]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المقاولات العائلية

بواسطة: اشرواو حسن  |  بتاريخ: 2014-11-06 ، الوقت: 21:37:26
  • تقييم المقالة:

لقد شكلت ولازالت تشكل المقاولات العائلية نسبة كبيرة من عدد المقاولات في العالم عامة، وفي الوطن العربي خاصة، وتؤكد أغلب الإحصائيات العالمية أن نسبة هذه المقاولات تشكل في كل بلد مابين 70 إلى 90 بالمائة من العدد الإجمالي للمقاولات، وهذا ما يدفعنا للبحث في هذا النمط من المقاولات. وفي العالم العربي تمتاز هذه المقاولات بنمط خاص من الوجود أو بنمط خاص يميزها عن المقاولات العائلية الغربية، ويتجل هذا النمط المميز لها في طريقة إدارة وتسير هذه المقاولات، وكذا في من يسيرها، وفيما تخلفه من إرث اجتماعي وثقافي يميزها عن المقاولات الأخرى الغير العائلية. وسنحاول في هذا المقال التعرف على المقاولات العائلية، ثم سنحاول الكشف عن مميزات المقاولات الأسرية في العالم العربي. ولن نقف عند هذا الحد، بل سنحاول رصد التحديات التي تطال هذا النوع من المقاولات خصوصا بالعالم العربي.
• مفهوم المقاولات العائلية
يتكون مفهوم المقاولة العائلية من مصطلحين، الأول هو المقاولة، والثاني العائلة، ويقصد بالأول وحدة الإنتاج تعتمد على العمل ورأسمال تقني و مالي لإنتاج منافع وخدمات لتلبية حاجة المستهلك، وتهدف المقاولة إلى تحقيق أكبر قدر من الربح؛ وهي كذلك جهاز منظم يعتمد على رؤساء ومرؤوسين، وكل شخص في المقاولة يختص بمهام معينة. وتختلف أنواع المقاولات حسب حجمها، فهناك ما يصطلح عليه بالمقاولة الصغرى وذلك نظرا لعدد العاملين بها(قليل)، وقيمة رأسمالها ومبيعاتها وحجم إنتاجها؛ والمقاولة المتوسط، و الكبيرة. وتصنف كذلك حسب نشاطاتها، فهناك مقاولة فلاحية، وتختص في كل ما يتعلق بالفلاحة وتربية الماشية و الصيد و الغابات...، ومقاولات صناعية، وتهتم بالصناعة والتركيب والتحويل والكيمياء...، وهناك نمط ثالث من المقاولات ويضم المقاولات التي تقوم بأنشطة تجارية أو خداماتية...، وأخيرا تصنف كذلك المقاولات حسب ملكيتها، فإذا كان الرأسمال في ملكية الدولة بصفة كاملة فالمقاولة تسمى عمومية، وإذا كان رأسمالها مشتركا بين الدولة و الخواص يطلق عليها بمقاولة شبه عمومية أو شبه خاصة، وأخيرا هناك مقاولة رأسمالها في ملكية الخواص تسمى بمقاولة خاصة. وإذا رجعنا إلى المفهوم المركزي في هذا المقال، وهو مفهوم المقاولات العائلية، فإننا نجدها تصنف ضمن المقاولات الخاصة أو ضمن المقاولات الشبه خاصة (إذا كانت تشترك مع الدولة في رأسمالها)، ويختلف حجم المقاولات العائلية كما يختلف حجم المقاولات العادية، أما ما يميزها عن هذه الأخيرة، هو أن المقاولة العائلية هي كل مؤسسة اقتصادية مملوكة من طرف عائلة أو أكثر، ويشارك في تسيرها أفراد العائلة أو العائلات المالكة بشكل فعلي في تسيرها و إدارتها، وتمتاز بأساليب للعمل والإحساس والتفكير متبلورة وإلى حاد ما ثابتة، ملزمة ومميزة للعائلة، ويعني هذا الأمر أن طرق وأساليب التسيير والتدبير تتأثر بثقافة (بمفهومها العام)وقيم ونظام العائلة. ولن يتم استيعاب هذا المفهوم (المقاولات العائلية) إلا بإعطاء تعريف دقيق للعائلة، وهنا نستعرض تعريف بورديو Bourdieu ، حيث يعرفها على أنها، مجموعة أفراد أقرباء يرتبطون إما بالمصاهرة أو الزواج أو بالنسب أو استثناءا بالتبني ويعيشون تحث سقف واحد (التواجد معا) 1، وما يميز العائلة باعتبارها نوع من التجمع البشري، هو أن أفرادها يشتركون في كثير من الأمور العينية والرمزية، وهذا ما يجعلنا نخلص إلى أن المقاولة العائلية، هي مؤسسة اقتصادية قائمة على أساليب وطرق التدبير المميزة لقيم وثقافة (بمفهومها العام) العائلة والعائلات المالكة لها، من خلال مشارك فرد أو أفراد عدة من هذه العائلة أو العائلات في تدبيرها وتسيرها بطرق مباشرة أو غير مباشرة، إذا من خلال هذا التعريف نتساءل عن ما يميز طرق تسيير وتدبير المقاولات العائلية العربية؟
• المقاولات العائلية العربية
تشكل المقاولات العائلية في العالم العربي عصب الحياة الاقتصادية، ففي السعودية مثلا، تشكل نسبة هذه المقاولات ما يعادل 97 بالمائة من إجمالي المقاولات العامة بهذا البلد 2. ويرى العديد من المراقبين في المنطقة العربية أن هذه المقاولات رغم أنها تمثل نسبة كبيرة من عدد المقاولات في هذه المنطقة، إلا أنها تعاني من مشاكل في التسيير لافتقارها للكفاءة والخبرة، خصوصا وأن تسييرها و تدبيرها وإدارتها يحتكر من طرف العائلة المالكة لها، وهذا ما يجعلها تعاني من عدة صعوبات ومشاكل في التسيير والتدبير، حيث لا تقوم على مبدأ الكفاءة في اختيار من يسيرها، إنما على أساس النسب والقرابة. وقد أثرت كذلك الأوضاع والتحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية العامة في البلدان العربية على هذه المقاولات، مما يفرض عليها البحث في طرق و أدوات جديدة لمواكبة هذه التحولات، وإعادة النظر في بنيتها المتصفة بالاحتكار ألتسييري للمقاولة، وهيمنة نظام القرابة في اختيار العاملين أو المسيرين لهذه المقاولات؛ أما طريقة التنظيم داخل هذه المقاولات فإما أن يكون نظام ديكتاتورية فردية أو ديكتاتورية عائلية، كما تأثرت بشكل كبير بالنمط العائلي السائد في المجتمعات العربية، و هو نمط الهيمنة الذكرية، وهذا ما يجعل للأب في أغلب المقاولات العائلية فرصة للقيادة و احتلال مكانة مرموقة داخل المقاولة، وهذا ما يجعل في الوقت ذاته للمرأة مكانة دونية داخل المقاولة العائلية، تأثرتا بمكانتها في العائلة، حيث أن المقاولة ترتبط ارتباطا وثيقا بالعائلات المالكة لها، فالعائلة والمقاولة في عملية تفاعل دائم و مستمر.
إن الرأسمال المادي الذي تملكه العائلة خلق لها رأسمالا رمزيا، يمكنها من احتلال مكانة اجتماعية مرموقة، والنظر إلى العائلة بأكملها بنظرة مغايرة للنظرة العادية، فهي المهيمنة و المالك للسلطة بشتى أنواعها، فمثلا في المغرب تمتلك بعض العائلات رأسمالا رمزيا نابع من امتلاكها لمقاولات، جعلها تحتل مواقع اجتماعية راقية، بل أكثر من ذلك انتشرت سمعت هذه العائلات في مجال واسع فبدأت تكتسح حتى المجال السياسي لتأثر بدورها في اتخاذ القرار.
لكن رغم المكانة الرمزية و المادية لهذه العائلات و لهذه المقاولات، أصبح تواجه تحديات، أبرزها ما يخلفه كل من التغير العائلي(تغير الثقافات العائلية، تغير القيم العائلية، صراع الأجيال...)، و تحديات أخرى مرتبطة بالمجال الاقتصادي و التنظيمي، فبعد التغيرات الاقتصادية العديدة، أصبحت اليوم هذه المقاولات تواجه صعوبات عدة، مما يدفعنا للتساؤل عن مستقبل هذه المقاولات.
وختاما، إن أبرز خلاصة يمكن الخروج بها في هذا المقال هو أن رغم كل تلك المكانة التي تشغلها هذه المقاولات العائلية في الاقتصاد العالمي و العربي، إلا أنها أصبحت تتعرض لمجموعة من المخاطر، وما زاد من حدتها كون أغلب هذه المقاولات العائلية، ذات نمط مقاولات صغيرة ومتوسطة، مما يفرض عليها في بعض الأحيان الانصهار في إطار مقاولات كبر ستشكل لها الحماية، أمام تيار العولمة الاقتصادي الجارف، هذا وتشكل العائلة كذلك منبع عدة مشاكل وتحديات، أبرزها نابع من اتجاه العائلة المعاصرة نحو الفردانية العائلية، حيث بدأت تتجه نحو السعي إلى الاستقلال الذاتي للأفراد المكونين لها و هذا ما يؤكده فرونسو دي سنكل François de Singly، في كتابه سوسيولوجية الأسرة المعاصرة، هذا وتواجه كذلك تحديات نابعة من كون هذه المقاولات تشكل إرث للعائلة، مما يعني أنها ستكون خاضعة للتقسيم، وهذا ما يدفعنا مرة أخرى للتساؤل عن العمر الافتراضي لهذه المقاولات وعن مستقبلها.

1) بير بورديو، أسباب عملية لإعادة النظر في الفلسفة، ترجمة أنوار مغيث، لبنان، دار الأمانة الحديثة، الطبعة الأولى، 1998، ص 157
2) موقع http://www.dw.de الشركات العائلية، عصب الاقتصاد في العالم العربي، 12.06.2010


http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=439854

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق