]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ماليزيا النموذج،... هل يستلهم العرب؟

بواسطة: Abubaker Sinat  |  بتاريخ: 2014-09-28 ، الوقت: 09:42:10
  • تقييم المقالة:

خلال أيام قليلة من تواجدنا على أرض ماليزيا،كنا قد بلغنا من سفرنا ذلك نصبا وكان التعب قد نال منا قسطا وفيرا، ذلك أننا ما نلفت نحاول ان ندخل معظم الأبواب التي ينبغي على الزائر لماليزيا أن يطرقها... يتوجب علينا الإستمرار في درب الإطلاع رغم الصعاب، يتعلق الأمر كثيرا بكيفية التنقل من مكان الى آخر إذ علينا أن نطرح الكثير من الأسئلة وغالبا ما نصطدم بالماليزيبن غير المتمكنين من اللغة الإنجلبزية أو بالأجانب الذين يعانون المشكلة ذاتها.

ماليزيا بلد سياحي بامتياز، فعلى غرار تعدد جزرها الغريبة، هي ذات معالم سياحية لا تنتهي، سواء تعلق الأمر بالطبيعية منها، التاريخية، البناءات الحديثة أوالمعالم الدينية.

جغرافيا، تعد "جزيرة لنكاوي" عروسها الخلابة المليئة بالأسرار والجمال، أما مرتفعات "جنتنج هايلند" فتوجد فيها أكبر المدن للألعاب في شرق آسيا بكاملها، وتشكل "أفاموسى" مدينة المغامرات لإحتوائها على مختلف الحيوانات الأليفة والمفترسة، هذا إضافة إلى شلالات "كاميرون" أين يأخذ التمتع بعده الحقيقي من خلال ركوب"Téléphérique".

 المعالم التاريخية هي أيضا حاضرة، يتعلق الأمر بالقرية الفرنسية "بوكيت بنجي" ذات الأنفاق والمطاعم القديمة المفعمة بالنسق الفرنسي الأنيق. البناء القديم "جين سينج" 1909، الذي يتضمن هندسة ثنائية بريطانية مسيحية وماغولية إسلامية. "بنك بيمي بوترا" العريق 1909، والذي كان مهد الإذاعة الماليزية في مدينة "مالايا". هذا إضافة إلى "سونطرال ماركات كوالا لمبور، باوار سيني" 1888 و"قيان ين تامبل" 1880. ويشكل المتحف الوطني "Muzium Negara"، المؤسس سنة 1963 التحفة الأثرية لسطلنة المملكة من خلال هندسته المالوية الإسلامية الأصيلة.

أما فيما يتعلق بالبناءات الحديثة، فتشكل أبراج "بيتزوناس توين تورز وklcc park" المنشأة حديثا 1998، أهم المنشآت الإقتصادية إذ تصنف واحدة من كبريات الأبراج العالمية. أما منارة Kl Tower & Kl Eco-forest Park، فتعد برجالاتصالات السلكية واللاسلكيةالأعلى في جنوب آسيا وتحتل المرتبة السابعة عالميا. هذا إضافة إلى الأسواق الإقتصادية الحديثة والتي تغزوا الساحات وما تحتها، مشكلة بذلك سلسلة مترابطة تفضي بعضها الى بعض في نسق كبير.

أما ما تعلق بالفنون المستحدثة فيمكننا أن نرى بوضوح لمسة الماليزيبن وإبداعاتهم، فالأمرغاية في الجمال والإبداع، إذ تشكل حدائق الطيور والفراشات "Birds and butterflies park" صورة جمالية لا مثيل لها على غرار المزارع الشاسعة للفراولة والشاي التي تعد مقصدا للسواح والمهتمين بالزراعة عموما.

إننا عندما نتحدث عن الإسلام في ماليزيا، علينا أولا أن نتفحص بناءاتها الدينية من مكتبات ومدارس قرآنية ثم أن نزور بعض مساجدها، مسجدMasjid Jamek  أحد البناءات المغولية الشهيرة الذي يعد المعلم الديني الأول في البلاد، يلتقي حوله المصلون من كل أماكن الدنيا إذ تلتصق به سوق الألبسة الماليزية "schopingSogo"، التي تعد مرتعا للكثير من الزوارعلى اختلاف أجناسهم.أما مسجدPutrajaya  فهو ذو هندسة معمارية فريدة تقل مثيلاتها في العالم الإسلامي، فوحده يشكل معلما إسلاميا يجسد عقيدة الماليزيين بشكل جلي.

التقدم التكنولوجي الذي تشهده ماليزيا اليوم، يقودنا إلى الحديث عن جامعاتهم وما تقدمه من بحوث أكاديمية تتزاحم حولها المطابع لتملأ مكتباتها بعدئذ، هذا على غرار ما تزود به مكتبات بعض الجامعات في الخارج.   الجامعات الماليزية اليوم، قبلة للكثير من الطلبة النجباء من شتى أنحاء الدنيا لما تتميز به من حداثة البرامج ومناهج التكوين المواكبة للعالم المتقدم في شتى المجالات خاصة التكنولوجية منها، وإلا كيف يفسر التصنيع الذي تتحدى من خلاله كبريات الشركات الإمريكية واليابانية لتصنيع السيارات والإلكترونيات الدقيقية، إنها اليوم تقتحم مجال التصنيع الجوي بتحد كبير.

في هذه البلاد يعرف كل فرد قدره وحدود مساحته مع أن كل شيئ مباح وكل شيء قابل للبيع أيضا، المدن على كثرتها ملتصقة بعضها ببعض إذ من الصعب تمييزها ... سعة صدور الماليزيين لا حدود لها، فلو دخل من خلالها البشر جميعهم لوسعتهم!! ومع أن الشوارع مكتضة بالمارين والأسواق الموجودة تحت وفوق الأرض على كثرة طوابقها والممتدة لمساحات لا يمكن تصورها لا تهدأ ليل نهار، إلا أن كل شيء يسير بنظام وكأن الهدوء مفتعل!... طبعا لكل شعب خصائصه وتقاليده، الذي يؤرقنا هاهنا المناخ الإستوائي ذو الرطوبة العالية والدائمة.

أما بالنسبة للغذاء فكل شيئ قابل للأكل هنا!إذ لا وجود في هذه البلاد للسلع الأوروبية ولا الإمريكية إلا نادرا، فلا حرج أن تجد أطباق الضفادع وجميع أنواع الحلزون أو لحوم القطط  والزواحف مع الديدان أمامك فيما يتناول آخرون خليطا من الأعشاب والحشائش التي لا تخلو من التوابل وبعض الحشرات بشهية كبيرة ! !عزاؤنا نحن في إخواننا السوريين الذين يقدمون الشوارما وبعض البطاطا المقبولة بالنسبة لنا وإلا فالأرزعند الضرورة آخر ملاذنا.

أنا، يؤرقني أن أمسي ولا أجد متنفسا في فنجان قهوة أستريح أو أنسى من خلاله ضنكة تعب وسفر مستمر لساعات طويلة،  فالقهوة هنا تحمل الاسم من غير معنى، صينية، ماليزية أو إيرانية معبأة بالتوابل وفي أحسن الأحوال إمريكية باهضة الثمن ذات تأثير قليل. 

في إحدى ضواحي منطقة "بوكيت بينطان" التابعة للعاصمة "كوالا لمبور"، شارع عظيم يسمى "شارع العرب". كنا نعتقد أن هذا سيكون بعض ملاذنا، لكننا فوجئنا بقوم يعيثون في الأرض فسادا، تمنيت للحظة أن تزلزل الأرض من تحت أقدامهم، إذ يتفننون في هدر المال في السهرات الإباحية، لتأخذه العاهرات ومن ورائهن بارونات بني صهيون في حين تعاني شعوبهم الفقر والحرمان من أبسط معاني العيش الكريم والتعليم الصحيح!!... هنا يتحول أشباه الرجال من الأثرياء العرب في لحظات إلى مخنثين ومجانين، يعيثون في الأرض فسادا ثم يرمقوننا ببسمات كلبية بلهاء إذ نعرض عن مشاركتهم جنونهم!

إختصارا، هذه الصورة مع أنها ليست حصرية على إعتبار أنها موجودة في أغلب الدول ذات الطابع السياحي الممتاز، إنما تصور بدقة ما ذهب إليه المفكر "شكيب أرسلان" في موضوع أسباب تأخر المسلمين وتقدم غيرهم... ربما هذه بعض أسباب تدني كبريائنا العربي، ذلكالذي ساهم  في تخلفنا والحط من قيمتنا عند الآخر إلى الحضيض،... لتبقى شعوبنا تتكبد عناء التقهقر في جميع المستويات مسجلة أكثر الضحايا لمثل هذه الحماقات والترهات...

إننا عندما نقف على معظم الأسباب المباشرة وغير المباشرة لواقعنا العربي الذي يزداد تخلفا وتطاحنا يوما بعد آخر، إنما ينتابنا الشعور بالغبن والأسى... ففي الوقت الذي عمل الغرب فيه ولا يزال على تطويع التراث اليوناني واللاتيني وتذليله ثم تقريبه إلى أذهان الطلاب في كل مراحل التعليم، بحيث أصبح جزءا من ثقافة الشخص العادي وتكوينه العقلي، لا تزال لدينا فجوة هائلة بين حاضر الثقافة العربية  وماضيها... إنما أحد أهم أسباب هذا الإخفاق، سيطرة بعض الجهال على مصائر الثقافة عندنا... إذ لم ينتبه هؤلاء في مراحل سابقة عندما غزانا الغرب بفلسفات لم يطبقها في بلاده وهي أن يكون النص أو البرنامج الدراسي في مستوى عقلية الطالب فتبذل الجهود المادية والمعنوية المعتبرة في هذا السياق الخاطئ، إذ العكس هو الصحيح، فحينما كان هذا هو السائد أنجبت المدرسة وقتئذ العباقرة الكبار وعرف مستوى الطالب العربي قيمة لا بأس بها مقارنة بأقرانه في البلاد غير العربية.

اليوم لا يستطيع أغلبية من يدعون الثقافة ويمسكون زمام أمورها في البلاد العربية أن يقرؤوا بيتا شعريا صحيحا للمتنبي أو تفسير آية بسيطة من قصار السور للأسف الشديد... يفتقر المسؤولون بصفة عامة والقائمون على القطاع بصفة أخص إلى النظرة العميقة والبعد الإستراتيجي لمادة القراءة والتعليم أولا، الشيء الذي ساهم ولا يزال في تدني مستوى التعليم ومن ثمة الجانب الثقافي وكل أساليب التعامل والتفاعل الإجتماعي، لتجد المادة المناخ مواتيا فتعشعش وتفرخ بشكل مذهل... لنقف في الأخير على واقع متعفن ومريض يسوده زوال القيم بإمتياز، هذا الواقع الرديء الذي يستعصي دواءه يوما بعد آخر...

هناك الكثير من الحلول التي تم اقتراحها في هذا الجانب، وهي صحيحة من الجانب النظري، لكن الواقع أثبت أن فاقد الشيئ لا يعطيه!والأكثر من ذلك أن يمضي الجهال في معاكسة العلماء والإبحار عكس التيار كمن يقتل نفسه بنفسه... ليس المقام تشاؤميا بقدر ما هو واقعي..." أن يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعل العدو بعدوه"، ... كم علينا أن ننتظر؟ هذا النوع من البشر لو كلفهم الدهر كله لما مضوا إنشا واحدا في الإتجاه الصحيح للأسف الشديد!!

إنما يجرناهذا إلى الحديث عن مشكلة الأمراض والأزمات النفسية التي لا تزال مجتمعاتنا تتخبط فيها وكيف سيقت مجبرة إلى هذا النوع من الغوغاء، وإلا كيف نفسر تدني مستوى التربية في الأوساط الشعبية واللامبالات التي أضحت الميزة الأساسية لدى العامل في بلادنا إلى درجة أن أصبح الحديث عن المردودية كالنفخ في الفراغ... ربما هذه بعض الأسباب التي فصلها "ابن خلدون" بشكل دقيق في المقدمة، متحدثا عن حركية التاريخ، لأنه عندما امتلك العرب خصائص القوة، صنعوا تاريخا وحضارة، ونحن اليوم لا نملك سياسات واضحة تؤهلنا للحاق بركب التقدم وصنع الحضارة لأننا نفتقد معيار صنع التقدم ذاته الذي هو التحكم في علوم وتكنولوجيا العصر.

هناك في الجهة الأخرى، في "ماليزيا" تحديدا وجدت أنهم تجاوزوا مشكلة المادة بمعنى جمع وتكديس الأموال أفرادا أوجماعات. الأهم بالنسبة إليهم خدمة الأفكار ومن منهم تتحدث عنه وسائل الإعلام أنه قدم شيئا مميزا  لبلده؟ أساليب العيش الهنيئ متوفرة للجميع فليس هناك من داع لجمع الأموال أو الهرولة نحو الغنى بشتى الأساليب كما عندنا!

إن فهمهم للمعاني السامية للحياة جعلهم يفضلون عيش حياتهم واستغلال كل لحظة منها في التمتع بها ورأية الجديد... لذلك أجدني أعتقد أنه عندما نسمع أن أحد الأغنياء في بلادنا العربية قد جمع ثروته من خلال الكتابة أو التأليف، عندها فقط نكون قد بدأنا خطوة الألف ميل...


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق