]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المسرح الثالث بالمغرب (مروان مودنان)

بواسطة: مروان مودنان  |  بتاريخ: 2014-11-06 ، الوقت: 11:18:27
  • تقييم المقالة:

عنوان الدراسة : المسرح الثالث بالمغرب وإشكالية التراث

الكاتب : مروان مودنان

تمهيد :

منذ وقت طويل قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه :" لو كان الكلام يعاد لنفذ." والكلام في المسرح كلام لا ينتهي، منذ ولادته مع الإغريق إلى أن غزا العالم العربي عن طريق مارون النقاش...وصولا إلى المسرح المغربي بأول تجربة احتفالية لعبد الكريم برشيد لتتلوها تجربة المسرح الثالث للكاتب والشاعر والمؤلف المسرحي المسكيني الصغير وسعد الله عبد المجيد.

ظهرت تجربة المسرح الثالث بمهرجان تطوان سنة 1980م، من أجل توجيه مسرح الهواة بالمغرب نحو آفاق رحبة من التجريب والتحديث والتأسيس والتأصيل. وتسعة هذه التجربة إلى التركيز على الرؤية الجدلية في التعامل مع الزمان والمكان و التاريخ، وعلى تقنيات المسرح الفقير فيما يخص الممثل والمتلقي، واستخدام اللغات الدرامية البصرية والمسموعة.

وحاولت هذه التجربة خاصة على الساحة العربية المغربية أن تنظر للظاهرة المسرحية سواء على مستوى الكتابة النصية التي أخذت كبيرا من طرف  المنظرين المسرحيين العرب، أو على مستوى الكتابة الركحية التي بدأت تتبلور في الآونة الأخيرة. وكانت تهدف هذه التجربة بالأساس إلى إثبات الذات من جهة والبحث عن صيغة مسرحية عربية جديدة من جهة أخرى.

وقد حاولت من خلال هذا البحث الإجابة عن بعض الإشكالات التي تخص تجربة المسرح الثالث على الشكل التالي:

·   مفهوم المسرح الثالث

 

·   دلالات المفهوم

 

·   المنطلقات النظرية للمسرح الثالث

 

·   الآليات التي يعتمد عليها المسرح الثالث للتعامل مع التراث

 

I.المسرح الثالث بالمغرب

 

1)المبحث الأول : مفهوم المسرح الثالث

 

أثارت تسمية هذه التجربة المسرحية بالمسرح الثالث مشكلة كبيرة تولدت عنها ردود أفعال متباينة ومختلفة، إثر توزيع ورقة المسرح الثالث بمهرجان تطوان الوطني لمسرح الهواة سنة 1980م، وقد عقب ذلك طرح مجموعة من التساؤلات يمكن ذكر بعضها كالتالي :

·   هل سميت هذه التجربة بهذا الاسم نظرا لكونها جاءت بديلا لمسرح أول وآخر ثاني، وإذا كان الأمر كذلك فماهي مواصفات وخصوصيات كل من المسرح الأول والثاني؟

 

·   هل سميت هذه التجربة بهذا الاسم نظرا لانتمائها للعالم الثالث ولارتباطها بهمومه وقضاياه؟

 

·   أم أن هذه التسمية انطلقت من الثالوث النظري الجدلي لهذه التجربة "الزمان/المكان/التاريخ"، و "الفكرة الأولى/الفكرة الضد/والفكرة الثالثة"؟

 

·   وهل سميت بهذا الاسم بناء على دعوة المسرحي الإيطالي أوجينيو باربا" الذي تهدف نظريته إلى انتشار وشمولية مسرحه في كل أقطار العالم؟

 

يلاحظ من خلال الإجابة عن هذه التساؤلات أن المسرح الثالث بالمغرب ليست له أية علاقة مع المسرح الثالث لدى المسرحي الإيطالي "أوجينيو باربا" الذي يعتبر أول من أطلق تسمية المسرح الثالث على مسرحه، والذي استعملته فيما بعد فرق مسرحية متعددة استجابة لمضمون المسرح الثالث عند "باربا" سواء في أوربا أو أمريكا. هذا الأخير الذي يعتمد مسرحه على العمل الجماعي المختبري داخل فضاء القرية لا المدينة، حيث يجتمع الممثلون والمخرجون على شكل تكتل في عمل منسجم، والقرية تشكل عائلة موحدة يجمعها الطابع الإنساني بالرغم من بعض الإختلافات اللهجية واللغوية.

وكما سبقت الإشارة، فالمسرح الثالث المغربية العربية ليست له أية علاقة بالمسرح الثالث لـ "باربا"، إلا أنهما يلتقيان في بعض المواقف والتصورات، لكنهما يختلفان اختلافا جذريا بخصوص مجموعة من القضايا الجوهرية، الشيء الذي يؤكد أن لكل منهما منطلقاته وأسسه النظرية والمعرفية التي تحدد خصوصية كل واحد منهما وطبيعته التي تتلاءم والواقع الذي أفرزه. ومن القواسم المشتركة التي تجمع ممارسي هذه التجربة أنهما منتميان لمسرح الهواة من جهة، واعتبار  التجربتين من التجارب الجديدة في المسرح من جهة ثانية. كما اعتمدت التجربتين على تقنيات الممثل وعطاءاته من أجل الرقي بالعمل المسرحي، إضافة إلى جعل المسرح بمثابة ورشة أو مختبر إن صح التعبير.

وبناء على ما سبق ذكره، فمسألة التسمية مسألة غامضة وملتبسة بسبب تعدد دلالاتها، إلا أنها قد تدل على العناصر الثلاثة التي ينبني عليها المسرح الثالث : الزمان- المكان – التاريخ، وقد يدل كذلك على المنهجية الجدلية التي تتكون من ثلاثة عناصر : الأطروحة ونقيض الأطروحة والتركيب، "إذ لا يمكن أن يتقبل المسرح الثالث تصورا بعيدا عن الفكرتين اللصيقتين بالوجود الإنساني والمرتبطتين في الآن ذاته، ضمن علاقة تحكمها معايير تصور جدلي، تؤدي ديناميته إلى "الجديد المتميز" دائما في نطاق التعالق الدياليكتيكي بين الفكرة التلقائية (كقديم) والفكرة الضد (الجديد الداعي إلى الانقال والانتقاد) والفكرة الثالثة المستقرئة والمتجاوزة للفكرتين السابقتين، بمعنى أن التغيير في هذا السياق هو التأصيل والتطوير في نفس الوقت، أي تجذير المشرق في الأصيل، وتجاوز القديم المتخلف، وبناء الجديد المطور نحو الأسمى."

من هنا جاء المسرح الثالث كمفهوم، أي استبطانا واستنباطا لقانون التغيير الجدلي وقانون نفي النفي وحركيته المطورة الصاعدة في الزمان و المكان و التاريخ.

2)المبحث الثاني : المنطلقات النظرية للمسرح الثالث :

 

لقد سبقت الإشارة سابقا أن المسرح الثالث قد انطلق من جهاز مفاهيمي، في إطار نظري فلسفي يقوم أساسا على تصور ثالوثي جدلي، كان منطلقا لبعض النقاد والدارسين إلى اعتبار إشكالية تسمية هذا التيار المسرحي ترجع إليه. وقد اعتمدنا بدورنا على هذا الاعتبار في دراسات ومقالات سابقة، وسنحاول فيما يلي تحديد المرتكزات الأولى التي ينبني عليها المسرح الثالث، والتي يمكن حصرها كالتالي :

المكان :المغربي العربي الإفريقي العالمي، لأن منطق المكان يفرض حدا أدنى للتفاهم والتعاون والتفاعل على صعيد الوجود الإنساني، كنا أن المكان هو امتداد جغرافي بالنسبة لكل قطر بجميع قيمه الروحية وإمكانياته المادية والبشرية، وهذا يعد شرطا في حماية الذات والمواجهة : مواجهة العدو أيا كان، استعماريا، طبقيا، اقتصاديا، سياسيا، اجتماعيا، إيديولوجيا، فكريا، ثقافيا.

الزمان :يرى هذا المسرح أن التواجد في الزمان يأتي عن طريق التلمس، الذي يعني الانتقال من الملموس إلى المحسوس، لهذا فإن الشكل والمضمون (الحضريين) يجب أن يكونا حافزا دائما في إحساس الجمهور انطلاقا من تحليل إشكالية التفاوت المادي، الذي ينعكس على موقف المكان، وهذا يعكس بالضرورة تفاوتا في الرؤيا وتفاوتا في الموق الذي يحدد الحضور في الماضي والحاضر والمستقبل، ولا يمكن أن يكون عامل الزمان مجرد إحساس بعيد عن عملية التفاعل المكاني الحضاري. وبالتالي فإن الزمان في المسرح الثالث هو مقياس ومعيار لمعرفة المسرح المغربي العربي من وجود الآخرين حين ينفعل، ويتفاعل، وينفي الانفعال و التفاعل، كما وجد نفسه أمام الضد الذي ينفي عنه حركته في الزمان والمكان.

واستنادا لما سبق، فالمكان هو ذلك الفضاء المنفتح والمتحرر من كل قيد جغرافي، ينطلق من المحلية ليصل إلى ما هو عربي إفريقي إنساني. إن مفهوم المكان في المسرح الثالث هو محطة تفرض نوعا من التفاعل والتفاهم والتواصل بين كل المجتمعات البشرية بشكل متكافئ، إنه امتداد متواصل للذات العربية التي تؤهلها إمكانياتها المادية والموضوعية فنيا ومعرفيا، قوة وفعلا لمواجهة الآخر. لذلك فهو فضاء واقعي محسوس وملموس، لكن غير محدود، إنه حدث يتسع ليشمل وليستوعب الحدث الدرامي، وفضاء متخيلا ينشأ ويولد نتيجة تفاعل وجدل المتلقي/الجمهور، وطبيعة العرض المسرحي.

إن المكان يرتبط جدليا بالزمان والتاريخ، إنه يشكل لحظة التفاعل والتجادل والصراع الصدامي في الحدث الدرامي بين أمكنة متعددة: أمكنة الجانب التخييلي والكمان الواقعي الذي تدور فيه الأحداث الخاصة بالعرض، هذا التفاعل والتجادل يصهر الأمكنة كلها لإبراز الجانب التثويري في عملية استفراد التاريخ واستحضاره، وليس معنى هذا أن المكان يصبح لغاية هي التاريخ، لأنه في هذه الحالة سيحدث تناقض في جدلية المرتكزات الثلاثة.

وبناء على هذا التصور، فإن واقع المكان بالمفهوم الثالوثي وبكل متناقضاته الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، يجب أن يتجادل مع فكرة النص الكلية ومع الحدث الدرامي الذي يحدد هذا النص.

أما الزمان فيعتبر زمنا معياريا للحدث المشخص في المكان، إنه ينطلق من نقطة ليتوجه إلى ما لا نهاية، بمعنى أن ما نعيشه في واقع المكان يتماس مع الزمن بشكل جدلي، إنه هو الآخر متحرر ومتجدد مع المكان.

إن الزمان يدخل بشكل لطيف في بوتقة المكان وبوتقة العرض والمتلقي، ولهذا الانخراط وظيفة تواصلية تستمد قيمتها من قوتين أساسيتين :

 

·   قوة المتخيل للكاتب المسرحي الثالث في عملية استحضار الشخصية التراثية.

 

·   قوة المتفرج الاستيعابية المشحونة في تواصلها، في صدامية مع مكونات العرض المسرحي، وخلق فضاءات مفتوحة، ومعنى هذا أن سلطتين تتجادلان زمنيا للشهادة على إثبات الحدث الدرامي وتفجيره دلاليا، ليأخذ انزياحاته في مسار الرؤية التجريبية التواصلية، أي أن هناك زمان لمكان وهو المعيار الأكثر ضبطا للتواجد في الواقع وفي الطبيعة.

 

التاريخ :ذاكرة الحدث الدرامي أو "الذاكرة الإبداعية"، يرى المسرح الثالث أن التاريخ حركة حية يمكن استعارتها وتشخيصها مرة أخرى، بناء على الموقف من الذات ومن الآخر، فالاستقراء التاريخي في المسرح الثالث ينبني من قناعات إيديولوجية مرحلية، فليست البطولة من صنع شخص واحد، لأن الناس ليسوا على دين حكامهم، بل الحكام هم الذين على دين الناس.

التاريخ في المسرح الثالث هو الحاضر، ولكن على أساس التحدي القائم في إطار قناعات جماهيرية، فلا يمكن أن تستقرئ التاريخ من أجل التاريخ، لأن المسرح الثالث ينفي عملية النسخ والنقل التلقائي، ولأنه أيضا ينفي أن يكون المسرح مجرد مسرح للطرف والملح والغرائب واستعراض الأمجاد.

يستفاد مما سبق أن التاريخ يعني تلك الذاكرة الحية المتحررة، التي تبحث عن تلاحق لتحيا مواقفها، إنه موروث شعبي متحرك انتقل من الجمود إلى الحركة، فهو حركة حية يمكن استعارتها وتشخيصها مرة أخرى.

إن مفهوم التاريخ حسب المسرح الثالث ليس هو الرجوع إليه من أجل استنهاض البطولات الحضارية أو التأريخ لها والتعريف بها، ولكن التعامل مع التاريخ غايته مد خدمة للحاضر واستشراف المستقبل، فالتاريخ خاض فينا ويمتد عبر الزمن، وفي هذا الإطار نجد ينفي النسخ و النقل والتصوير التخييلي.

إن المسرح الثالث لا يتعامل مع التاريخ كمادة خام تنتمي إلى فترة زمنية ما، وإنما يتعامل معه كحركة مستمرة، وكفعل منتج متعدد الوظائف انطلاقا من حمولته الثقافية والمعرفية، إن هذا التصور يساهم في تطوير التاريخ ويعطيه بعدا معرفيا وجماليا، وبالتالي فموقف الثالثة من التاريخ موقف جدلي، لأنه يعتبر أصالة التراث والتاريخ كاملة في استمراريته وديمومته وشحنته في صيرورة الوجود، فالأصالة ليست الرجوع إلى المنابع الأولى والتشبث بنموذج الماضي، ذلك لأن هذا الموقف السلفي يجمد حركية الوجود ويعتمد على رؤية مرجعية قوامها استنساخ الحاضر داخل شرنقة الماضي، دون النظر إلى الامتداد الزمني المحدود في جدلية منصهرة ومتفاعلة بين الأصالة والمعاصرة. أمام كل هذه التساؤلات يجيب رائد المسرح الثالث بقوله :" إن ميزة التراث كونه جماهيريا يرفض الفردانية." إذا فالتراث نتاج اجتماعي وطبقي يمثله أفراد وجماعات في سلوكاتهم وحياتهم اليومية بشكل جماعي، ولكن يكون هذا التراث متحركا وفاعلا يجب ألا ننسخه أو نستعرضه، لأن ذلك يؤدي إلى إعادة عملية الإنتاج الخطابي على مستوى المضمون، واجترار الفرجة الاستهلالية على مستوى التعيينات الفنية، فليس بالضرورة أن يتماشى التراث مع الحدث الدرامي على اعتبار أن التراث في المسرحية الثالثية يؤدي وظيفة حركية، يقول مصطفى الرمضاني:" إنه حدث أو حالة أو شخصية يأخذ بعده الوظيفي داخل السياق الذي يوضع فيه، لأنه ليس شيئا ثابتا، ولكنه حركة تتلون بتلون المواقف، وباختلاف قراءات، مادامت كل قراءة معطى دانيا أي إيديولوجيا، وعليه فإن مسألة توظيف التراث تبقى مرتبطة بالغايات التي يرسمها المؤلف لإبداعه."

وخلاصة القول، فتجربة المسرح الثالث حاولت أن تقدم تطورا وتقدما ما بناء على كل هذه الاعتبارات، فكانت تجربة من التجارب المسرحية العربية التي حددت لنفسها مسارا يتسم بالتجديد والانفتاح، الذي يعمد إلى تكسير كل ما هو مألوف، وذلك من خلال رؤية جدلية عميقة، من هنا جاء الحديث عن ثالوث آخر هو "الفكرة الأولى، والفكرة الضد، والفكرة الثالثة".

الفكرة الأولى :وهي المنطق الأول المبني على تحديد الموضوع أو القضية داخل ذاكرة الحدث الدرامي، وهي نطاق واسع للاختبار قصد التفاعل مع المتن وتجادله زمكانيا لصناعة الفعل المحرك لصناعة الفعل المحرك لصراع حركي منتج وقابل للإخصاب. هذا الفعل الحي الذي يساهم في الحياة والوجود من خلال منظور حركي متطور. بذلك فالفكرة تحاول إعطاء تصور عام يبرز جانبا من الفعل الحركي المنتج، والذي من خلاله يفرز تصورا شموليا للعلاقات السائدة "اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا" فهي إنتاج معرفي، منه تنبع الفكرة النقيض عبر مستويات التجاوز والتطور.

الفكرة الضد :إذا كانت الفكرة الأولى قد حددت الحدث الدرامي، وحددت الاختيار الأول للمتن/ فكرة النص الكلية وعلاقاته التجاذيبية مع واقع المكان بما فيه من متناقضات سوسيو-اقتصادية، وفكرية، ونفسية، فإن الفكرة الضد تبلور فعل متناقض مع الفكرة الأولى، بخلق النقيض وتفجيره بتصور مضاد للفكرة الأولى التي تصبح متجاوزة، لأن طبيعة الاقتضاء تفرض بالضرورة هذا التجاوز الذي يتولد عنه حصول صراع، من شأنه أن يؤدي إلى وظيفة التثوير والارتقاء إلى تفجير الحدث عن طريق قناة الفعل الحركي، والذي بامتداده يكون الخلاص والدعوة إلى الانعتاق والتحرر.

الفكرة الثالثة :وهي تطور منطقي للفعل الحركي المنتج الذي يتجه إلى الأمام، بعيدا عن التصور التلقائي الشمولي العام الذي حصل في الفكرة الأولى، ومستفيدا من التصور المضاد أو النقيض الحاصل في فكرة الضد، من خلال التجاوز والانتقاء.

يستنتج من هذا الثالوث الجدلي " الفكرة الأولى، الفكرة الضد، والفكرة الثالثة"، أن تجربة المسرح الثالث تنفي عملية الجمود والثبات والسكون، وذلك راجع بالأساس إلى الاعتبارات التالية :

·   إنها تؤمن بالتطور والحركية وقانون التغير.

 

·   إن التسلسل المنطقي والجدلي يبدأ من الحس الدرامي التاريخي ليتحول إلى المكان (الفكرة/ الضد/ الفكرة والصراع) لينتقل إلى الرؤية المستقبلية والتطلع إلى الأمام (الفكرة الثالثة).

 

·   إن ما تطرحه التجربة الثالثية من هذا المنظور الجدلي يعتبر نخبويا في اختياره وتصوره، وهذا ما يستدعي تلق خاص سواء بين المؤلف والمخرج، وبين المخرج والجمهور، أو بين العرض المسرحي والنقاد. إنها علاقة تربط كل ما هو فني جمالي بما هو إيديولوجي، ويعتبر هذا الاختيار شرطا أساسيا في الرؤية إلى الوجود والحياة، إما بالتكريس أو التغيير، فالأول بمثابة موقف سلبي للأحداث والمواقف، باعتباره موقفا انتهازيا وضعيا ينتهز الفرص، والآخر هو بمثابة إيمان بصيرورة الحياة واستشراف المستقبل.

 

وبناء على ما سبق ذكره، فلا يمكننا أن نتصور مفاهيم الثالث الأول بمعزل عن هذا الثالوث الجدلي الآخر (الفكرة الأولى/ الفكرة الضد/ الفكرة الثالثة) لأنه الأساس النظري للمسرح الثالث، هو بناء متبلور على أساس من التداخل والتمازج والتطور والاستغلالية، أي أن يكون كل واحد في خدمة الآخر، كما يمكننا أن نضع التجربة المسرحية من مؤلف ومخرج وممثل وناقد وصولا إلى الجمهور.

II.     المسرح الثالث والتراث

 

1)المبحث الأول : موقف المسرح الثالث من التراث:

 

       يتعامل المسرح الثالث مع التراث المغربي والعربي والإنساني والكوني كباقي النظريات المسرحية المغربية الأخرى، ولكن ليس تعاملا سلبيا قائما على النسخ والتقليد والاجترار والتلقائية، بل هو تعامل مدروس مبني على قراءة جدلية متأنية أنتروبولوجية، تنطلق من رؤية إيجابية إيديولوجية حية ونابضة بالحركة قائمة على الطرح والنفي والتركيب الجدلي. كما يخضع التراث ضمن المسرح الثالث للتموقف الفكري والسياسي والطرح الأيديولوجي. ويخضع أيضا للرؤية الواقعية التاريخية الزاخرة بالتناقضات:" المسرح الثالث مع تقنيات المسرح المتقدمة، مع أعمال مسرحية مبدعة، مثل: مقامات بديع الزمان الهمذاني، وسيدي عبد الرحمن المجذوب وغيرها، إلا أنه يناقضها في منهجية معالجتها للضد في الزمان، والمكان، والتاريخ. مادام الموضوع ينفي الحد الأدنى من فضح التناقض التاريخي، ويداعب الواقع بأساليب وهمية سطحية ، هي الأخرى تداعب خيال المتفرجين، لا تشدهم إلى واقعهم، ولا تقودهم إلى مناقشة الضد في الزمان، والمكان، والتاريخ، كأن يكون المضمون في التاريخ مغربيا ومنافيا في التاريخ، فيصبح تكريسا لمفاهيم بعيدة عن الفعل الفاعل المطور وعن التعامل الجدلي مع الضد...الخ".


       هذا، ويقوم المسرح الثالث على غربلة التراث تقويما وتصحيحا، ونقده فكريا وذهنيا وفنيا وجماليا، وذلك من أجل تغييره إيجابيا وجدليا، معتمدا في ذلك على المنهج الجدلي في الإخراج والتأليف والتمثيل والتشخيص كما يطرحه عبد القادر عبابو:" المسرح الثالث يضع أمامه هدف التغيير في تعامله مع جميع النصوص المبدعة، ويعتبر هذا شرطا أساسيا في تعامله مع التراث المغربي العربي والعالمي، بناء على أدوات ورموز حضارية قابلة للتغيير والتعبير على طموحات الإنسان المغربي والمتلقي بصفة عامة. ومن هنا، فإن المسرح الثالث، يمكن له أن يتعالق مع جميع أنواع المسرح في حدود معينة أهمها: إمكانية مجادلة هذه الأنواع وتوظيفها مضمونا وإخراجا في إطار رؤيته الإبداعية. المسرح الثالث، يتصور عملية التشخيص المسرحي انطلاقا من منهج يستمد مبادئه الفنية من قانون التغيير وفضح التناقضات المتجلية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية."  


       ويشترط المسرح الثالث للتعامل مع التراث أن يكون التعامل فنيا وجماليا قائما على الإيحاء والترميز والانزياح؛ ، وذلك بعيدا عن التقريرية الفجة والمباشرة السطحية التي تقتل الإبداع الدرامي:" يرفض المسرح الثالث المباشرة في الطرح، والطرح البعيد عن الإطار الفني والإبداعي والمسرحي، المسرح الثالث يتعامل مع المسرح العالمي برؤية التجادل والتفاعل والتكافؤ بعيدا عن التبعية، يرفض الاستيراد المستمر، والتصدير المستمر، يؤيد الخط الإنساني التحرري في مواجهة كل أنواع الضغط والهيمنة والسطحيات، يرفض الأسلوب المداعب، كما يرفض كل تركيب لا يقترن بالحياة، ضمن جدلية الزمان والمكان والتاريخ المغربي والعربي والإنساني في نسق إبداعي."


       ومن هنا، فالمسرح الثالث يقرأ التراث كما يقرأه الجابري في كتابه:" نحن والتراث"، وذلك عبر قراءة إيديولوجية تاريخية موقفية. ويعني هذا ضرورة ربط الفعل الدرامي بالواقع الجدلي المليء بالتناقضات المتنوعة كما وكيفا. كما يرفض المسرح الثالث التعامل مع التراث بطريقة سلبية جامدة قائمة على الرؤية الفلكلورية السياحية للتراث،و" ينزع في هذا الإطار إلى وسم تعامله مع الفنون الإنسانية بخاصيات التجادل والتحديث والتكافؤ والتكامل، كما ظلت تلك الفنون تخدم الإنسان وجودا وموقفا وتقدما."


       وعليه، فالمسرح الثالث يتعامل مع التراث تعاملا جدليا رغبة في التجريب والتحديث والتغيير تمهيدا للتأسيس والتأصيل الإيجابي قصد تحقيق التقدم والازدهار والاستقلال الفكري الحقيقي على مستوى التحتي والفوقي. ولايمكن استيعاب هذا التراث على مستوى التلقي إلا إذا وجد الممثل الجدلي والمؤلف الجدلي والمخرج الجدلي والمتفرج الجدلي الذي يدخل في علاقة جدلية مع التراث و العرض المسرحي. كما ينبغي أن يرتبط التراث الموظف في المسرح الثالث بجدلية الماضي والحاضر، وجدلية القديم والجديد، وجدلية الأصالة والمعاصرة. ويستلزم المسرح الثالث كذلك التعامل مع الأفكار الواقعية الجدلية، مع استقراء بناها السياقية تاريخيا لفضح تناقضاتها الجدلية، وكل ذلك بغية تحديد مجموعة من المواقف تجاه القضية المطروحة. كما أن الأفعال والأحداث المسرحية لابد أن تكون أفعالا دينامكية جدلية خاضعة لقانون التناقض والكم والكيف.


       هذا، ويركز المسكيني الصغير على مفهوم التثوير في التعامل مع التراث واستخدام لغة تجمع بين العربية والدارجة، وقد سماها باللغة: " العربدجية". يقول في هذا الصدد المسكيني الصغير:" فنحن في حاجة إلى تثوير فعل ثقافتنا الشعبية، تثوير الحدث الدرامي في الزمان والمكان، تثوير يعتمد في كتابته" عربدجية" راقية تحبل بحرارة الدم ، وتختصر في جسدها اللغوي العريق دفء وحساسية الإنسان المغربي، تجاه الأشياء والمحيط والواقع المعيش، فنحن في هذا التعامل نتمثل ثقافتنا المحلية والوطنية، والقومية، والإنسانية في الزمان والمكان، والتي تشكل الثقافة الشعبية الخالصة فيها أمصال مناعة ووقاية وانتماء، تميز سلوكنا في التربية والسحنة واللون، والأكل، والملبس، والمسكن، والذوق، والقيم...لكنها تبقى إزاء الثقافات الأخرى والتثاقف المفروض الحضاري، نموذجا حاضرا محترما فوق الأرض."    "ويرى المسكيني الصغير في الأخير أنه لابد من القيام بدراسات أنتروبولوجية لتطوير الفرجة الدرامية عبر فرق بحث ومختبرات ومحترفات وورشات علمية وثقافية، وذلك لإغناء المسرح العربي قصد تحقيق ما يسمى بالتأسيس والتأصيل. "

2)المبحث الثاني : آليات التعامل مع التراث:

 

يعتمد المسرح الثالث على مجموعة من الآليات المسرحية للتعامل مع التراث الإنساني والكوني بصفة عامة والتراث المغربي بصفة خاصة، ومن بين هذه الآليات والتقنيات: آلية الجدل، وآلية الاستعارة، وآلية التشخيص، وآلية الارتجال، وآلية الأدلجة، وآلية النقد والغربلة الفكرية، وآلية التموقف، وآلية التغيير، وآلية الترميز، وآلية التهجين( استخدام اللغة العربدجية)، وآلية الفضح وتعرية التناقضات في الذاكرة التراثية، وذلك من خلال الاشتغال على الثقافة الموروثة ، واستعمال السيرة والحلقة والفرجة الشعبية.
" كما شغل المسرح الثالث تقنية الاستخراج كما عند المسكيني الصغير في مسرحياته التراثية ، وذلك حينما ربط بين الأحداث من خلال مجموعة من الحكايات كحكاية طارق بن زياد وجنوده، وحكاية السندباد وشهرزاد الفلسطينية"، واستعمل أيضا آلية المسرح داخل المسرح، وتقنية التباعد ، وآلية السخرية الكاريكاتورية، وآلية العنونة التراثية ، وآلية التجنيس التراثي على مستوى القالب بتوظيف السيرة أو الحلقة أو الحكاية أو المقامات...

خاتمة :

بعد الانتهاء من هذا البحث، وبعد سن القلم وتوفي الأوراق، وفي نهاية وضع قطراتنا الأخيرة، عبر رحلة المسرح الثالث والمنطلقات النظرية، والمسرح الثالث وعلاقته بالتراث، رحلة أحطنا فيها بكل الجوانب النظرية المتعلقة به، من تنظير وعلاقته مع التراث، خلصنا إلى أن تجربة المسرح الثالث هي تجربة لم تكن تجربة من فراع، بل هي تجربة نابعة من بنية فلسفية وفكرية عميقة، حاول روادها تبني مسرح كان منطلقه اعتماد آلية تفسيرية تحليلية وقوفا على سطح الظاهرة المسرحية، وصولا إلى تصور مسرحي عانق هموم الناس، وحرصه على كل الأشكال والسلوكات التي تكرس الواقع وتعمل على إعادة إنتاجه في أدلوجة متكونة من مجموعة من المفاهيم ذات العلاقة الجدلية، كالزمان والمكان والتاريخ، منذ توزيع البيان الأول لهذه التجربة، والذي حدد من خلاله مفهوم الفرجة، وكيفية التعامل مع الموروث الثقافي المغربي العربي العالمي والانساني، ومن ثمة يمكن القول أن تجربة المسرح الثالث قد ظهرت انطلاقا من وعي أصحابها – المسكيني الصغير، سعد الله عبد المجيد، عبد القادر عبابو...- بضرورة التغيير، وبضرورة تأسيس مسرح ينسلخ من التبعية وجمود الفكر، نحو مسرح مسؤول وهادف قلبا وقالبا، متجاوزا بعض التجارب المسرحية المغربية والعربية التي تعمل على تكسير ما هو سائد. لذلك حاول أن يفضح تلك الأطروحات المزيفة لراهن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ومن ثمة كانت رسالته الأساسية هي الدعوة للتحرر والانعتاق من كل قيود التبعية التي تقيد جسد الأمة.

 

 

  هذه المسألة أثارها حسن المنيعي بعدما اعتبر أن المسرح الأول هو المسرح الكلاسيكي، والمسرح الثاني هو المسرح العربي والمسرح الثالث هو التمرد على المسرحين الأول والثاني، لانفصاله عن التبعية والتقليد.

  بيان تطوان المسرح الثالث 1980م.

  بيان تطوان المسرح الثالث 1980م.

  المصدر نفسه.

  مقال ندير عبد اللطيف، المسرح الثالث بداية حقيقية لتأصيل مسرح متميز.

  بيان تطوان المسرح الثالث 1980م.

  بيان تطوان المسرح الثالث 1980م، ص11.

  مقال ندير عبد اللطيف، المسرح الثالث بداية حقيقية لتأصيل مسرح متميز.

  المسكيني الصغير، البحث عن هوية المسرح في المسرح العربي، "مقال".

  مصطفى الرمضاني، بنية الخطاب في المسرح الثالث.

  مقال جميل حمداوي : المسرح الثالث  والتعامل مع التراث.

  مقال جميل حمداوي : المسرح الثالث  والتعامل مع التراث.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


المراجع المعتمدة :

 

vبيان "المسرح الثالث مشروع رؤية مسرحية جديدة"،بيان تطوان، الطبعة الأولى 2003، الدار البيضاء.

 

vمقال ندير عبد اللطيف، المسرح الثالث "بداية حقيقية لتأصيل مسرح متميز"، الملحق الثقافي، عدد 102، 12 أبريل 1990م.

 

vمحمد بهجاجي، عن المرتكزات النظرية : في ورقة المسرح الثالث، ملحق البيان الثقافي، عدد 3، 4-15 أبريل 1982م.

 

vالمسكيني الصغير، البحث عن هوية المسرح، مجلة المنية، عدد 2، 1978م.

 

vمصطفى الرمضاني، بنية الخطاب في المسرح الثالث، عن بحث الإجازة لـ "مصطفى مناس".

 

vمصطفى مناس،" المسرح المغربي وإشكالية توظيف التراث، نحو تأسيس تجربة مسرحية (أصيلة)، بحث نيل شهاد الإجازة، إشراف الدكتور مصطفى بغدادي، سنة 1993-1994م.

 

vمقال جميل حمداوي : المسرح الثالث  والتعامل مع التراث، تاريخ النشر 04/06/2010 – دنيا الرأي (2003-2012).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق