]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هيبة الدولة والمواطنة

بواسطة: عزالدين مبارك  |  بتاريخ: 2014-10-23 ، الوقت: 12:36:44
  • تقييم المقالة:
هيبة الدولة والمواطنة بقلم عزالدين مبارك  

في القاموس السياسي المتداول يوجد خلط مقصود وغير بريء بين الدولة ككيان مستقل وثابت وجامع وبين النظام السياسي الذي يتربع على عرش السلطة في فترة من الزمن تطول أو تقصر لكنها محدودة وغير مستقرة. فالدولة هي ملك مشاع بين المواطنين لهم فيها حقوق وعليهم واجبات نحوها محددة بالاتفاق ضمن ضوابط الانصاف والعدالة. أما النظام ولو كان ملكيا فهو يخضع لإرادة الناس وقبولهم به ولا يمكنه وخاصة في الوقت الراهن تجاوز بعض الحدود الانسانية الدنيا ويبقى في حكم المساءلة الشعبية ولو عن طريق ''النكتة'' والإشاعة والتصرف السلبي وعرضة للهزات الاجتماعية والاحتجاجات والثورات.

والنظم السياسية تتداول على الحكم حسب تاريخية كل مجتمع وتتغير بفعل الظروف الداخلية والخارجية لكن الدولة لا تتغير بحكم مكوناتها الثابتة كالأرض والسماء والبحار والشعب الذي يعيش على أديمها والحامل لجينة الثبات والاستمرارية والصمود.

فالأحزاب تتصارع على البرامج وخطب ود المواطن الواعي وتقديمها للوعود القابلة للتحقيق والآخذة بالاعتبار بكل الرهانات والإكراهات من أجل النجاح في الانتخابات باستحقاق ضمن ضوابط واستقرار الدولة ومؤسساتها. فليس بالمستساغ التلاعب بعقول المواطنين والاستخفاف بوعيهم وإغراقهم في الوعود الكاذبة أو شراء ذممهم بالأموال وأخذهم بالحيلة والغفلة فذلك من شيم الصغار.

كما يتحدث الساسة عن هيبة الدولة وهم يعنون بالقطع عن هيبة النظام فيريدونه أن يكون عضوضا يحكم بالأوامر السلطانية القاهرة وكأننا في زمن المماليك والامبراطوريات الآفلة والحاكم فيه شبه إله لا يمكن نقده أو محاججته أو الخروج عن طاعته العمياء. فذلك الزمن قد ولى وانتهى بدون رجعة رغم أن البعض ما زال يحلم بذلك العهد الذي ليس فيه إلا مواطنا واحدا ينعم بالحرية ويفعل ما يشاء بالعباد والثروة والبلاد والمواطنون الآخرون كالعبيد في اسطبل الحيوانات.

فهيبة الدولة هي في احترام مواطنيها واعتبارهم أهم عنصر فيها قبل الحيطان والأشياء الثمينة وأكداس التراب لأنهم يحملون تاريخها وثقافتها وصيرورتها وينتجون المعرفة والأفكار والخيرات ويدافعون عنها بالغالي والنفيس. فالهيبة ليست العودة لدكتاتورية الحاكم الذي يسير دواليب الدولة بالسوط والعصا الغليظة ويعذب المساجين ويقهر المحتجين وينفي المفكرين وأصحاب الرأي والمعارضين لفساده وتجبره وتسلطه.

  فالمشكلة الأساسية التي تعترض الحاكم العربي بصفة خاصة هو أنه يرى الدولة كنظام بحيث هناك لبس جوهري في الفكر السياسي والراجع إلى المنظومة الفكرية العربية بالأساس والتي لا ترى فرقا بين الدولة والنظام بحيث يملك الحاكم الدولة والمواطنين الذين يعيشون على أديمها ويفعل بهم وبها ما يشاء. فحتى الحكم الملكي عندنا يختلف اختلافا جذريا عن ما هو موجود بأوروبا حيث الملك لا يملك إلا قصره ولا يحكم إلا في عائلته ومهمته رمزية وتشريفية فقط والحكومة المنتخبة من المواطنين هي التي تسير الشأن العام تحت الرقابة الشعبية والبرلمانية.

فهيبة الدولة لا تكون إلا من خلال الفصل البين بين الدولة والنظام وهيبة المواطن السيد في بلاده والمتمتع بحقوقه كاملة والذي يقوم بواجباته المتفق عليها دون شطط وإفراط. فهيبة الدولة لا تعني هيبة الرئيس أو الحاكم فهو ليس إلا مواطنا عاديا له ما لنا وعليه ما علينا والفرق الوحيد أن الشعب فوضه ليسوس الدولة طبقا لأهداف محددة ولفترة معينة وإذا زاغ عن المنطق السليم والطريق القويم فينحل العقد المبرم ضمنيا ويكون للمواطن الرأي السديد.

فالهيبة هي للمواطن والشعب السيد وأصل السلطات جميعا وللدولة والمؤسسات أما صاحب السلطة فهيبته تأتي من خلال ما ينجزه على أرض الواقع والخدمات التي يؤديها لصالح بلاده ومواطنيها واحترامه لنفسه وتأدية واجباته الدستورية بأمانة وشرف وابتعاده عن الفساد والمحسوبية والتغول.

ولا أخال الذين يتسابقون اليوم نحو الكراسي والمناصب الرفيعة يحملون هم المواطن البسيط والمهمش والفقير والبطال بل كل جهدهم منصب على ما سيغنمونه من حظوة وجاه ومال فيحلمون في الليل والقيلولة بأنهار العسل والصبايا الحسان وريش النعام والسيارات الفارهة وليس في جعبتهم إلا الأفكار السلطوية التافهة والبرامج الكاذبة والوعود البراقة.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق