]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عقيدتي من التقليد الى التسليم !! الحلقة الخامسة

بواسطة: المرابط ولد محمد لخديم  |  بتاريخ: 2014-11-01 ، الوقت: 23:03:00
  • تقييم المقالة:

         مستدلاعلى هذا بكلام مالك بن نبي في سياق تحليل هذا الأخير لقصة ديفو حيث يقول في هذا الصدد: «إذ يعتزل الإنسان وحيدا، ينتابه شعور بالفراغ الكوني. لكن طريقته في ملء هذا الفراغ، هي التي تحدد طراز ثقافته وحضارته، أي سائر الخصائص الداخلية والخارجية لوظيفته التاريخية، وهناك أساسا طريقتان لملئ الفراغ، إما أن ينظر المرء حول قدميه أي نحو الأرض، وإما أن يرفع بصره نحو السماء».

         ولم يكتف الطيب بوعزة بقراءة المفكر الجزائري مالك بن نبي لنموذج كروزو السابقة وتأويله لها فقط، بل إنه استند أيضا إلى قراءة السوسيولوجي الألماني ماكس فيبر في كتابه الشهير «الأخلاق البروتستانتية» التي يؤول فيه شخصية روبنسون كروزو رائيا فيها تجسيدا لنموذج الإنسان الاقتصادي ومحددا لنمط الحضارة الرأسمالية.

         وبعد مقارنته لقراءة مالك بن نبي وماكس فير لنموذج كروزو، يجزم بوعزة أن هذا النموذج ليس ملمحا من ملاح النمط المجتمعي الصناعي فقط، بل هو محدد من محددات نمط التفكير الغربي ككل بدليل: أن الرؤية الكمية إلى العالم لا تبدو فقط في هذا النتاج السردي الروائي ولا في النمط الثقافي والحضاري الغربي الراهن، بل حتى في الخلفية الثقافية الهلينية.

        وقد وقفت مدرسة فرانكفورت مليا عند أسطورة أوديسيوس في ملحمة «الأوديسة» كاشفة عن مركزية هذه الرؤية المادية التي سيصطلح عليها هوركايمر، وأدورنو بـ "الأدائية". كما أن هذا النمط في تمثل الذات والوجود نراه يتمظهر في علم الفيزياء مع جاليليو في رؤيته التحليلية الرياضية للكون، وفلسفيا مع ديكارت في تمييزه بين الفكر والامتداد، وتأسيسه للعقل بوصفه قوة للسيطرة على الطبيعة واستغلالها.

         كما سيتمظهر مجتمعيا في النمط الليبرالي، كنمط يتقصد تأسيس واقع يعامل الذات الإنسانية بوصفها جسدا بالإضافة طبعا إلى الخطاب الحداثي الرأسمالي حيث يلاحظ أن المنظرين للفكرة الرأسمالية سيحرصون على اختزال الدوافع والأشواق والغايات الإنسانية –حتى تلك التي تخرج عن نطاق العلاقة الاقتصادية– إلى رغبات وأشواق جسدية لتؤول إلى محض رغبة اقتصادية!

         وهذا ما رصده (ادخارمور) بدقة حينما ذهب إلى أن التحولات الكمية ارتفاع القدرة الشرائية، استبدال الطاقة البشرية تطور العمل التقني، تطور أنشطة الوقت الحر أنتجت تحولا نوعيا بطيئا تمثل في بروز مشاكل متعلقة بالحياة الخاصة، مشاكل حول الحياة الشخصية المستقلة مست بالأساس الطبقة المتوسطة والعمالية، ويتعلق الأمر بتطوير ظاهرة جديدة داخل الحياة الشخصية، إنها فردنة الوجود الإنساني.

       إن خاصية الثقافة الجماهيرية تتمثل في كونها ستوفر للفئات الاجتماعية الصاعدة (طبقة متوسطة)، شباب، نساء، صورا إدراكية وقيما ونماذج سلوك جديدة أبطالها: الشخصيات السينمائية، ونجوم الموضة، ومقولاتها: المغامرة، والحرية الفردية، وغاياتها: الحياة والسعادة، والمتعة ...الخ).

         ويمكن تلخيص ما ذهب إليه (إدخارمور) إلى أن الثقافة الجماهيرية أو السوق الثقافية الكونية هي إيديولوجيا تقوم على إضفاء الطابع الكوني على قيم وأنماط عيش وأساليب إنتاج ونماذج سلوكية وتصورات عن العالم والأشياء ذات طابع محلى منغرسة في بيئات تاريخية واجتماعية خاصة، وتحويلها إلى كيانات لا تاريخية.

         (لكن العقل الفلسفي الغربي عندما يستشعر أحيانا اختلال هذه الأولوية المطلقة التي يعطيها في المنظور الاقتصادي في فهم الإنسان وتحديد حاجاته؛ لأنه يحس أن ثمة دوافع وأشواق وقيما إنسانية تنفلت من إطار رؤيته المادية القاصرة، دوافع وأشواق تعلو القيمة المادية وتجاوز نطاقها الكسيح المحكوم بمعايير الحساب النفعي، نجده يحاول أن يغض الطرف عنها أو يتحايل لتجاوزها بمنطق التبرير والتسويق حينا أو بمنطق الاختزال بل والتحريف حينا أخرى(11).

        ليس الإنسانمجرد كائن يعيش وجوده بل هو فوق ذلك كائن ينزع نحو فهم الوجود، بل حتى على مستوى وجوده الفردي يحرص على أن يجعل له معنى ودلالة ولا يكتفي بمجرد عيشه.

      ويختم الكاتب الطيب بوعزة المغربي الجنسية مقاله المتميز بالقول: إن إنتاج معنى للوجود حاجة محايثة لكينونة الإنسان ولا يمكن تجاهلها. وهذا ما أدركه بعض ناقدي العقلانية الغربية واستشعروا الحاجة إلى اعتباره عند تحليلهم للوضعية الإنسانية.

        معتقدا أن استثمار النيوليبرالي المعاصر روبير نوزيك للفلسفة الكانطية، ووقوفه في كتابه "الفوضى، الدولة واليوتوبيا" (Anarchy, State and Utopia)، عند وظيفة المعنى في حياة الكائن الإنساني، هو في تقديره ذو دلالة كبيرة إذ هو دليل حسب اعتقاده على اضطرار المقاربة الأدائية المادية إلى توسيع رؤيتها إلى خارج السياج المادي، وان كان ذلك لم يثمر عندها أي تبديل لنمط رؤيتها لماهية الإنسان بسبب عدم انتباهها إلى منطلقها الخاطئ المحكوم بالرؤية الكمية(12).

        إذا اعتمدنا رؤية روبير نوزيك هذه فإن المقارنة الأدائية المادية ترى أنه في الوقت الذي تشعر فيه بضرورة توسيع رؤيتها إلى خارج السياج المادي، فإنها مازالت مقيدة بمنطلقها الخاطئ المحكوم بالرؤية الكمية.,

وواقع العقل....يتواصل

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق