]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

يسوع والمحبة

بواسطة: قصي طارق qusay tariq  |  بتاريخ: 2014-09-23 ، الوقت: 19:48:03
  • تقييم المقالة:
يسوع والمحبة   نسمع نداء السيد المسيح: "كل ما تفعلونه نحو إخوتي هؤلاء الصغار فبي تفعلونه" (متى 25: 40).  

المحبة هي نوع خاص من أنواع الحب وتدل على الحب اللامحدود واللامشروط. بخلاف المعنى العام للحب، فإن المحبة لا تمثل الحب الجسدي بين البشر. بل تدل على الحب المطلق تجاه شخص ما أو فكرة ما أو الله من بعيدا الجنس أو العاطفية مع محبوب كما يفهم من كلمة "حب".

المحبة كلمة تستعمل في الفلسفة والدين للدلالة على العلاقة المعطاء الخالصة. ففي الإسلام، المحبة هي العلاقى التي تجمع المؤمنين فيما بينهم ومع البشر. وفي الصوفية، تصف علاقة الصوفي مع خالقه. وفي المسيحية، تدل على درجة احب الله تجاه البشرية كما تدل على الحب الذي بشر به المسيح ودعا الناس لتطبيقه حتى تجاه الأعداء. وهو الحب الذي أطلقه أفلاطون ويعرف بالحب الأفلاطوني.

وعليه تتميز المسيحية بتعاليم المحبة كسمة مميزة في الفكر الذي يُشكل بنيتها و التكليف السلوكي المُناط بأفرادها، و يمكن تلخيص الفكر المسيحي التطبيقي بكلمتين اثنتين وردتا في رسالة يوحنا الأولى، الفصل الرابع ضمن الآية الثامنة "الله محبة". و تركز المسيحية في تعليمها الخلاصي على الجانبين اللاهوتي الإيماني، و التشريعي الأخلاقي، و هذا الثاني هو موضوع حديثنا اليوم. تتسم نظرة المسيح بشمولية إنسانية تتجلى في فكرته الثورية عن "القريب" كما عرَّفته الشريعة الموسوية في سفر اللاوين الفصل التاسع عشر، و قصرته على اليهودي من أبناء الشعب، ليعيد تعريفها ثوريا ً و إنسانيا ً فيُصبح "القريب" في المسيحية هو كل إنسان و ليس فقط قريب الدم أو الدين أو الشعب، و يبرز هذا بوضوع شديد و انسجام فريد مع المنطق البشري في سفر لوقا الفصل العاشر ضمن مثل "السامري الرحيم".
و يُبرز المسيح التضامن البشري كنهج حياة و تكليف للمسيحين و أساس للخلاص الروحي كنهاية حتمية في إنجيل متى الفصل الخامس و العشرين عندما يُظهر نفسه كديّان للبشر في مجيئه الثاني، هذا الدّيان الذي سوف يحكم على البشرية لا من خلال إيمانها بقناعات مثيولوجية أو عقائدية عن حقيقة الكون و الألوهية و قصص النبؤات و الأساطير (و هذا موضوع حديث آخر) لكن من خلال التزام الفرد بإنسانيته و طبيعة تكوينه البشرية و الارتقاء بهما في علاقته مع الآخرين و سلوكه تجاه احتياجات إخوته و أخواته البشر، هذا التشريع و التكليف الذين نجد صداهما واضحا ً في رسالة يعقوب الفصل الأول الآيات 26 و 27، و الفصل الثاني الآيات 2 حتى 6 و 12 حتى 15.

إن ارتكاز المسيحية الأول في بنيتها هو على الجوهر الإنساني الذي تُعرِّفه باعتباره فعل المحبة و السلوك به، و يتجلى هذا في نمط حياة المسيح الكامل، و الذي هو شاهد حي بقوة الفعل المُعاش على تشريع تكليفي إنساني ثوري، ثم في تبشير الرُسل الأوائل و كتاباتهم و كتابات تلاميذهم، و ربما لا نُخطئ الحكم لو أبرزنا أن أعظم َ ما قيل في توصيف علاقات البشر ببعضهم بلغة الناس العادين بعيدا ً عن فلسفات المنطق و سفسطائيات النُخبة، هو توجه بولس الرسول للمسيحين الأوائل بنص الفصل الثالث عشر من رسالته الأولى إلى أهل كورنتس من الآية الأولى إلى الثالثة عشرة، فيما يُعرف اليوم باسم "نشيد المحبة".
الدعوة نحو الإنسانية في جوهرها لا تكتمل إلا بتطبيق عملي يقوم به أفراد يختارون هذا النهج ، ليستطيعوا بفهمهم الإنساني الانطلاق نحو حاجات الآخرين و تلبيتها، لرفع المعاناة عن البشر إينما وُجدوا و لتحقيق التكامل الإنساني و الارتقاء النوعي لجنس البشر، حتى إذا ما صلى المسيحيون "أبانا الذي في السموات" كانت ضمائرهم مُرتاحة ً و قلوبهم مُدركة ً أن الصلاة الربية السابقة لا تكتمل إلا من خلال صلاة ٍ إنسانية هي بالحقيقة فعل حي ينتج عنه تحقيق الاكتفاء البشري للقريب الآخر، و التضامن الإنساني الكامل.

وعلى عكس المحبة الخطيئة

الخطيئة رفض المحبة
الخطيئة، في الفكر المسيحي، ليست تعدّياً على شريعة يعتبرها الإنسان غريبة عنه، بل هي تنكُّر لمحبة الله، ذاك الإله الذي يرى فيه المسيحي عمق كيانه ومصدر وجوده وغاية حياته. انها رفض للدخول في حوار محبة معه ومع الناعم الذين خُلقوا على صورته ومثاله.
وهذا ما نقرأه في الكتاب المقدس منذ رواية الخطيئة الأولى في الفردوس. فالله خلق الإنسان على صورته ومثاله، وأراد أن تكون علاقته معه علاقة محبة وثقة، تلك العلاقة التي هي وحدها كفيلة بأن توجد كائناً حرًّا خلاّقاً. إلاَّ أنّ الإنسان رفض الله وقطع العلاقة معه. فالخطيئة الأساسية هي رفضُ الإنسان الدخول في علاقة محبة مع الله.
وبقطع الإنسان علاقته مع الله، تشوّهت بالفعل عينه علاقته مع ذاته ومع الآخرين. فالإنسان الذي كان قبل الخطيئة عائشاً في نعيم من السلام والانسجام مع الله ومع ذاته ومع الآخرين، صار بعد الخطيئة عرضة لشتى أنواع الاضطراب. فنراه يخاف ويختبئ من وجه الله، ويخجل من عُريه، ويفقد براءته وينشأ فيه القلق. وكذلك تشوّهت العلاقة بين الزوجين: آدم يتّهم حواء بأنها هي سبب الخطيئة، يرفض تحمّل مسؤولية ذنبه، والزوجان يرفضان مواجهة الواقع معاً في المحبة. وقُطعت أيضاً العلاقة ضمن العائلة: قايين يقتل أخاه هابيل. وقطعت العلاقة بين البشر. وترمز إِلى ذلك قصة برج بابل وبلبلة الألسن: إذ صار الناس عاجزين عن فهم بعضهم بعضاً وعن التفاهم بعضهم مع بعض. وأخيراً قُطعت علاقة الإنسان بالكون: فالأرض لم تعد جنّة نعيم، بل موضع العناء والتمزُّق، ويشير إلى ذلك الشوك، والعمل المضنيّ، والولادة بالأوجاع.
الخطيئة ليست مجرّد نقض لشريعة مبهمة مجرّدة. بل هي خيانة لعهد شخص، قطع لعلاقة مع صديق، عدم أمانة تجاه المحبة ومتطلباتها. وهذا ما يشير إليه الأنبياء في صورة الأمانة الزوجية بين الله وشعبه.

إنّ موضوع الخطيئة هو دوماً جرح في قلب الله وفي قلب الشخص البشري الذي خلق على صورة الله. وهذا يعنيه السيد المسيح بقوله أن أعظم الوصايا هي محبة الله، والوصية التي تشبهها هي محبة القريب (راجع متى 22: 36- 40). وهذا ما ردّده بولس الرسول بقوله: "إنّ الناموس كلّه يُتمَّم في هذه الوصية الواحدة: أحبب قريبك كنفسك (غلا 5: 14). ويوحنا الانجيلي بربط محبة الله بمحبة القريب: "إن قال أحد: إني أحبّ الله، وهو يبغض أخاه، فهو كاذب. فمن لا يحبّ أخاه وهو يراه، لا يستطيع أن يحبّ الله وهو لا يراه" (1 يو 4: 20- 21).
إنّ حوار المحبة الذي يكوّن علاقتنا بالله يظهر في حوار المحبة الذي يدعونا إليه كلّ الذين نلتقيهم في حياتنا والذين ينتظرون أن يشاهدوا من خلال وجهنا وجه الله، ومن خلال محبتنا محبة الله. في الأفراح والأحزان، في الصداقات والصراعات، وفي كل تطلّبات العدالة والأخوّة، لا نزال نسمع نداء السيد المسيح: "كل ما تفعلونه نحو إخوتي هؤلاء الصغار فبي تفعلونه" (متى 25: 40).
في هذه النظرة المسيحية لم يعد السؤال الأساسي سؤال معلم الناموس: "مَن هو قريبي؟" (لو 10: 29)، بل: كيف أحب كل إنسان "وأصير له قريباً" (لو 10: 36). إذّاك يتغير معنى التوبة. فالمسيحي لا يتوب خوفاً من عقاب الله الذي أغاظه تعدّي الشريعة. إنما توبته هي قبول الله الذي أحبّه وغفر له خطيئته، ويدعوه إلى أن يقوم من جديد لحياة محبة ومغفرة دليلاً على صدق توبته وعمق محبته.

لا شك أن المحبة هي دوماً حوار شخصي. ولكن بما أن الإنسان كائن بشري لا يحقّق إنسانيته إلاَّ ضمن علاقة بالمجتمع وضمن أُطر اجتماعية ونظُم سياسية واقتصادية، فلا يمكن للمسيحي إهمال هذا البُعد الجماعي في ممارسته المحبة. فالنظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يعيش فيها قد تكون ظالمة، والمحبة تطلب منه أن يعمل على تغييرها، بالتعاون مع جميع الناس من مسيحيين وغير مسيحيين "من ذوي الإرادة الصالحة".

إنّ هذه النظرة تحمل المسيحي في بحثه عن الخطيئة في حياته على ألاّ يسأل نفسه فقط عن أعماله الفردية بل عن المجتمع الذي يسعى إلى تحقيقه وعن القوى التي هو متضامن معها.
في المحبة تلتقي الأخلاقية المسيحية بالأخلاقية الطبيعية التي يسعى كلّ إنسان إلى تحقيقها. فالمحبة هي التي تتوّج التوق الإنساني الطبيعي إلى العدالة والتآخي. ثم أن تطبيق التوق الطبيعي إلى العدالة في تفاصيل الشرائع والمؤسسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية يتطوّر مع تطوّر الثقافة والحضارة. وللمسيحيين دور رئيس في هذا التطور. فالسيد المسيح، الذي يستنيرون بتعاليمه وأعماله، يرشدهم إلى معرفة المثال الذي يحقّق كمال الإنسانية، ويدعوهم إلى أن يكونوا كالخمير اليسير الذي يخمّر العجين كلّه بالمحبة التي تنبع من قلب الله.

نشيد المحبة(من رسالة القديس بولس الأولى إلى أهل كورنتس، الفصل13)
1- لو كُنتُ أنطقُ بألسنة الناسِ والملائكةِ، ولم تكُن فيَّ المحبة، فإنما أنا نُحاسٌ يطنّ، أو صنجٌ يرن
ّ.2- ولو كانت لي النبوءة، وكنتُ أَعلمُ جميع الأسرار والعلمِ كله، ولو كان لي الإيمان كله حتى أنقل الجبال، ولم تكُن فيَّ المحبة، فلستُ بشيء.
3- ولو بَذلتُ جميع أموالي لإطعام المساكين، وأسلمتُ جسدي لأُحرق، ولم تكُن فيَّ المحبة، فلا أنتفعُ شيئاً.
4- المحبةُ تتأنّى وتَرفُق. المحبة لا تحسُد، ولا تتَباهى، ولا تَنتفخ،
5- ولا تأتي قَباحة، ولا تلتمسُ ما هو لها، ولا تحتَدّ، ولا تظنُّ السوء،
6- ولا تَفرحُ بالظلم، بل تفرحُ بالحقّ،
7- وتحتملُ كلّ شيء، وتصدّق كلّ شيء، وتَرجو كلّ شيء، وتصبِرُ على كلّ شيء.
8- المحبةُ لا تسقطُ أبداً. أما النبوءاتُ فستُبطَل، والألسنةُ تَزول، والعلمُ يُبطل.
9- فإنّا نَعلم علماً ناقصاً، ونتنبأُ تنبؤاً ناقصاً،
10- فمتى جاء الكاملُ يبطلُ الناقص.
11- إني لمّا كُنتُ طفلاً كُنتُ أنطقُ كالطفل، وأعقِلُ كالطفل، وأفكرُ كالطفل، فلما صرتُ رجُلاً أبطلتُ ما هو للطفل،
12- لأننا الآن ننظرُ في مرآةٍ على سبيل اللغز، أما حينئذٍ فوجهاً إلى وجه. إني أعلمُ الآن علماً ناقصاً، أما حينئذٍ فسأَعلَم كما عُلِمتُ.
13- والذي يثبتُ الآن هوَ الإيمانُ والرجاءُ والمحبةُ. هذهِ الثلاثةُ وأعظمهنَّ المحبة


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق