]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الصرف والتصريف

بواسطة: مروان مودنان  |  بتاريخ: 2014-11-06 ، الوقت: 11:53:54
  • تقييم المقالة:

مدخل: تحديد الصرف أو التصريف :

لقد شاع في الاستعمال عند اللغويين قديما وحديثا مصطلحان يطلقان على العلم الذي يدرس بنية الكلمة، وهما الصرف والتصريف، هذان المصطلحان الذي اختلف النحاة في تحديدهما، هناك من دمج بينهما وهناك من فصل كل منهما عن الآخر.

وقد جاء في لسان العرب لابن منظور في مادة صرف : الصرف رد الشيء عن وجهه، صرفه يصرفه صرفا فانصرف، وصارف نفسه عن الشيء : صرفها عنه، ومنه تصريف الرياح صرفها من جهة إلى جهة، وكذلك تصريف السيول والخيول والأمور والآيات، وتصريف الرياح : جعلها جنوبا وشمالا وصبا ودبورا.

والصرف في اللغة التغيير والتقليب من حال إلى حال، وهو مصدر (صرف) من صرف الزمان، وصروفه وتصاريفه أي تقلباته، ويقال : تصرفت بصاحبي الأحوال أي تغيرت حياته من غنى إلى فقر، ومن عمل إلى بطالة، ومن سعادة إلى شقاء أو العكس.

إن ما يميز القدماء أنهم أدمجوا الصرف في مباحث النحو دون استقلال أحدهما عن الآخر، وما يوضح هذا قول سيبويه "التصريف جزء من أجزاء النحو بلا خلاف من أهل الصناعة، والتصريف عنده هو أن تبنى من الكلمة بناء لم تبنه العرب على وزن ما بنته ثم تعمل في البناء الذي بنيته ما يقتضيه قياس كلامهم.".

ويحدد ابن عصفور أن التصريف أشرف شطري العربية وأتمهما، وما جعله يحظى بهذا الشرف كونه يحتاج إليه جميع أهل العربية أتم حاجة، وبهم إليه أشد فاقة لأنه ميزان العربية، وبه تعرف أصول كلام العرب من الزوائد الداخلة عليها، ولا يوصل إلى معرفة الاشتقاق إلا به، وقد يؤخذ جزء من اللغة كبير بالقياس، ولا يوصل إلى ذلك إلا من طريق التصريف، نحو قولهم :" كل اسم كانت في أوله ميم زائدة مما ينقل ويعمل به فهو مكسور الأول، نحو مطرقة ومروحة، إلا ما استثني من ذلك".

فهذا لا يعرفه إلا من يعلم أن الميم زائدة، ولا يعلم ذلك إلا من طريق التصريف، فهذا ونحوه مما يستدرك من اللغة بالقياس، ومنها ما لا يؤخذ إلا بالسماع، ولا يلتفت فيه إلى القياس وهو الباب الأكثر، نحو قولهم : رجل و حجر، فهذا مما لا يقدم عليه بقياس، بل يرجع فيه إلى السماع، فلهذه المعاني ونحوها ما كانت الحاجة بأهل علم العربية إلى التصريف ماسة، وقليلا ما يعرفه أكثر أهل اللغة، لاشتغالهم بالسماع عن القياس".

ويعرف ابن جني التصريف بقوله "التصريف إنما هو أن تجيء إلى الكلمة الواحدة فتصرفها على وجوه شتى، مثال ذلك أن تأتي إلى "ضرب" فتبني منه مثل "جعفر" فتقول "ضربب"، ومثل "علم": ضرب، أفلا ترى إلى تصريفك الكلمة على وجوه كثيرة، وكذلك الاشتقاق أيضا، حيث تجيء إلى الضرب الذي هو المصدر، فتشتق منه الماضي فتقول "ضرب" ثم تشتق منه المضارع فتقول "يضرب"، والتصريف إنما هو لمعرفة أنفس الكلم الثابتة. والنحو إنما لمعرفة أحواله المتنقلة. ويرى ابن جني أنه يجب أن يتقدم التصريف عن النحو، ويظهر هذا من خلال قوله :" من الواجب على من أراد  معرفة النحو أن يبدأ بمعرفة التصريف لأن معرفة ذات الشيء الثابتة ينبغي أن يكون أصلا لمعرفة حاله المتنقلة".

يظهر من خلال التعاريف المقدمة أن اللغويين القدماء لم يجعلوا الصرف مستقلا عن النحو، وقد اعتبر التصريف جزء من النحو، إلا أن هناك من جعل الصرف علما مستقلا عن النحو، ونمثل لهذا النوع بابن الحاجب حيث يقول في كتابه الشافية :" التصريف علم بأصول تعرف بها أحوال أبنية الكلم التي ليست بإعراب".

لقد ناقس الأستربادي هذا التعريف الموجز للتصريف الذي قدمه ابن الحاجب مناقشة عميقة، وهو يقول فيما يتعلق بتعريف ابن الحاجب:" أقول: قوله (بأصول) يعني بها القوانين الكلية المنطبقة على الجزئيات، كقولهم مثلا (كل واو أو ياء إذا تحركت وانفتح ما قبلها قلبت ألفا".

لأن العلم بالقانون الذي تعرف به أبنية الماضي من الثلاثي والرباعي والمزيد فيه، وأبنية المضارع منها وأبنية الفاعل والمفعول تصريف بلا خلاف، مع أنه علم بأصول تعرف به أبنية الكلم، لا أحوال أبنيتها، والحق أن هذه الأصول هي التصريف، لا العلم بها، ويعترض الأستربادي على ابن الحاجب قوله "التصريف علم بأصول" ولم يقل التصريف أصول.

بالنسبة للأستربادي قوله "أحوال أبنية الكلم" يخرج من الحد معظم أبواب التصريف، أني الأصول التي تعرف بها أبنية الماضي والمضارع والأمر والصفة وأفعل التفضيل والآلة والموضع والمصغر والمصدر، وإنما يدخل في أحاول الأبنية الابتداء والإمالة وتخفيف الهمزة والإعلال والإبدال والحذف وبعض الإدغام".

وقول ابن الحاجب "التي ليست بإعراب"، يرى الأستربادي أنه لم يكن محتاجا إليه، لأن بناء الكلمة لا يعتبر فيه حالات آخر الكلمة، والإعراب طارئ على آخر حروف الكلمة. ويحدد ابن عصفور التصريف بأنه قسمان: أحدهما جعل الكلمة على صيغ مختلفة لضروب من المعاني، والآخر تغيير الكلمة عن أصلها من غير أن يكون ذلك التغيير دالا على معنى طارئ على الكلمة (النفص، القلب، الإبدال، النقل).

1.  مجال الصرف :

" لقد اعتبر علماء الصرف أن المجال الذي يتعلقه علم الصرف هو الأفعال المتصرفة والأسماء المتمكنة، أي المعربة، وأما الحروف وشبهها من الأسماء المبنية، والأفعال الجامدة نحو عسى وليس، فلا اختصاص أو تعلق لعلم الصرف بها، بمعنى أنها لا تشتق ولا تمثل من الفعل".

بالنسبة للأفعال المتصرفة، يكون بالاشتقاق كما جاء في المنصف " تقول (ضرب) في الماضي فتشتق منه المضارع فتقول (يضرب) ثم تقول في اسم الفاعل (ضارب) ". أما الأسماء المتمكنة هي التي يتغير آخرها بتغيير العوامل الدالة عليها سواء كان هذا التغيير كما في الأسماء المتصرفة مثل محمد و علي، وتصريف الأسماء يكون بتثنيتها و جمعها.

ويوضح ابن جني في كتابه "المنصف" السبب في عدم اختصاص علم الصرف بالحروف، فيقول :" أنه إنما قصد أن يمثل الأسماء والأفعال، ليرى أصلها من زائدها، لأنها مما يصرف ويشتق بعضها من بعض، والحروف لا يصح فيها التصريف والاشتقاق، لأنها مجهولة الأصول، وإنما هي كالأصوات نحو صه و مه ونحوها، فالحروف لا تمثل بالفعل، لأنها لا يعرف لها اشتقاق، فلو قال لك قائل ما مثال : هل أو قد أو حتى أو هلا ونحو ذلك من الفعل لكانت مسألته محالا، وكنت تقول له : إن هذا ونحوه لا يمثل، لأنه ليس بمشتق، إلا أن تنقلها إلى التسمية بها فحينئذ يجوز وزنها بالفعل، فأما وهي على ما هي عليه من الحرفية فلا تصرف.

والأسماء المبنية الموغلة في شبه الحروف، فهي كذلك لا تصرف ولا تشتق ولا تمثل، لأن تلك الأسماء في حكم الحروف، ألا ترى أن "كم ومن و إذ" سواكن الآخر كـ "هل و بل و قد"، وإنما كان ذلك فيها لمضارعتها الحروف، وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الألف في متى وإذا وأنى وإياك" ونحوها غير منقلبة من ياء ولا واو، كما أن الألف في "حتى وكلا" كذلك.

أما بالنسبة للأفعال الجامدة فهي كذلك لا تصرف ولا تمثل في الميزان الصرفي، لأن الفعل الجامد هو ما أشبه الحرف، من حيث أداؤه معنى مجردا عن الزمن والحدث المعتبرين في الأفعال، فلزم مثله طريقة واحدة في التعبير، فهو لا يقبل التحول من صورة إلى صورة، بل يبزم صورة واحدة لا يزايلها وذلك مثل "ليس وعسى وهب ونعم وبئس".

بعد تحديد مجال الصرف الذي يختص بالأفعال المتصرفة والأسماء المتمكنة، سوف أتناول في هذا البحث الفعل المتصرف باعتباره ميدانا أو موضوعا للصرف، وفي إطار الحديث عن الصرف ومجالاته لابد من تحديد الميزان الصرفي قبل الحديث عن الفعل.

2.  الميزان الصرفي :

لقد رغب علماء الصرف في إيجاد مقياس، تعرف به أحوال بنية الكلمة وما يطرأ عليها من تغيير في تصاريفها المختلفة، وما فيها من أحرف أصلية أو زائدة، متحركة أو ساكنة، وما قد يعتري بعض أحرفها من قلب أو حذف أو تقديم أو تأخير، وسموا هذا المقياس "الميزان"، والكتب القديمة تسميه أحيانا "المثال".

لما كان أكثر كلمات اللغة العربية ثلاثيا، اعتبر علماء الصرف أن أصول الكلمات العربية ثلاثة أحرف، وقابلوها بأحرف ثلاثة سموها الميزان، وهي (ف،ع،ل=فعل)، وسموا الحرف الأول فاء الكلمة، والحرف الثاني عين الكلمة، والحرف الثالث لام الكلمة. "فإذا أردت أن تزن كلمة لتعلم الأصل منها والزائد فقابل أصولها بأحرف (فعل)، مساويا بين الميزان والموزون في الحركة والسكون، فتقول في وزن كلمة وقت مثلا فعل بفتح الفاء وسكون العين، وفي وزن قام وشد فعل بفتح الفاء والعين، وفي كتب فعل بفتح الفاء والعين، وتقول وزن فرح فعل بفتح الفاء وكسر العين، وفي وزن شرف فعل بفتح الفاء وضم العين".

ويحدد عبد اللطيف شوطا في أطروحته أن الميزان الصرفي معيار للنظر في بنية الكلمة، وأداة للوصف والإحصاء والتقعيد والتعليل، وفي التراث نجد تسميات أخرى غير الميزان مثل المثال والبناء والوزن والصيغة".

ويعرف الأستربادي بناء الكلمة بأنه وزنها وصيغتها وهيئتها التي يمكن أن يشاركها فيها غيرها، وهي عدد حروفها المرتبة وحركاتها المعينة وسكونها مع اعتبار الحروف الزائدة والأصلية كل في موضعه".

كما يحدد كذلك بأن الغرض الأهم من اختيار لفظ فعل من بين سائر الألفاظ وزنا للكلمة هو معرفة حروفها الأصول وما زيد فيها من الحروف، وما طرأ عليها من تغييرات لحروفها بالحركة والسكون، فالحروف الأصول تقابل بالحروف الثلاثة وهي الفاء والعين واللام، فإن زادت الأصول على الثلاثة كررت اللام دون الفاء والعين، لأنه لم يكن بد في الوزن من زيادة حرف بعد حرف اللام لأن الفاء والعين واللام تكفي في التعبير بها عن أول الأصول وثانيها وثالثها، كانت الزيادة بتكرير أحد الحروف التي في مقابلة الأصول بعد اللام أولى، ولما كانت اللام أقرب كررت هي دون البعيد.

 


 ابن منظور، لسان العرب، جزء 3، ص2434.

  هادي نهر، 2010، ص9.

  رضي الدين الأستربادي، ج1، 1975، ص6-7.

  الممتع في التصريف، ابن عصفور الإشبيلي، ج1،1996، ص27.

  ابن جني، المنصف، ج1، 1954، ص2-3.

  المرجع نفسه، ص4.

  الأستربادي، ج1، ص1.

  المرجع نفسه، ص1-2.

  المرجع نفسه، ص4-5.

  المرجع نفسه، ص5.

  ابن عصفور الإشبيلي، ج1، ص31-32.

  المدخل إلى علم النحو والصرف، عبد العزيز عتيق، 1974، ص8.

  ابن جني، المنصف، ج1، 1954، ص4.

  المرجع نفسه، ص7-8.

  جامع الدروس العربية، الغلاييني مصطفى، 1985، ج1، ص53.

  اتحاف الطرف في علم الصرف، ياسين الحافظ، 2012، ص11.

  الفاخري صالح سالم، 1996، ص45.

  عبد العزيز عتيق، 1974، ص11.

  شوطا عبد اللطيف، 2000، ص67.

  الأستربادي رضي الدين، ج1، ص2.

  المرجع نفسه، ص12-13.

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق