]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

سوريا: تاريخ من الأخلاق!

بواسطة: أحمد المغازى كمال  |  بتاريخ: 2014-10-04 ، الوقت: 10:46:24
  • تقييم المقالة:

تدمر المدن وتكسر الحجارة وتهدم البنية التحتية، ولكن الخوف الأعظم أن يهدم البشر ويكسر الإنسان، وقتها تكون الخسارة فادحة والثمن عظيما. ولعل هذه هي المسألة الجوهرية الأساسية اليوم التي يغفل عنها الذين يتابعون المأساة السورية وتبعاتها المفزعة؛ فحجم «التلوث» الفكري الذي دخل الساحة السورية من خارجها مفزع ومهول وانتشرت فتاوى القتل والتنكيل على ألسنة أنصاف الدعاة من الطرفين وتحول الشباب إلى وقود النار. خاطب الله سبحانه وتعالى في مواقع مختلفة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بحيث لا يمكن بناء عليه فهم آيات القتال الواردة في القرآن الكريم إلا كدفاع عن النفس، لأن الجهاد في سبيل الله فكرة مختلفة تماما، ولذلك من الهول تصديق من يقول بقتل إنسان آخر بداعي حب الإله أو العقيدة أيا كانت هذه العقيدة، فهذا أمر لا يفهم ولا يمكن استيعابه أبدا كونه يتعارض مع أصل الدين وهو حب الله، فأي منطق وحب يدعو لقتل البشر بدافع حب خالق البشر؟! ولكن يبدو أن القول المأثور «من الحب ما قتل» بات أفيون من يقاتلون اليوم باسم الدين وتغيب عقولهم عن الحق المنشود. أحد «الشوام» الأصليين الذي اعتز بصداقته قال لي وهو يتذكر تركيبة المبادئ والقيم السورية التي يتناساها من يقاتلون اليوم باسم البلاد: كنت أجلس مع جدي أو حتى والدي ولم يكن بالطبع في جلستنا هذه لا مسيحي ولا يهودي بيننا وكان يقول لي بطبيعة وعفوية أخاذة ولافتة جدا في الإشارة إلى أتباع الديانتين «فلان من إخواننا النصارى أو فلان من إخواننا اليهود»، وإذا كان جدي أو والدي تربيا أو ترعرعا على الطائفية والحقد الأعمى فما الذي يدفعهما إلى هذه الإشارة الرقيقة والخلق النبيل؟ إن لم تكن هذه أخلاق الحضارة ونبل الرقي ومعنى الأصول أو كما يشير إليها أهل الشام «الأكابريه» فماذا يمكن أن نسميها؟ وإذا لم تكن هذه أسمى معاني التربية الراقية على أصولها فماذا يمكن أن يطلق عليها؟ هكذا كانت معادن وأخلاق أهل الشام حقيقة.. هكذا تعلموا وهكذا عاشوا، وهكذا عاشروا ولهذا كانت هذه البلاد رمزا للحضارة والنماء وواجهة مشرفة للنبل والرقي وتمكنت من تصدير هذه المعاني حول العالم بسفرائها من أهلها الذين عكسوا ذلك أينما رحلوا، وأطلق عليها ذات يوم «شام شريف» وقارا واحتراما وإجلالا للمكان وللناس الذين فيه. كل ذلك كان يظهر في السلوك والمسلك وأسلوب التعامل والمخاطبة حتى باتت المفردات السورية الأصلية معايير للتعامل الإنساني، فكلمة عائلة فلان مستورة هي إشارة لحال المسكنة التي هي عليه، وأحوال عائلة فلان رقيقة هي إشارة للفقر، وأنا ذاهب لواجب الأجر إشارة للقيام بواجب العزاء في الميت بعد مرور أول عيد على وفاته، وأكرمنا الله ببنت فذلك إشارة إلى أن المولودة جاءت أنثى.. هكذا كانت المفردات وهكذا كان الأدب وهكذا كانت الأصول.. هكذا سادوا وبهذه فتحوا إسبانيا الأندلس وأواسط آسيا ووصولا إلى حدود الصين. العالم العربي فتن وسحر بالدراما السورية الخاصة بالحارات الشامية القديمة نظرا لما كان فيها من تركيز على أداء الواجب والنبل والوفاء والأخلاق ومخافة رب العالمين والتواصل والترابط والتكافل الاجتماعي العظيم.. هذه هي عظمة سوريا وشعبها وهي المادة الجينية الأولية التي حاول النظام الأسدي القضاء عليها، محاولا إفساد هذه النبتة الصالحة بالإرهاب والفساد والطغيان وطرد وتهجير الشرفاء منهم. ولكن الحق بان وهو أن معدن سوريا ومعدن السوريين أصيل ولن يختفي ولا بد لهذا الليل الحزين أن ينجلي ويسطع نور الحق. سوريا تستحق الخلاص مما هي فيه وشعبها الكريم يستحق أن يعيش حرا كريما لأن معدنه يستحق ذلك.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق