]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

من الخراب إلى الخراب بقلم عزالدين مبارك

بواسطة: عزالدين مبارك  |  بتاريخ: 2014-10-24 ، الوقت: 12:17:42
  • تقييم المقالة:
من الخراب إلى الخراب بقلم عزالدين مبارك

ليس هناك من شك أن البلاد تمر بمرحلة حالكة من تاريخها العريق بعد فرار صاحب القصر إلى وجهته المعلومة تحت ضغط الاحتجاجات العارمة والدامية في غفلة من مكر التاريخ وقد كانت مفاجأة مدوية للجميع في ذلك الحين لكن ظهر في ما بعد أن هناك أيادي خفية قد هيأت المسرح ولحظة الخروج بعناية فائقة.

ودخلت البلاد منذ تلك اللحظة في مرحلة التيه والضياع بعد أن كانت تحكم بيد من حديد فتعاقبت الحكومات والشخوص على إدارة الأزمة وتتالت التجاذبات بين فرقاء متعطشين للسلطة والفوز بالغنيمة المرمية على قارعة الطريق تحت هياج الشارع والزحف الجماهيري الهادر المغدور به.

فعم الخراب الربوع وانتشرت الفوضى في كل مكان ولم تكن وعود الساسة إلا سراب الصحاري في أيام القيظ وتبخرت الأحلام في دهاليز المكاتب المغلقة وتحت قبة مجلس تأسيسي غلب عليه التهريج والتمطيط والتسويف والمماطلة ولم ينتج عنه في النهاية إلا بعض القوانين المستعجلة والغامضة مكتوبة بلغة ملتبسة ومريبة سوف تؤدي إلى تأويلات عديدة وصراعات في المستقبل.

فلم ينجز أي شيء على الإطلاق على أرض الواقع ولم يتحقق ولو القليل من المطالب الشعبية بل بالعكس من ذلك زادت البطالة وارتفعت الأسعار بصفة جنونية وتقهقرت الطبقة الضعيفة والمتوسطة إلى الحضيض فعم الفقر الأرياف والمدن وانتشرت الجريمة بصفة ملحوظة وازدادت وتيرة الفساد والمحسوبية وظهر الارهاب بقوة  وانتشرت الأوساخ والأوبئة والأمراض.

فكانت البلاد تعيش الخراب والبؤس والانكسار والانحدار نحو الهاوية وذلك بسبب أن ساستنا الكرام الذين لا يعيشون الواقع ولا يتعاملون مع الأوضاع بجدية وعقلانية ومسؤولية وحكمة بل ينظرون لمسألة الحكم نظرة تعالي وفوقية ومجرد الإمضاء على قرارات ليست لها صلة بالواقع المعيش وليست لها الدفع الشعبي اللازم بل هي فقط تلبية لتوصيات حزبية داخلية أو طلبات خارجية أو نزوة شخصية مكيافلية.

فمرحلة التجريب ومسايرة مسار الأحداث ومحاولة ترضية الفرقاء لاتقاء الشرور والبلاء كان سمة المرحلة الانتقالية كلها وكما يقول المثل العامي '' تعلم الحجامة في رؤوس اليتامى'' أدت إلى تخلخل في مفاصل الدولة وانتشار الفوضى واللامبالاة في ظل حرب مواقع ومحاصصة وتجاذبات وضرب على القفا وتحت الحزام.

وقد ضاعت في خضم هذا المشوار الأعرج هيبة الدولة وانخفضت مصداقيتها لدى عامة الناس وتخلت عن دورها الضابط وتقديم الخدمات الأساسية لمنظوريها فغدا كل واحد يبحث عن مخرج لينجو بنفسه من هذه المحنة فتفتتت الإرادات وخبت العزائم وجذوة الفعل.

وشيئا فشيئا أضعنا الرأسمال المعنوي الذي أحدثته '' الثورة'' وبددناه بغباء وجهل إثر النشوة الكاذبة بالانتصار على الدكتاتورية الهاربة لكننا أفقنا في النهاية على واقع أليم بحيث كنا نعيش منذ زمن طويل الخراب بعينه ولم نكن في حالة جيدة من التقدم والرفاهية بل كنا نعيش أكذوبة وأضغاث أحلام ليس إلا.

 وهكذا انتقلنا في الحقيقة الموضوعية من خراب إلى خراب ولم تتغير إلا بعض المظاهر الخداعة والشخوص. فنحن لم نتغير من داخل ذواتنا وهروب شخص كان يدعى رئيس الجمهورية لا يعني شيئا ولا يقدم ولا يؤخر في ما يخص صيرورة التاريخ ورصيدنا الهائل من التخلف والتعالي المزيف والكسل الذهني والمحسوبية والعقلية المتخاذلة وحب الذات والجنوح نحو الفساد والربح السهل ومعاداة العلم وعبادة الحاكم والتملق الفارغ والانتهازية المقيتة والتمسح على الأعتاب و''قلبان الفيستة'' والضعف أمام الإغراءات وخاصة المال وهلم جرا.

ثم كيف يستقيم الأمر وتعود الخفافيش الماصة للدماء في زمن الخراب الأول دون مساءلة ومحاسبة في صفقة مشبوهة وخدعة محبوكة أمام أنظار الجميع وكأن شيئا لم يكن. فقد كانوا في السلطة وصالوا وجالوا وما تركوا غير الخراب والفقر والبطالة والتهميش والفساد. هم يبحثون عن الحصانة والتحصين حتى لا تصلهم يد العدالة والمساءلة وليس همهم الشأن العام وتحقيق مطالب الناس ورفع راية البلاد.

فهؤلاء لم يكن لهم وجود فعلي إلا من خلال ما يسمح به الدكتاتور ولم يكن لهم رأي أو مشورة فهم كالقطيع يذهبون حيث يؤمرون فيزكون ويوافقون وهم نائمون وديدنهم المناصب وبعض الدريهمات.

أما اليوم فنرى جعجعة وكلاما كثيرا وفعلا قليلا وكل واحد يريد الفرار بجلده وتحميل الآخر كل الخطايا ويحمل الخراب الذي نعيشه الآن إلى الحكم السابق فالمهم البقاء في السلطة ولو على جبل من البؤس والخراب والفساد فتلك عادة من عادات بني يعرب لا يمكن التخلي عنها مطلقا.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق