]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

اعترافاتٌ متأخرة

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2014-10-22 ، الوقت: 13:13:05
  • تقييم المقالة:

 

 

اعترافاتٌ متأخرة

 

محمد الحداد/العراق

مثلَ عيدٍ غابَ طويلاً عن عيونِ أطفالنا تمنينا أنْ يطرُقَ أبوابَ فرحِهم يوماً فأتاهم مُرتدياً ثوبَ الحِداد.. مثلَ حُلمٍ جميلٍ تمنينا ألا يطلُعَ عليهِ نهارٌ أبداً فاغتالتهُ يدُ اليَقَظة.. مِثلَ سرابٍ بعيدٍ لوّحَ لعطشِ أرواحنا التي قتلَها          الانتظار فزحفنا إليهِ نحسبُهُ ماءً فاكتشفنا أنهُ محضُ خِداع..

مثلَ كلّ ذلكَ وَأَمَر..هكذا مرَّ بديارنا ما حَسِبناهُ ربيعاً لفرطِ سذاجتنا..فهل يكفي أنْ نُسجّلَ هنا بعضاً من ندَمٍ بعدَ فواتِ الأوان؟هل يَحظى بالعفوِّ مَن اعترفَ مُتأخراً بما اقترفهُ من أوهامٍ صَنَعَها ليُصدِّقها مرةً بعد مرة؟وهل يجدي في السياسةِ نفعاً أنْ نظلُّ نكتشفُ أخطائنا مُتأخرين ثم نعاود ارتكابها من جديدٍ دونَ أنْ نتّعِظ؟

برؤوسٍ تطرقُ خَجَلاً ويأساً نزيحُ سِتارَ الغِشاوةِ عن أعيننا لِنَطلّ بخيبةٍ على مشهدِ خرابنا الذي ابتدأ بشرارةٍ أضرمتْها يدُ الفقرِ والبؤسِ قبل أنْ تُحرِقَ الحياةَ برُمّتِها..اليوم..لم يبقَ لنا في النفسِ من هذا الربيعإلا احتضار كلماتٍ يابسةٍ أخيرة نريدُ أنْ نكتبَ علىهشيمها اعترافنا الأخير..فماذا سنعترفُ إنْ اعترفنا؟

ربما سنعترفُ أولاً بما أبقتهُ لنا ثوراتنا في رؤوسنا من عقولٍ أننا خرَّبنا بيوتنا بأيدينامنذ أنْ قرّرنا خلعَ جلودنا الناصعة الفقرِ والبراءةِ وارتدينا لباسَ الثورة..فأطفأنا بغباءٍ لحظة صَحوٍ لم نكدْ نُصدِّقُ أننا سنُمسكُ بطرَفِ خيطها في يومٍ من الأيام..

نعترفُ أنَّ الحريةزغللتْ أعيننا بوَهجِ بريقها الخادع وسَرَقتناحتى منأنفسنافتوهَّمنا أنَّ حظَّ الأممِ قد ابتسمَ لنا بملء فمهِ أخيراً وسنطوي بهِ صفحة مآسينا إلى الأبد..

نعترفُ أننا في ذروةِ فرَحِنا بتساقطِ أحجارِ دومينو الطغاةأخطأنا كثيراً حينما أنصتنا بغباءٍ لأحلامنا الطائرةِ التي عزفَتْ لنا نشيدَ حريةٍ قديمٍ أصبحَ غيرَ صالحٍ للاستعمالِ العربي..

نعترفُ أنَّ فقرَنا الأثيرِ.. بضاعتَنا التي لم يَطلها تغييرٌ لا قبلَ الربيعِ ولا بعده والذي أدْمنّا رائحتهُ وارتضيناهُ..كانَ أهون علينا من موتٍ مُقيمٍ بِتنا نراهُ اليومَ بعينِ يقيننا كائناً يتنفسُ دمائنا دون أملٍ في الرحيل..

نعترفُ أنَّ بؤسَ أهلنا الأزلي المزروع مثلَ قدَرٍ قديم في بيوتِ طينِ قُرانا وفي شوارعِ مُدننا وعلى أرصفتها..والمنثور في مساكنِ صفيحنا وخرائبِ عشوائياتنا كانَ أرحمَ بنا من خيبةِ عيونٍ جائعةٍ ترمقُ سِلالاًانتظرتْ أنْ تأتيها مُحملة بالثمارِ فلم تَنَلْ منها غير عِجافِ الموت..

نعترفُ أنَّ خوفنا الأزلي الذي كان بَصْمتنا في الحياة ووصمتنا في آن.. ذلك الذي قاسَمَنا مرارة هزائمنا كلها..كانَ أكثر أمْناً لنامن حُزمةِ وعودٍ غارقة في مستنقعِ وهمٍ آسن أغرتْ ليالينا بوميضِ فجرٍ كاذبٍ في سماءِ انتظارنا الطويل..

في البدء..التمسنا لأنفسنا بعضَ العُذرِ حينماتحرَّكَ جنينُ الحريةِ في رَحمٍ كنّا قد حَكمنا بعُقمهِ فانتبهنا مذهولين..وما علمنا أنَّ وليدَنا الذي انتظرناهُ طويلاً وُلِدَ ميتاً من فورهِ قبلَ أنْ يتنفسَ هواءَ الفجر..

صدّقنا أكذوبة أنَّ فجراً غابَ عن سمائنا دهراً يُمكنُ أنْ يُمزِقَ بلحظةٍ سِتارَ ليلٍ ثقيل ويزورَ ديارنا دونَ ثمن..فكم كُنّا واهمين..

لماذا لم نَعي أنَّ السياسةَ عالَمٌ أرضي..والأحلامَ كائنٌ سماويٌّ لا مكانَ لهُ على تُرابها؟ كائنٌ يسبحُ بلا جَناحٍ في سَماءٍ عاليةٍ يتنفسُ عَطَشاً نرجسيّاً لِما يفتقده..حتى إذا اخترقَ مجالَ السياسةِ الأرضي ماتَ مُختنقاً دونَ أنْ يشعُرَ بهِ أحد..

كيفَ بِمَنْ أدمَنتْ أعينهم البكاءَ أنْ تألفَ فرَحاً لم ترهُ أبداً؟ كيف بِمَنْ احترفتْ أفواهُهم عزفَ ألحانِ النواحِ والعويلأنْ تتقنَ زغاريدَ نَسِيَتْها من فرطِ غيابها الطويل؟

نحنُ شعوبٌلا تُحسِنُ الفرحَ أبداً..كأنهُ بَطَرٌ حضاريٌّ لا يليقُ بفائضِ ما تراكمَ فينا من حُزنِ متوارثٍ لعقودٍ طويلة سلخَ الطغاة فيها جلودنا وطوعونا لِطغيانهم..فما الذي أغرانا أنْ نشيحَ بوجوهنا عما ألفناهُ ونولّيها شطرَ ما لا نُجيده؟

كأنَّ نفحة من غرورٍ إمبراطوريٍّ قديم هبَّتْ فجأة على مقبرةِ هزائمنا العتيدة فأغرتنا بالمستحيل..أو لوثة من نبوءةٍ (ماغوطيةٍ) ساخرة نَخَرَتْ عقولنا وغَرَسَتْ في صحرائها بذرة أملٍ مُنقرضة..تلك النبوءة التي شبَّهتْ طغاتنا بأرقامٍ قياسية لابدَ أنْ يأتيَ عليها يومٌ وتتحطم..ولفرطِ سذاجتنا صدّقنا ذلك..كيفَ غابَ عنّا أنَّ الطغيانَ هذا ثعبانٌ أزليٌّ..ربما يُبدِّلُ جلدهُ القديم كلما تعفَّنَ بآخر جديد لكنهُ كأيِّ كائنٍ شيطانيٌّ لا يهرمُ ولا يموت..

صدّقنا أننا أكبرُ من الألمِ وأطولُ منهُ نَفَسَاً..أذهلناهُ بصبرنا طوالَ عقودٍ ولم يخرقْ صُحبتنا لهُ أيُّ شيء..قلنا إذا حانَتْ لحظة الموتِ فالأمرُ عند النفسِ سيّانٌإن ألهاها نزيفُ جُرحٍ واحدٍ أم تكاثرَ عليها نزيفُ الجِراح.. ففتحنا على طولِ الوطنِ وعَرضهِ جِراحاً مُتزامنة ما علمنا أنَّأحداً لن يًهدهدَ عويلها عِوضاً عنّاوتُرِكنا وحدنا كيأسِ جُنديٍّ أعزلٍ قذفتْ بهِ يدُ الأقدارِ لينتصفَ معركة تلاطمتْ فيها السيوفُ والرماحُ من كلِّ مكان..ما علمنا أنَّ بابَ يأجوجَ ومأجوجَ التي فتحناهابأيدينا ستُفضي إلى ألفِ بابٍ وبابٍ كلها تقذفُ بنا إلى ذاتِ الجحيم..واليومَ نعترفُ أننا اكتشفنا ذلك أيضاً كعادتنا.. مُتأخرين..

كيف نسينا في غمرةِ فَرَحِنا الزائف أنَّ الثوراتَ يخطفها دائماً طُغاة جُدُد تُباركهم الشعوبُ كي يرسموا على خرائطِ مصائرهم أدواراً مُتجددة وأنَّ الثمنَ الباهظَ لا يدفعهُ سواهم بما يسفحونَ من أنهارِ دماءٍ يبيعُها طغاتهم الجُدُد لاحقاً في مزادِ الوطنيةِ والانتماءِ الجديد فورَ أنْ يجثموا فوق الصدور؟ تلكَ هي دورة حياةِ الطغيانِ في أوطاننا عِبرَ العصور..أخبرَنا التاريخُ بهذا مراتٍ ومراتٍ فلمْ نعبأ أبداً بما يقول..وأخبرَنا أيضاً أنَّ ثمنَ ربيعِ الشعوبِ باهظٌعلى الدوام.. فحفظنا منهُ ذلكَ ولم نعجبْ..لكننا عَجِبنا أنَّزلزالَ يأسٍ مُدمرٍضربَ مُبكراً سواحلَ أملنافتحولَ بنا المسار..وبدلَ أنْ يمتدَّ الربيعُ تحت أرجلنا جسراً يَصِلنا بضفافِ الحريةِ أسْلَمَنا إلى موتٍ إمبراطوريٍّ مُتوجٍ بجبروتهِلا يُشبِعُ غرورهُ إلا أنْ نفرشَ لهُ دمائنا بِساطاً يمشي عليهِ مُتبختراً إلى مجدهِ الدموي..

ألمْ تحملْ أيادينا أغصانَ الزيتونِ وسطَ الميادين؟ ألمْ نرفعْ راياتٍ بيضاء فوق الرؤوس؟ ألمْ نُطلقْ في السماءِ طيورَ السلام؟فلِمَ أكملنا إذن كلَّ ما ابتدأناهُ بفصلِ خُرافةٍ بربريةٍ حَلّقتْ بألبابنا في فضاءِ وهمها الأسطوريٍّ؟

ها نحنُ قد اعترفنا مُتأخرين أنَّ الفجرَ كان أكبر أوهامنا وأننا لم نحصدْ فيهِ إلا أشواكاً ملغومة نحن الذين زرعناها..فَهل مِن فجرٍ جديدٍ سيولدُ من رحمِ أفقنا المُظلم لنُبصِرَ ثانية تلكَ الينابيع التي تفجّرَتْ من بينِ صخورها يوماً أولى قطرات الأمل؟أم تُراها هي أيضاً محض أحلامِ يقظةٍ كتلكَ التي أغرتنا بعصرٍ جديد حينما أنصتنا وطربنا ورقصنا حدَّ السذاجةِ على أنغامها قبلَ أنْ نكتشفَ أنَّ ذلكَ كلهُ لم يكنْ إلا مَحض كَذِبٍ وخِداع ؟


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق