]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

أَوَهَل للجمادِ من عاطِفة ؟!

بواسطة: أشرف محمد اسماعيل المحامى بالنقض  |  بتاريخ: 2014-09-14 ، الوقت: 12:54:26
  • تقييم المقالة:

العشقُ مبعثهُ القلب .. فهل للجمادِ ثمة قلب ؟.. العِشقُ مبعثهُ المشاعر .. فهل للجماد ثمة مشاعر ؟.. السؤالُ إذاً فى ظاهرهِ هو خطأ ولايمكن قبولهُ منطقياً .. لكن لو نظرنا للفكرة من ورائه وبمنطق الميتافيزيقا .. سنلمس أن للجماد مشاعر كما وللحجرِ قلبٌ يشعُرُ به .. كيف ؟

لاشك قد صادف كل منا ارتباطاً ذات يوم مع إحدى انواع الجماد .. قد تكون صخرةً فى وادٍ .. قد تكونُ شجرةً فى طريق .. قد تكون حتى مئذنة جامع أو قُبة كنيسة وقد تمازجت فيها لدينا ذكرياتنا بمشاعرٍ تستنطِقُ المشاعرُ فيها هى الاخرى وكأنها مُفعمةٌ بالحياة .. كثيراً ما ذهبنا الى الحقول التى كنا نرتادها صغاراً كى نقرأ كلمة حُبٍ على شجرةٍ خططناها يوماً لحبيبة أو قد جمعتنا تحتها ذكرى لأهلٍ أو خِلَّان .. قد يتملكنا الحنينُ حدود الإحتلال للنفس لبيت الأهل فى اعماق الريف من بعد عقودٍ بعيدة قد غادرناهُ فيها فنبكى فور ولوجنا بابه الكبير .. هنا كان يجلس أبى .. وهنا كانت أمى .. وهنا كانوا أخوتى .. وهنا كنا نجلسُ مع اصدقاء الطفولة نتسامر فنلهو لنضحك ونبكى من بعد خصامٍ لنتصالح فنتخاصم لنتصالح من جديد .. هناك بجوار حجرة الضيوف كنا نتعارك مع أشقائنا صغاراً حين كان يزورنا ضيف من منا يكون فى استقباله .. هنا كانت طبلية الغداء المكتظَّة بشتى ألوان الأطعمة البسيطة .. حتى لمبة الكيروسين العتيقة فوق الفُرنِ البلدى بعد إعداد أمى فطيرةً لنأكلها بالعسلٍ واللبن .. هنا كانت تجمعنا صدور الأهل تحت غطاءٍ واحد مساءاً من بعد مغادرة ضوء القمر كى ننام فى أمنٍ وتراحُم وقد بات يتملكنا لها حنيناً فنبكى لمجرد أن نراها فى بيتنا القديم .. ذاك عُكَّازُ أبى وذاك شالُ أمى الذى كانت تغطى رأسها به ساعة صلاتها .. هنا فى زاوية الحجرة كانت تجلس لجوار أبى يرتلان القرآن كما والأذكار كل فجرٍ وحتى شقشقة العصافير فى الصباح .. تلك مسبحته وذاك حذاؤه .. ماأجمل هذا الحذاء الرث القديم .. أكاد أشتمَّهُ كى أستشعرُ فيه رائحة عرق قدمَى أبى وذاك الشال الأسود الذى أشتم فيه رائحة أمى ودموعها ان مرضت فركنت برأسى على رجليها فى أمان تتلمس من الله شفائى ..

ماسر ذاك الحنينُ مع الجماد؟.. أوليست القبورُ جماداً هى فنرتادها لنقرأ فاتحةً على بعضٍ من ركامٍ لعظامٍ هو يتوارى خلف بناياتٍ صغيرة .. أوليس الحجر الأسود فى زاوية الكعبة وقد إستولى على قلوب ملايين البشر وهو مكانهُ لايتحرَّك بينما قد استلموهُ بالدموعِ وودعوهُ بها ؟.. إنما هو الحنينُ للجماد وقد إكتظَّ بذكرياتنا أو آيمانياتنا ونوازعنا الروحية لكن .. ليس هذا وحدهُ يعنى أن الجماد يشعُر كما نشعُرُ نحن..ليس هذا يعنى أن الجماد ذو قلبٍ كمالدينا قلبٌ ينبض.. مادليلُك على قولِكَ ياصاحب المقال؟!

لا .. ليس هذا حقيقة .. فالجمادُ يشعُر .. والحجرُ لهُ قلبٌ كذلك .. أوَلَم يصف اللهُ الحجر بقوله : ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) صدق الله العظيم .. .. وألم يصف اللهُ الجبل بعظيم مشاعره عندما لم يتحمل تجلى الله عليه فى قوله تعالى ( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) صدق الله العظيم .. كما وأليس منبر رسول الله قد سمع أنينهُ الصحابة لمفارقة رسولِ الله وشوقِهِ إليه ؟! .. أوليس لمنازلنا عتباتٌ تقبلُنا وعتباتٌ هى لاتقبلنا فنسعدُ بسكنى بعض الديار ونشقى بسُكنى أُخرى؟ .. أوليست العتباتُ هى مقدمات مشاعرٍ للمنازل كجماد فإحتوتنا بعضها قبولاً ولفظتنا أخرى كراهيةً لنا كذلك ؟! ..

صحيحٌ كلُ هذا محلُّ أخذٍ ورد .. قبولٌ ورفض لكن .. تعالوا للبشر وقد بات منهم من يملكون قلوبَاً هى أقسى من الحجر لكنها فى لحظةٍ هى تميل وتهوى .. كثيراً مانصادف أناساً لايعرفون للمشاعر ثمة سبيلٍ بينما يتزرَّعون بالعقلِ وإحترام مضامين الحكمة ستاراً ليتوارون من خلفه فاقدى مشاعرهم الإنسانية .. تباتُ مشاعر الآخرين تجاههم نقاط ضعفٍ فيزدرونهم .. هنا تباتُ نظرات العيون من خلفها لواحق .. لتنجح فى اختراق الحجر لتنتزعَ منهُ البسمة والميل وحتى الحُب فالعشق فالتوله فالذوبان فالتلاشى .. حتى وقد صار الحجرُ وعلى غير عادته ينطق بكلمة حبٍ هى لهُ لاتُغادِر .. كثيراً مانرى هذا النموذج العاشق فى الحياة من بعد طول قسوةٍ وجمود مشاعر .. السؤال الأعظم .. أهى المشاعر وقد افتقدوها .. أم القسوة وقد عايشوها فإعتادوها ؟ .. إذا كان الحجرُ قد بكى لفراق رسول الله .. فكيف للبشرِ وإن حاكوه ألَّا يبكون من فراق ؟!.. أناسٌ قد إستعذبوا الصد لمشاعر الآخرين .. وتضاحكوا من دمعات وجدِهِم .. لاشك إن ملكتهم مشاعر شوقٍ وأنَّات وجدٍ كانوا هم للجماد الباكى لدى مفارقة النبى أشبه .. وعلى قدر قسوة القبولِ تبات قسوة الشوق .. وكل من غلُظت مشاعرهم ساعة أن يروا عشقاً بأعيُنِ عاشقيهِم هم قد خارت قواهُم عند كلمة مُفارِق .. ماسر الحَجَر وقد بكى فإستبكى .. ماسر الحجَر وقد مال فإستمال.. ماسر الحجر وقد تعلَّق وجداً وصبابةً وتولُّهاً وذوباناً فتلاشياً حتى صار له بدل القلب.. ألف ألف قلب .. ؟!

السرُ فى هذا أن العقل ومهما مارس من سيطرةٍ على الذات فلابد وأن يهزمهُ القلب.. حتى نرى أعظم البشر شراسةً فى التاريخ يتملكهم البكاءُ والنحيبُ ساعة مفارقتهم من يعشقون .. فذاك - أدولف هتلر - وقد تسبب فى مقتل عشرين مليوناً من البشر نراهُ يبكى راكعاً على قدمى معشوقته - إيفا براون - يتلمَّسها أن ترافقهُ رحلة ذهابه للآخرة فينتحرانِ معاً .. سر هذا لاشك أن العقل يمارس النزال بذاته.. إنما القلب فيمارس النزال بمشاعرٍ من خلفِه كما وأحاسيس هى تترى وإن توارت لكنها حتماً تثورُ هاتفةً بأن رحمة الكون هى أقوى ألف مرَّةٍ من جادَّةِ العقول .. ولو كان الكون أقامهُ الرب بالحسابات الرياضية وحدها ماإنسجمَ حجرٌ مع شجر .. ولا بحرٌ مع شاطئيه .. ولاعصفورٌ مع أيكتِه .. ولا أسدٌ مع أشبالِه .. إنما هى رحماتُ الرب وقد أودع فى صدورنا مابهِ نتراحم وإن أبدينا فى وجوهنا غلظة حياة .. لكن يكسِرُ الغلظة تلك ..جمادٌ وقد عشِق.. عندما كان للجمادِ عاطفة!!!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق