]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تراث عبيدات الرمى بالمغرب

بواسطة: مروان مودنان  |  بتاريخ: 2014-11-05 ، الوقت: 14:03:35
  • تقييم المقالة:

التراث الشعبي المغربي : ثراث عبيدات الرمى

يعتبر التراث الشعبي بكل تنوعاته، رافدا مهما من روافد إغناء ذاكرة الشعوب، لما يحتويه من قيم متنوعة يمكنها أن تطور المجالات الاجتماعية والفكرية والاقتصادية للمجتمع، خاصة إذا تم استغلالها بمنطق جاد وهادف، وبأساليب وتقنيات ومناهج دقيقة ضمن مخططات وبرامج تنموية.

وإن مسؤولية جمع التراث وتوثيقه، تلقى على عاتق الباحثين والدارسين، فإذا كانت النظرة السائدة للتراث الشعبي نظرة احتقار ودونية، مقارنة بالأشكال الأخرى، فإن من الواجب علينا نحن، الباحثين فيه والدارسين له، أن نحلل ظواهره ضمن إشكاليات علمية، تفتح الآفاق وتكون همزة وصل بين حاملي التراث والمادة التراثية.

إن النص التراثي بالنسبة للباحث في التراث الشعبي، يجب أن ينجز، أي أن يتحقق ويصبح ملموسا على المستوى المادي، وهذه المهمة تفترض تدخل إجرائيات : الجمع والتدوين والتحقيق، وهذا يفترض تداخل مجموعة من المختصين، بدءا بالباحث في النص التراثي والعالم اللغوي والفيلولوجي أحيانا.

والنص التراثي، لا يوجد ولا يتحقق إلا من خلال جملة من الروايات للنص الواحد؛ يمكن أن نتكلم عن نص نواة، لكن تعدد الروايات يجعل هذا النص يأخذ تفريعات وتلوينات من حيث اللغة والشخصيات والمعجم والصور حسب سياق التداول، وما يميزه من وقائع وعلامات.فهذا النص يمكن أن يحمل بعض العناصر التكوينية مثل المعجم والصور التي تكون مخالفة لما نجده في منطقة أخرى، في نفس الوقت لا يمكن أن نصف رواية معينة من الروايات بأنها الرواية الحجة.

ولهذا فعلى المهتمين بالظواهر التراثية القيام بمهمة أساسية، والتي يعبر عنها بإشكالية توثيق التراث الشعبي، ذلك أنها تفصل بين الداء والدواء، فمشكل التراث الشعبي، هو أنه في مجمله شفاهي، هذا بالنسبة إلى نوع من أنواع التراث الشعبي، الذي تندرج فيه الأغاني والأمثال والنكت والأحاجي...، إذن فهو أكثر عرضة للضياع والاندثار، إذا لم يتم جمعه، وتصنيفه وتوثيقه، وبذلك يحفظ جزء مهم من تاريخ وحضارة الأمة، وبالتالي إنعاش الذاكرة المفقودة، ونفض الغبار عنها، قصد تعريفها وطنيا و دوليا.

إذن،هناك حاجة ضرورية الآن، للقيام بتوثيق علمي متقدم، ورصد لعناصر التراث الشعبي، سيرا على نهج التجارب الرائدة، واعتمادا على كل الوسائل المتاحة، من أجل تقديمه إلى الدارسين والباحثين، للاستفادة منه، وإبراز تجذر الهوية و تفاعلها المشترك مع باقي الهويات الأخرى.

1-             مصطلح الرما :

جاء في لسان العرب "رمى رميا ورماية، الشيء، ألقاه، ونقول في اللغة : رمى السهم عن القوس أو على القوس، ورمى: قذف[1].

فالرماية هي تعلم فن الرمي بالقوس أو بالبندقية التي حلت محله، ومن هنا تأتي كلمة "الرماة" لتدل على الفرق المنظمة تنظيما عسكريا أو شبه عسكري.

وقد وردت في القرآن في قوله تعالى :"وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"[2]، وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم :"وارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا"، فلا جدال في أن الرماية وسيلة للجهاد الذي شرعه الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة و السلام، وإذا كان الجهاد أساسيا في الإسلام، وفرض عين على كل مسلم أحيانا،وفي الغالب فرض كفاية للقادرين عليه كما هو معلوم عند الفقهاء، فإن تعلم وسيلته التي هي الرماية يعتبر من أوجب الواجبات، وإن الإقدام عليها ومدحها والإطراء على الرماة، يجد تفسيرا له في وضع هذا الفعل داخل منظومة القيم السوسيوثقافية.

2-             مصطلح عبيدات :

ورد في لسان العرب، مادة "عبد" عبد الله يعبده عبادة ومعبدا ومعبدة: تأله له، ورجل عابد من قوم عبدة وعبد وعباد، والتعبد :التنسك، والعبادة: الطاعة، وقال تعالى :"إياك نعبد" أي نطيع الطاعة التي يخضع معها والعبد: الإنسان، حرا كان أو رقيقا، يذهب بذلك إلى أنه مربوب لباريه عز وجل.والعبد : المملوك خلاف الحر، قال سيبويه :"هو في الأصل صفة"، قالوا :" رجل عبد، لكنه استعمل عمل الأسماء" والجمع أعبد وعبيد3.

وجاء في القاموس المحيط للفيروز آبادي :"العبد : المملوك، والعبابيد : الفرق من الناس والخيل الذاهبون في كل وجه.[3]

3-             عبيدات الرمى :

إن مصطلح "عبيدات الرمى" أو عبيد الرماة، وهذه صيغة الجمع لمفرد، يطلق عادة في الثقافة الشعبية والتراث الشعبي المغربي، على طائفة تقوم بوظيفة فنية وثقافية واجتماعية، هي الوقوف عند أعمال الرماة وأفعالهم من خلال إنتاج نصوص فنية تمتح من الشعر ومن لغة الحديث اليومي وثقافة المجتمع، وتهدف إلى الإشادة بالرماة وإبراز أفعالهم وإسهامهم في وقائع وأحداث تاريخية واجتماعية، مثل مقاومة المستعمر والجهاد.

وقد حاولت بعض الدراسات أن تبرز حضور الرمى في تأطير أفراد القبيلة، من حيث تعلم الرماية و السلاح[4]، أو في مقاومة الأجنبي، ومثال ذلك، نشاط الرمى في الشاوية، حيث كان مقدموا الرمى من قادة حركة المقاومة ضد المستعمر[5] من أمثال :

-       الحاج محمد بن حمو الحريزي : مقدم الرماية في أولاد حريز.[6] -       القرشي بن الرغال الداودي     : مقدم الرماية في أولاد سيدي بن داود[7]. -       الأحمر بن منصور             : مقدم الرماية في قبيلة المذاكرة[8]. -       محمد ولد بوعبيد المحمدي      : مقدم الرماية في قبائل مزاب وأولاد محمد[9].

ويذكر لويس ميرسيي أن المدن المغربية بالإضافة إلى القرى، كانت تتوفر مبدئيا على شيخ الرمى، يساعده مقدم، يكون دوره هو تدريب الشباب على الرماية وحيلها المختلفة، وذلك بتعاطيهم للصيد جميعا[10].

ورغم أن لويس ميرسيي هنا، يتحدث عن فترة تعود إلى سنة 1906م، إلا أن سكون وحافز فرق الرماة يتأصل دائما في إحالاته على مرجعه الديني والأسطوري، وأيضا يستلهم بعض طقوسه من كرامات سيدي علي بن ناصر، الذي يعتبر وليا للرماة جميعا، وهو حفيد سيدي أحمد أو موسى، ولي الرياضيين الملقبين باسمه.

ثم إن الحضور المكثف فوق المجال الجغرافي،بواسطة "الحركة"، إذا ما أضيف إلى الصراعات المستمرة بين القبائل نفسها، والتي لا يكون المخزن غريبا عنها، تجعل هذا المجتمع يقيم بالأساس حمل السلاح، ويفضل الرامي على حامل العلم[11].

ومع بداية القرن العشرين، ظهرت جمعيات الرماة، وهي تتكون من شباب النخبة، التي لا تحتاج إلى مساعدة لتوفرهم على أسلحتهم ومصاريف تنقلهم وإقامتهم خارج مقراتهم، أما بالنسبة للقرى، فكانت الجمعيات تدعى "رباعة" وهي تتكون من بسطاء القوم، الذين تجمعهم مهن حرة أو انتماءات إلى مناطق مشتركة، إذ تتلقى هذه الجمعيات البارود والرصاص أحيانا من الباشا، وأحيانا بنادق حديثة، وراتبا يوميا يدل على اهتمام السلطة بهذه الجمعيات وحاجتها إليه في القرى و المدن، قصد أن تكون جيشا احتياطيا لها في أوقات الأزمات.

وخارج الصيد الجماعي الذي يعد متعة وفرصة تعلم ينظمها شيخ الرماة من وقت لآخر، تستدعى الجماعات من طرف القبائل المجاورة للمدينة أو القرية، قصد المشاركة في صيد الخنزير، حين تتعدد مضايقاته للفلاحين، وهي فرصة لإعلان مسابقات وتمارين في الهواء الطلق تدوم قرابة أسبوع.

وخلال جهاد الشاوية، كان بعض المجاهدين يحملون "المقص" و"الطعريجة"، يتغنون ويثيرون حماس إخوانهم المجاهدين، ويمجدون أعمالهم البطولية، حتى إذا جد الجد، وحمى وطيس المعركة، علقوا أدوات الموسيقى المذكورة على السروج، وحملوا البنادق، واشتهر من هؤلاء مجاهد يسمى "الرداد" و آخر يسمى "الزموري"[12].

ولعل هذه الوظيفة لطائفة عبيدات الرمى التي تقوم على وصف أفعال الرماة وإشاعتها ومدحها والإطراء على أهميتها، ترتبط في الأصل بمعنى وقدسية فعل الرماية وتجذره في الثقافة المغربية، في سياق يقترن بالمرجعية الدينية والثقافية التي تشكل هوية فئات اجتماعية، تجد في نصوص عبيدات الرمى تعبيرا فنيا عن متخيلها ووجدانها وعن وضعها الاجتماعي.

ويعتبر بعض الدارسين والباحثين في ميدان التراث الشعبي، ونخص بالذكر منهم "حسن بحراوي"، أن ظاهرة عبيدات الرمى، تعتبر من الأشكال ما قبل المسرحية الأكثر شعبية، والتي ازدهرت في المغرب، ولا تزال تحافظ على استمراريتها في العديد من المناطق[13].

ونجد المستعرب الفرنسي لوبينياك فيكتوريان يعرف عبيدات الرمى بقوله :"مجموعة من البحارة الذين  يتعاطون للغناء والرقص أحيانا بمصاحبة جوق"[14].

أما الرحالة الفرنسي ليون روش فيطلق عليهم لقب "الحياحة" أو "الحياحين" في رحلات الصيد،أي أنهم مثيروا الضجة أثناء عملية الصيد، إذ يعملون على الصياح والطرق على أدواتهم لمطاردة الفرائس وتوجيهها نحو الرماة[15].

4-             علاقة النمط بالغابة والصيد:

تدلنا التسمية على أن الأمر يتعلق بجماعة من المولعين بمصاحبة الرماة الصيادين، والقائمين على خدمتهم في الحل والترحال، ويعكس هذا التعريف جانبا من الحقيقة، خاصة إذا وضعنا عبيدات الرمى داخل الإطار الجغرافي للمنطقة، فمثلا منطقة وادي زم وأبي الجعد، التي كانت تكسوها الغابات، ويكثر فيها الوحيش المفترس والغير المفترس، ومن هنا حصلت بعض مراكز هذه الأقاليم على تسميتها كوادي زم ، وتعني وادي الأسد، وأبي الجعد، التي كانت وديانها مرتعا للجعد وهو الذئب[16].

ولازالت المنطقة لغاية الآن تحتفظ ببقية من الرصيد الغابوي، رغم ما لحقه من الاندثار كغابة السماعلة بضواحي وادي زم، وغابة بني زمور بضواحي أبي الجعد.

لا شك ولا جدال في التطور الذي حصل اليوم، فطوائف الرمى اليوم هي جماعات منظمة من أجل الصيد و القنص.ولعل اقتصارها على القنص وابتعادها عن قاموس الفروسية والجهاد قد تأكد بسيطرة المحتلين الفرنسيين سنة 1934.

ولذلك فمن المنطقي أن تتحول غنائيات عبيدات الرمى ومواضيع أشعارهم إلى أمور من الهزل ومخاطبة الطبيعة، والحيوان المراد صيده.وهكذا فأشهر قصائد عبيدات الرمى اليوم تتناول الغابة ووحش الغابة.

ينتج مما قدمناه، أن مصطلح عبيدات الرمى تسمية ضاربة في أعماق التاريخ المغربي وفي التراث الشعبي، وأن ارتباطها بالمقدس الديني والأخلاقي يفسر التسمية، فكلمة عبيدات الرمى، تحيلنا مباشرة على الرماية والجهاد والفروسية، والانتظام في جماعات منظمة متعاونة.

ومن يشاهد اليوم رقصات عبيدات الرمى، يتأكد له تشابه حركات الرجال وهم يلعبون بالمقص والطارة (البندير) والطعريجة، بحركات الخيول و الفرسان.وهكذا تصبح حلقة الفرجة عند عبيدات الرمى بديلا لسرب من الفرسان، فتتصاعد حركات عبيدات الرمى وتنتهي بالقرصة أو الصيحة، كما كانت حركات الفرسان والخيول تتصاعد و تتسارع لتنتهي بالرمية أو الرشقة.


1-    لسان العرب لابن منظور، مادة (رمي). 2-      سورة الأنفال، الآية 71. 3-      لسان العرب، مادة (عبد). 1-      القاموس المحيط للآبادي، مادة "عبد". 2-    علال الخديمي، نشر المحاسن و المآثر لرجال الشاوية، منشورات لجنة الشاوية، كلية الآداب بنمسيك، الدار البيضاء 1997، ص162. 3-    علال الخديمي، أصول الرماية والرمى في التراث الشعبي، المناهل، عدد 647-65، 2001. 4-    معلمة المغرب، مادة الحريزي. 5-    المصدر نفسه، مادة الداودي. 6-    المصدر نفسه، مادة الأحمر بن منصور. 7-    المصدر نفسه، مادة بوعبيد. 1-      LOUIS MERCIER , La chasse et les sports chez les arabes, Paris 1927 2-    رحمة بورقية، الثابت والمتحول في علاقات الدولة بالقبائل في زمور، رسالة جامعية بكلية الآداب، الرباط، ص200. 1-      علال الخديمي، التدخل الأجنبي والمقاومة، ط2، 1994، ص 350-359. 2-      د.حسن بحراوي، المسرح المغربي، بحث في الأصول السوسيوثقافية، ص 80-81. 3-    LOUBIGNAC VICTORIEN, Textes Arabes des ZAER, Paris 1952 4-    LEON ROCHE, Dix ans à travers l’Islam, Paris, p59-61 1-    محمد بوكاري، الزاوية الشرقاوية.
... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق