]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لهفات وراء فراق حزين

بواسطة: منى عايد  |  بتاريخ: 2014-08-30 ، الوقت: 17:50:34
  • تقييم المقالة:
لهفات وراء فراق حزين (عشق ..و..كبرياء)

بحر إنسانة رقيقة كنسيم الصباح ، طويلة كطول ليل الشّتاء ، وعيناها كدامس ظلام ليل الصحراء ، وشعرها كسواد مجرة الفضاء ، تجلس أمام البحر تراقب السفينة التي ستقلع من الميناء نحو جنوب البلاد متمنية ألا تذهب هذه السّفينة .

وقيس بحار صامد وقوي لا يخاف  أمواج البحر لأنها صديقته منذ الطفولة، فهو يعتبرها جزءاً من عائلته.

لكن الآن حان وقت الرّحيل والفراق ، وبحر جالسة فوق تل عال تشاهد غروب الشمس فينساب من ورائها قيس ينظر إليها بالوله الشديد.

فقالت : لقد حان وقت رحيلك لماذا أنت هنا ؟ أتريد أن تحرق قلبي ككل مرّة تسافر بها ، لقد  مللت أيام الجفاء منك وقلبي ينزف كل ليلة منتظرك ضامداً له وأنت بين أمواج المحيط والبحر تعشقها كعشق النّحل للزّهر.

فنظر لها قيس متعجّبا من كلامها

فقال : أتغارين من البحر؟

فقالت: أغار أنا أعاتبك وتقول تغارين؟

فقال: البحر أمواجه تذكرني بدموعك التي تخبئينها وراء غضبك ، وطول مسيري به يذكرني بطولك الجميل ، وليله يذكرني بعيناك وشعرك الجميلان ، فأنت القلب أذكرك وبالعقل أفكر بك ولذلك أحب الترحال والسفر بالبحر.

كانت بحر تخبىء مشاعرها لأنها عنيدة لا تفكر بما تقول ،فكبرياء نفسها تمنعها من التّواضع للحب والإعتراف به.

فقالت : كفاك قولاً تافهاً فالفراق أصعب شيئاً أشعر به بعد رحيلك، أبكي طوال ليالي سفرك كارهة اسمي وكارهة البحر ، وأنت ترجع سعيداً منه.

فقال  وأذناه لا تصدق ما تسمع:  ماذا تقولين؟ أأكون مبتهجاً وأنا أغيب سنة كاملة تائهاً في ذكراك في عرض البحر ، أأكون سعيداً عندما أفكر بالسباحة بالبحر حتى الموت لأصل إليك هيا قولي أتشعرين بهذا الآن، أتوقع أنك لا تشعرين بشيء فكبريائك يمنعك من ذلك.

فأتى بعد ذلك الحوار الطويل عجوزٌ يصفونه بحكيم الحب فقال مقاطعاً جديث قيس  :

البحر جماله أخاذ وعشقه مشكلة فعندما تأتيه عاصفة الغضب تلتطم أمواجه بسفينة الصديق فتعمي عيناه بالغضب الشديد ظامئة للعتاب قائلةً: لا تمشي في عرضي وأنا غاضب ، ولكن البحر صواعقه تحرق القلب وصباحه يهدء النفس وليله حقد وكره.

فقال قيس بعد سماعه لما قيل : ولكنّ كلّ الغضب الذي في عيناها تصبّه في قلبي وعتابها يجرحهه وأنا أدوس على كرامتي من أجلها .

فقال الخكيم : الإنسانُ يصبر على سهر الّيالي وجفاء الحبيب ورائحة الشوق ليبقى صائماً عنها حتّى يأتي موعد الإفطار ولو بعد فراق طويل.

فاستمعت بحر لما قيل وقلبها يكاد ينفطر ندماً ولكنّ كبريائهاجعل لسانها يقول: أأصبر وجميع أوقاتي معه صبراً ، كفاني صبراً على البعد والفراق وكلّ شخص ألقاه يقول : تائهةً في عرض تفكيرهاتبحث عن قيس به، فيهتاج قلبي وتصبح دموعي منهمرةً غضباً تحرق جميع الذّكريات، أتعلم كم أعاني من البعاد والفراق ، أنت لا تعرف شيئاً عن الحب فكلّ كلامك كذباً وهراء.

فقال : أرأيت في عيناي الكذب ولو مرّة في حديثي معك و  جلوسي ساعات ٍ وساعات ، وخيالي يسافر في عيناك على متن أمواجه ، يا حسرت قلبي بما سمعت ، فكلامك هذا أكبر دليل على أنك لست واثقة بي ولا بحبي وأني غير صادق ، يكفي هذا لقد تعبت ، لقد تعبت من كثر الإجابات التافه وكيانك مختبئاً وراء كبريائك، ماذا ستستفيدين منه؟ أسيوصلك إلى أعلى مراتب العشق ؟! لا بل سيجعلك وحيدة لا تعرفين من أين تحدديين حدودك لتستقري عليها.

فقال الحكيم  : أعلى مراتب العشق ، كلمتان لا يفهمهما البعض منا ، تظن أنك قد وصلتهما ولكنّك لم تصعد ولو درجة واحدة منها فالطّريق مازال طويلاً على العشق.

وها هما الآن ينظران إلى بعضهما البعض تتسابق لهفاتهما من وراء هذا الفراق ، تحبّ بعضها لكنّ غضب بحر وكبريائها جعلاها غادرة بمن تحب حتّى لهفات عشقها.

فقالت : كم مرّة عانيت من أجل سعادتك وأنت ليس على لسانك إلا كبريائك وغضبك وتفاهتك ولا علاقة لهم بما يحدث بيني وبينك.

فردّ عليها قائلاً: بحر لقد أوصلني حبّك إلى مدى قوّتي ورباطة جأشي أثناء سفري بالبحر ولكن كبريائك و غضبك هما أساس المشكلة في هذا الحب ، فأنت رقيقة المشاعر كازّهور وغضبك لهفاتك كنسائم البر ولكن تخفي هذه الملامح الرقيقة  وراء مبادىء الحب الفاشلة التقليديّة التي تعتقدين عندما تتصفبن بها ستملكي الحب وما خفى منه.

فقال حكيم الحب يائساً من السّماع إليهما : الحب إخلاص بالمشاعر ،صداقة بين الرّوح والقلب ، وفاء بين العيون والشعر ، وراحة نفس بين الغضب والسّعادة ، وهذه المبادىء لا تحل أي شيء من مشاكل العشق ، فدعوني أروي لكم قصّتي عسى أن تأخذا العبرة منها :

سمية  بحكيم الحب ولكن بالحقيقة الأليمة هناك قصّة ندم، كنت عاشقاً ولهان وكبريائي يصاحبني وكانت لي حبيبة مخلصة وصلت إلى أعلى مراتب العشق ولكن وحدها من دوني كانت تسحبني لأصل إليها بالهدوء والرّاحة ولكن كبريائي كان يمنعني من التشبث بها والرّسوخ على أن أعاتبها كلّ ليلة من أجل الوصول وحدي من دون مساعدة ، ولكن حقيقة الكبرياء المغرور استيقظت بعد سبات طويل بداخلي فوجدّت توأم الرّوح مفقوداً بكلمات سببها كبريائي .

سالت الدّموع من عيني حكيم الحب ، فشعرت بحر بكبر ما وقعت به بسبب كبريائها وشدّة غضبها في كلّ مرة تتحدّث بها ، وشعر قيس أنّه لم يكن يفهمها ولم يستتطع أن يقول لها تشبثي بي ففكرا معاًبالفراق الذي لم يرضِ أيٌّ من نفسيهما العاشقتان بهذا القرار لكن أفواهما  أقرّت  بذلك فقالا معاً : الفراق هو الوسيلة الوحيدة.

فنظرت بحر إلى قيس متفاجئة بقراره فلم تعتقد أنّه سيتركها في يوم فانهمرت من عينيها الدّموع اليائسة  التي كانت تتمنّى أن تسيل من سنيين فشعرت أنها أخطأت في تفكيرها بمن تحب وظنّها بانّها تملك العشق .

ولكنّ قيساً قال : لقد قلت لك الفراق ، أتعتقدين بأنني سأصبر على تعذيبك لي في كلّ مرة وحديثك يدمرني كالزّلزال الذي يصيب الأرض بقوة كموجة تأخذ معها جميع حب القلب تاركةً وراءها الكره والغضب والكبرياء المريض هذا ما أنت عليه فسوف أتمنّا لك الحياة السّعيدة من دوني وبدون عشقي.

ولكن لهفاتهما كانت تناجي البحر بأن تهب عواصفه وترجعهما إلى بعضهما ولكن تأتي الرّياح بما لا تشتهي السّفن .

 افترقا والقلوب حائرةً بين سراب المحيط ، مشاهدة مركباً يجمعهما ولكن عند الوصول إليه تراه لا شيء ، افترقا نعم افترقا ويا لهذا الفراق دموع تركت بالمكان وعشق ضاع وراء الأوهام وغضب هدأ الآن وسعادة انتهت منذ أيّام ، ها قد مرّت سنوات  على فراقهما وعيونهما تناجي القلب من أجل الإقتراب ولكن افترقا.

فأتى حكيم الحب إلى نفس المكان تاركاً كلماته تائهةً إلى أين تذهب:

لقد افترقت القلوب وسافر العشق من هنا ودمّرت معاني كلمات الحب فيهما وغردت الطيور أغاني الشّتاء والفراق ، افترقت القلوب والشّمس ضائعة في كبد السّماء حزينة عاكسة أشعتها إلى البحر ليراها كلّ من يشاهد غروب الشّمس ويعاني من نفس الآلام.

لقد تغلّب الغضب بعد صراع طويل على صبر الحب وأسباب ليس لها معناً ساندت الغضب ، لقد كبّلت قيود الزّمان ألسن العشق وجعلته عشقاّ ممنوعاً باحثاً عن الحرية وراء قضبان الكبرياء، راجية بأن يترك لهفاتهما تتطير في السّماء باحثة عن الحب القديم ، لقد قالت الأيّام قصة الفراق الحزين والإخلاص الطّويل ولكنّها لم تقل أنّ أشخاصاً يتفارقون ولكنّ لهفاتهم تركض وراء هذا الفراق الكئيب وتعزف ورائه نوتةالكبرياء وما قتل.

ترك المكان الآن وترك كلماته ليسمعها كلّ من يأتي هنا ظانّاً أنّه سيفارق الحب، ترك كلماته تروي القصص وتنسج الأيام لتصبح رداءً طويلاً يتغطى به كلّ من يحب وراء الكبرياء ويسافر في ظلمة غضبه فاقداً الطريق الصّحيح لأعلى درجات العشق .

وهكذا يبقى العشق والحب وراء لهفات الفراق ليمر الزّمان وتعاد قصة ...

                   لهفات وراء فراق حزين.

 

 


كتابات منى القدارنه 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق