]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

صبيـّـة الحـي

بواسطة: جمال ابراهيم المصري  |  بتاريخ: 2014-09-15 ، الوقت: 06:46:42
  • تقييم المقالة:

 

صبيـّـة الحــي

لا تزال في مخيّـلتك تلك الصبيّة وتلك الأيام والسنين الخوالي القليلة من عمر المراهقة ، الغنيّة بأجمل لحظات السعادة التي أبداً لن يمرّ مثيل لها ولن تنسى ، تلك الأيام التي كانت بطلتها صبيّة من الحي فتيّة ، كنت أنت تجلس لساعات طوال مع أصدقاء الحي على ذاك السور المنخفض ، والذي كان بمثابة مجلسكم المفضل ومكان تلاقيكم وذكرياتكم وشقاوتكم ، تجلس تلك الساعات الطويلة فقط لعلّ وعسى أن تخرج من منزلها .. لايهم .. برفقة أمّها أو أختها أو أخاها .. المهم أن تراها للحظات قصيرة جداً من عمر ذاك النهار .

     ها هي خرجت من منزلها .. ونظرت إليك بطرف عينها نظرة خجولة منكسرة .. وأنت كأنك امتلكت العالم .. ويوماً بعد يوم .. وبعد أن تأكـّدت الصبيـّة بأنك متيـّم بها .. أصبحت تمنحك وتجود عليك ببسمة خفيفة خجولة فقد اطمأنت إليك ، ولكن هذه الابتسامة كان يسكنها الخوف من أن يلاحظ أحد غيرك ما وهبتك .. فقد كانت العفـّة والخجل تقـدّس في تلك السنين الخوالي .

        ولا زلت تعيش تلك الذكريات الجميلة التي تختبأ في ثنايا صدرك .. وترقد في  صومعة أسرارك الدفينة الثمينة المحجوبة إلا عن ذاتك ، وها أنت في نهاية العمر لا زلت تبحث عنها ، بعد أن تبخـّرت الحارات وتفرّق الأطفال الأصدقاء ، ومحيت البيوت الصغيرة واستبدلت بالعمارات والشقق .. واكتسحت أزقتها واعتلتها الأرصفة والشوارع العريضة ، وكبر الأطفال الصبية وتفرّقوا وتشتتوا .. وغابت عنك الصبية وتجهل إلى أين .. ترى هل هي في هذا البلد ؟ هل تزوجت ؟ هل أنجبت ؟ هل كبرت .. وكيف أصبح شكلها ؟ ربما ماتت .. وربما لا تزال على قيد الحياة وقد شاخت .

     رغم انك أصبحت كهلاً .. إلا أن ما بداخلك يجعلك تعيش طفولة تلك الحارة .. لا زلت مراهقاً صبيّاً شقيـّاً .. ولا زلت تحنّ لطرفة عينها وإبتسامتها .. أنت لم تنل منها أكثر من ذلك .. ولكن هذا كان بالنسبة لك كبيراً كبيراً جداً ، لأنه تمكـّن من البقاء معك طوال عشرات السنين الماضية ، كلـّما ضاقت بك الدنيا تعود بذاكرتك لتلك اللحظات لتعيش بينك وبين نفسك سعادة لن تنضب إلى الممات ، وأجمل ما في الأمر هو الشوق لصبيّة الحي وعدم العثور عليها .. لتبقى الكنز الدفين الضائع المشوّق ، في زمن أصبحت الكثير من الفتيات هنّ من يتحرّشن ويغازلن الفتية .. واجتيزت حدود العفـّة والبراءة والاكتفاء بنظرة الخجل وابتسامة الاحتشام .. إلى الضحك الصـّاخب فين عرين الشوارع .. وروائحهنّ العطرية تفوح في كلّ مكان ... ولا زلت أحنّ إليك يا صبيّة الحي وأحنّ لبرائتك وبساطتك .

جمال المصري    

jamalmasri60@gmail.com


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق