؤوس اسموها "حملات صيد الرؤوس"، فارتكبت ابشع المجازر بحق المسلمين وقاموا بابادة جماعية ضد الاندلسيين وجعلوا مبلغاً من المال مقابل رأس كل اندلسي يأتون به.

عذراً بني قومي ان أفسدت عليكم متعة اللقاء فهذا هو التاريخ!! رضينا أم ابينا وهذا مابناه اجدادنا في تلك الارض، فكان جزاءهم أن قُتّلوا، وهُجّروا، وغُدر بهم، وسرقوا أبناءهم، واموالهم وصادروا أراضيهم، وبُقِرت بطونهم..

اني اعلم ان البعض قد يتهجم عليَّ حين يقرأ ماكتبت، فقد يرى ان في ما أكتب تحريضاً على الكراهية، غير اني يعلم الله، ماكتبت ذلك الا لأني رأيت ان ابناء أمتي وخاصة شبابها قد نسوا أمجادهم وحضارتهم، وان ولعهم وحماسهم بمباراة ليس لهم فيها ناقة ولاجمل قد فاق حده، فأخذوا يتركون كل واجباتهم تجاه انفسهم أولاً واهليهم وأمتهم ثانياً، فيجروا متخبطين خلف اوهام واحلام وكرة تتدحرج لن تنفعهم بشي الا اضاعة لوقتهم، بل الادهى وأمر من ذلك!! اني أصبحت ارى الاختلاف والشقاق بدأ يدب فيما بينهم من أجل أشخاص لايأبهون لهم ولايعنون لهم شيئا من قريب اوبعيد، فأحببت ان اعيدهم الى رشدهم، وابين لهم مجد اجدادهم، واروي لهم قصة حقيقيةً لالبس فيها، ان ياشبابنا اعلموا ان أجدادنا حكموا تلك الاراضي لثمان قرون، فملكوا قلوب العالم بنور الايمان والعلم والمعرفة لابمتابعة هذا الفريق وذلك اللاعب، وانهم حين دب فيهم التنازع والخلاف، وابتعدوا عن دينهم واتخذوا سبيلاً غير سبيل الايمان والعلم، قد حدث لهم ماحدث والتاريخ خير دليل على ذلك.

   فهل بعد هذا نحفل بمباراة "كلاسيكو" تقام لتنكأ جراحنا؟ وهل من خاسر فيها غيرنا؟ وهل اهدافها جميعاً الا في مرمانا !!!.  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق