]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مواقف في حياتي تشهد بالفضل لهؤلاء

بواسطة: د. خالد سرواح  |  بتاريخ: 2014-10-21 ، الوقت: 04:25:37
  • تقييم المقالة:
مواقف في حياتي تشهد بالفضل لهؤلاء (1) لا شك أن كلاً منا يمر في حياته بمواقف صعود وهبوط مختلفة تُظهر له العدوَ من الحبيب. وإن كانت المواقف السعيدة وحدها لا تكفي لذلك، فمواقف الشدة أجدر بأن تفرق بين صديق المناسبات السعيدة الذي لا تراه وقت الشدة والصديق الصدوق الذي تجده عند الحاجة ودون أن تبحث عنه. وصدق المثل القائل: عند الشدائد يُعرف الإخوان. لستُ بصدد الحديث هنا عمن فقدتهم وقت حاجتي إليهم، فهم كُثر ولا يستحقون الحديث عنهم؛ لكني أسجل مواقف معدودة لأناسٍ قدموا القُدا في الإخلاص والعمل دون مقابل. وقبل أن أسجل هذه المواقف النبيلة لهؤلاء، أؤكد أن الدافع الرئيس وراء ذلك هو الاعتراف بفضل الآخرين داعيًا لهم بالخير.وهؤلاء الأساتذة الذين أريد الحديث عنهم كلٍ على حده بهذه الصحيفة هم، حسب الترتيب الزمني في تعاملي معهم، د. فاروجان كازنجيان وأد. حسن البنا محمود جاب الله والمهندس أحمد بندق (وهو خالي رحمه الله) وأ. وسيم زعير وأد. عبدالجواد النادي ود. معتز السروجي ود. حسن عبدالمحسن (رحمه الله) وأد. عبدالعزيز حمودة وأد. صدقي صديق وأد. محمد الزغبي.

         أول هؤلاء هو د. فاروجان كازنجيان، مدرس الشعر الإنجليزي بجامعة طنطا، شفاه الله وهداه إلى صراطه المستقيم. وفضل د. فاروجان علىَّ (بعد الله تعالى) لا يقتصر على تدريسه مادتي الشعر والدراما لنا كطلاب بجامعة طنطا (حيث درس لنا مادة الشعر الإنجليزي ثلاث سنوات كاملة—قبل تقسيم السنة إلى فصلين دراسيين—في الفرق الثانية والثالثة والرابعة بالإضافة إلى مادة المسرحية الحديثة مناصفةً مع د. عزة جادالله بالفرقة الرابعة). وكان للدكتور فاروجان أسلوبًا خاصًا ميزه عن غيره في تناول العمل الأدبي سواء بطريقته المتأملة في تحليل القصيدة أو بنقده الموضوعي للنص المسرحي. حدث لي موقف مع د. فاروجان كان بمثابة نقطة تحول في حياتي الأكاديمية كلها. قبل أن يُنهي محاضرته الأولى التي أدهشنا فيها بطريقته المذهلة في الشرح والتحليل، طلب منا تحضير القصيدة التالية وكانت بعنوان A Valediction Forbidding Mourningللشاعر الإنجليزي المعروف جون دن John Donne. لم يكد يغادر الدكتور المحاضرة حتى هرعتُ إلى المكتبة لأبحث عن شرح للقصيدة ونجحت—من وجهة نظري وقتئذ—فيما فشل فيه زملائي. وكما اعتدنا مع من دَرَّسَ لنا الشعر في السنة السابقة (الفرقة الأولى)، نقلتُ شرح القصيدة من أحد المراجع المتخصصة لكن بأسلوبي وكنت الوحيد الذي قدم الشرح مكتوبًا في المحاضرة التالية للدكتور فاروجان الذي وعدني بأن يقيمه ويعيده ليَّ في المحاضرة القادمة. وجاءت المحاضرة التالية وانتهت دون أن يشير الدكتور إلى شرح القصيدة الذي كنت أظنه مجهود سيشكرني عليه. لحقتُ بالدكتور فاروجان عند خروجه وذكرته بتقييم الشرح الذي قدمته له. هنا تذكر الدكتور الأوراق وأخرجها من حقيبته متسائلاً في عجب وبالإنجليزية التي لم يتكلم معنا بسواها: "هل هذا شرحك؟" أجبته: "بالطبع لا فقد نقلته من أحد المراجع لكن بأسلوبي." هنا غير الأستاذ والمُعلم لهجته ليعلمني كيف أقيم القصيدة بكلماته: "أنت نقلت هذا الشرح من أحد المراجع. تمام." أجبتُ بـ"نعم." ثم رد: "وأين أنت؟" وبحياءٍ شديد أضاف: "هذا انتحال. يجب أن تقرأ القصيدة جيدًا وتفهمها وتقيمها أنت وتوضح رأيك دون أن تتأثر بما قاله الآخرون. ثم بعد ذلك ترجع إلى ما قاله النقاد عنها وهنا ممكن تأخذ فكرة أو وجهة نظر تتفق معها أو تعارضها وتشير إلى ذلك المرجع في النهاية." بعد أن أنهى الدكتور كلماته التنويرية وشكرته على نصيحته، تركتني لأقف مع نفسي دقائق متأملاً لأنتبه لما كنت غافلاً عنه. وأصبحت كلمات د. فاروجان بمثابة مبادئ تحكم تناولي لأي عمل أدبي بعد ذلك. ورغم أنه كان هناك من الأساتذة الآخرين من لم يرحب بهذا الأسلوب الإبداعي في الدراسة لتعوده هو الآخر على النظام التقليدي الذي يقتل الإبداع بإلغائه العقل، إلا أنني لم أتخل عنه في تناولي لأي عمل أدبي لإيماني به في بناء الثقة بالنفس وعدم التأثر بأفكار مسبقة. وكان لذلك عظيم الأثر في دراساتي اللاحقة خاصةً الماجستير والدكتوراه حيث كانت الأولى (وهي دراسة لـ"هاملت" شكسبير في ضوء المذهب الكلاسيكي) دراسة نقدية جديدة رفضت النظرية التقليدية التي طالما نظرت للكلاسيكية من خلال كتاب أرسطو فن الشعروكانت الأخيرة (وهي دراسة لمسرح توم ستوبارد) ردًا على الدراسات السابقة لمسرح توم ستوبارد ونفيًا لما ذهبت إليه هذه الدراسات. هكذا علمنا الدكتور فاروجان كيف نكون أنفسنا عندما نتناول العمل الأدبي وأن يكون تأثرنا بالآخرين في حدود.

         لم تتوقف علاقتي بالدكتور فاروجان كأستاذ له فضل على، بل امتدت إلى الدكتوراه. فبعد أن قرأ رسالتي للماجستير التي دحضت كل ما قاله النقد التقليدي عن مفهوم الكلاسيكية في الأدب وقدمت البديل، اهتم بأن يقرأ رسالتي للدكتوراه التي أنهيتها تحت إشراف الأستاذ الدكتور عبدالعزيز حمودة (رحمه الله). كنت أنا الآخر مهتما بأن يقرأ لي د. فاروجان الرسالة قبل مناقشتها لثقتي بأنه سيلفت نظري إلى الكثير. وما أن طلبت منه قراءة الرسالة بعد أن أنهيتها حتى رحب بالفكرة وبالفعل أعطيتها له في بيته بمصر الجديدة. وبعد أن انتهى من القراءة—بعد ثلاثة أسابيع—دعاني الدكتور لمقابلته بنادي هليوبوليس لمناقشتي في بعض الأمور المتعلقة بالرسالة وكان ذلك يوم سبت ثاني أيام رمضان سنة 2005. استمر اللقاء بيننا من الثانية عشر ظهرًا حتى الثامنة مساءً ولم تسمح لي مناقشته الجادة وأفكاره النيرة من الاستئذان لكسر صيامي. كانت مناقشته أصعب بكثير من المناقشة النهائية للرسالة بجامعة القاهرة إذ تناولت كل ما يمت للرسالة من تفاصيل. استفدت منه كثيرًا ومن ملاحظاته ولفتاته البناءة. كانت ثقافة الدكتور فاروجان عميقة بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ. ولا أملك إلا أن أدعو له بالهداية والتوفيق.

          أما د. حسن البنا محمود جاب الله، أستاذ اللغويات المعروف بجامعة طنطا، ففضله علي بعد الله تعالى لا ينكره إلا ناكر. دَرَّسَ لي د. حسن البنا مادة تاريخ الأدب الإنجليزي بالفرقة الأولى ثم غادر مصر إلى السودان. كنا نسمع عن دقة د. حسن وصعوبة اختباراته ونتائجه ممن سبقونا من الطلاب، لذا كنا متأقلمين نسبيًا على أسلوبه الصعب في الشرح والمتابعة. لكن هذا لا يعني أننا كنا نفهم محاضراته بشكل كامل، وربما يرجع هذا لأسباب عديدة أهمها حداثة عهدنا بالجامعة وطريقته السريعة في الشرح وخلافه. لكن تدريسه لنا هذه السنة لم يكن بلا فائدة إذ أكد لنا أهمية أن يكون الطالب دقيقًا في اختيار الكلمة المناسبة في السياق المناسب. هذا ما أضافه لنا د. حسن البنا لنا جميعًا كطلاب (وما كان له أثر في اهتمامي بالفروق الجوهرية بين الكلمات الذي تطور فيما بعد بإخراج معجم الكلمات الإنجليزية المحيرة).

          أما عن فضل د. حسن البنا علي بشكلٍ شخصي فلا يقتصر على موقفٍ واحد أو حتى عدة مواقف، بل شمل فترة زمنية ليست بالقصيرة والتي بدأت في عام 1997 تقريبًا. عقب تسجيلي لدرجة الماجستير بقسم اللغة الإنجليزية بآداب طنطا، بدأت معرفتي الحقيقية بالدكتور حسن ومعرفته هو بي بسبب موقف خلاف بسيط مع أحد الأساتذة حول نقطة أكاديمية تتعلق ببحثٍ له طلب مني مراجعته. احتكمتُ ساعتئذٍ إلى الدكتور حسن لكفائته الأكاديمية المعروفة. وعندما استمع د. حسن البنا لوجهة نظري الأكاديمية حول نقطة الاختلاف بيني وبين الأستاذ، أيد رأيي ضد رأي الأستاذ. ومنذ تلك اللحظة، بدأ اهتمام د. حسن بي بسؤاله عن اسمي وعنواني وطبيعة وجودي بالقسم—إذ كنتُ على منحة دراسية للماجستير في ذلك الوقت. فوجئتُ بعدها باتصاله بي واصراره على أن أقوم أنا بتدريس الجزء العملي لمادته بمعمل اللغويات. وعندما أخبرته بأن القسم مليئ بالمعيدين، أصر بقوله "لا أثق في أحد ليقوم يتدريس الدروس العملية بمادتي غيرك. فأخبرني موافق أو غير موافق ولا تقترح علي أحد؛ فأنا أعرف أن القسم به معيدين." ولا شك أن هذه الثقة من أستاذ بحجم د. حسن البنا كان لها عظيم الأثر في حياتي الأكاديمية. ...واجهت العديد من المشاكل الأكاديمية قبل أن أحصل على الماجستير وكانت كلها نابعة من اختلافي مع المشرف في كثير من وجهات النظر، لكن دعم د. حسن البنا الأكاديمي والمعنوي كان عونًا لي على الصبر والمثابرة واستكمال الرسالة بإذن الله. لم تنته علاقتي بالدكتور حسن البنا بمناقشتي للماجستير، بل استمرت حتى بعد تعييني مدرسًا مساعدًا بكلية التربية ببورسعيد حيث كان دائم النصيحة والمساعدة وقت حاجتي إليه. وأحمد الله تعالى أنني لا زلت على تواصل جيد مع أستاذي د. حسن (حفظه الله) من آنٍ لآخر.   

 


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق