]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مصر والحضارة الإنسانية

بواسطة: أحمد المغازى كمال  |  بتاريخ: 2014-08-31 ، الوقت: 20:16:34
  • تقييم المقالة:
قبل الميلاد بثلاثين قرناً أو بعبارة أخرى قبل خمسة آلاف سنة من الآن كان العالم المعروف آنذاك غير العالم الذى نعرفه فى الوقت الحاضر تماماً.     لم يكن أحد يعرف جزءاً من العالم اسمه «أوروبا». كان مركز العالم آنذاك فى المنطقة التى تمتد من حوض النيل غرباً إلى العراق شرقاً والذى يضم بين النهايتين – وادى النيل وحوض الفرات – الجزيرة العربية شمالها وبخاصة أرض العبرانيين وجنوبها وبخاصة اليمن.     فى ذلك الزمن البعيد أشرق على البشرية نور من وادى النيل حيث بزغ فجر الضمير الإنسانى على حد تعبير الأكاديمى الأمريكى الشهير «جيمس هنرى بريستيد» فى الكتاب المعنون «فجر الضمير» والذى نقله إلى العربية منذ عام 2000 أى منذ أربعة عشر عاما الأستاذ الدكتور/ سليم حسن أستاذ المصريات القديمة.     فى كتاب «بريستيد» كلام عن مصر لو كتبه مصرى لقيل إنه مخرّف أو أنه على الأقل يبالغ فى أهمية بلده وفى تاريخها الحضارى. ولكن الكاتب هنا هو أكاديمى أمريكى شهير قام بالتدريس فى كثير من أهم الجامعات الأمريكية ذات الوزن العلمى.     ويرى بريستيد أن البشرية ظلت قروناً وقروناً يتصرف فيها البشر بدوافع الغريزة وبحكم القوة المادية وما فى أيدى الناس من سلاح مهما كان بدائياً «البلطة وغيرها» وعلى مدى المئات من آلاف السنين كان المجهود البشرى طوال هذه الفترة يسير بالبشرية من طور إلى طور انتقل فيها بنو البشر من القتل «بالبلطة» أو «الفأس» إلى أن وصل إلى استعمال أسلحة قادرة على سحق الآلاف من الأرواح وتدمير مساحات شاسعة من العمران.     ويرى الكاتب الكبير أن حلّ رموز الخط المسمارى للبابلية والآشورية وفك رموز حجر رشيد فى مصر – يرى بريستيد أن هذين الأمرين مكّنا الباحثين من فحص كثير من الوثائق القديمة التى تحكى قصة تاريخ التقدم البشرى.     ويرى مؤلف كتاب «فجر الضمير» أن نهر النيل هو النهر الوحيد على الكرة الأرضية الذى ينبع من المناطق الحارة فى قلب أفريقيا وينساب نحو الشمال ليصب فى البحر الأبيض المتوسط وعند مصب النيل يرى بريستد أن الحضارة القديمة بدأت تظهر حول مناطق شمال هذا النهر. وأن المصريين القدماء الذين عاشوا فى عصور ما قبل التاريخ المعروف كانوا – وفق تعبير بريستيد – أقدم مجتمع عظيم على الأرض استطاع أن يضمن لنفسه غذاءً ثابتاً (ص 19 من ترجمة سليم حسن) وكان اختراع هؤلاء المصريين لأقدم نظام كتابى قد جعل فى أيديهم الوسيلة للسير على طريق التقدم الطويل نحو الحضارة الإنسانية بحيث تحول سكان وادى النيل – على مدى آلاف السنين – من مجرد صيادين أو فلاحين بدائيين إلى مهندسين وصناع وحكماء وأنبياء اجتماعيين فى جماعة منظمة مشيدين تلك العجائب على ضفاف النيل فى وقت كانت أوروبا لاتزال فى همجية العصر الحجرى. من يعرف كل هذا يعرف قصة ظهور أول مدنية على وجه الكرة الأرضية تحمل فى ثناياها صوراً أخلاقية (ص22 من نفس المرجع).     ويذهب بريستيد عكس الغالبية من الباحثين فى التاريخ القديم من أن العبرانيين هم أصحاب أول معيار أخلاقى اهتدى به الناس – يذهب هذا الأكاديمى الكبير إلى أن الحضارة المصرية سبقت أيام «العبرانيين» بأكثر من ثلاثة آلاف سنة وأنها كانت أول من قدم للبشرية ما يمكن أن يسمى معياراً أخلاقياً يحكم حياة الناس. وهذا هو ما دعا الكاتب إلى أن يقول إن وادى النيل وسكانه من المصريين القدماء هم بناة «فجر الضمير» الإنسانى.     ولم يكن من قبيل المصادفة أن أمد يدى إلى كتاب صدر فى نفس العام الذى صدر فيه كتاب «فجر الضمير» وهو كتاب «النيل – حياة النهر» لمؤلفه الألمانى اميل لودفيج، والذى ترجمه الأستاذ/ عادل زعيتر قائلاً فى مقدمته: نقلت كتاب «النيل» إلى العربية معتمداً على ترجمته إلى الفرنسية والإنجليزية.     وعندما يلتقى النيل الأبيض والنيل الأرزق تحت تخيل الخرطوم «وهكذا يوجد بعناقهما الأخوى مكانا من أروع بقاع الدنيا ويسفر اتحاد مقاديرها عن وجود مصير مصر» (ص153 من كتاب لودفيج).     ولعل هذه العبارات الوجيزة تبين بجلاء أن منهج لودفيج لم يكن منهج الدارس للنيل كمجرد شريان ماء وإنما ينظر إليه على أنه كائن حى يبعث الحياة فى كل ما حوله.     وعندما ينتهى «فى مصر» يرتبط مصيرها بمصيره. إنه يتحدث وكأنه يسمع أغنية عبدالوهاب التى يقول فيها «يا نيل يا ساحر الوجود».     أعتقد أن هذا الكتاب يستحق أن يقرأه كل مواطن مصرى لكى يدرك أنه ينتمى إلى شعب حضارى عريق. شعب يستحق أن يتطلع من جديد إلى بناء دولة قوية وإلى الإسهام فى الحضارة البشرية.     حفظ الله مصر وسدد خطاها نحو الإسهام فى حضارة بنى الإنسان. والله المستعان.
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق