]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

صورةُ الزعيم .. نوستالجيا الوهم

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2014-08-29 ، الوقت: 18:56:18
  • تقييم المقالة:

 

 صورةُ الزعيم .. نوستالجيا الوهم

 

محمد الحداد/العراق

صورةٌ قديمة جديدة..حبيسة صدورٍ خائفة تخبأها دائماً في ركنٍ قَصيٍّ مظلمٍ من خِزانةٍ مَخفية تحوي صندوقاً مُغلقاً بأقفالٍ من وهمٍ مُعتّق..ظلماتٌ بعضها فوقَ بعض لكنها تظلُّ رغم كلِّ ذلك تفعلُ بنا أفاعيلها الساحرة.. نسألُ أنفسنا عنها خِلسة.. نمدُّ أيادينا إليها بين حينٍ وآخر فترتعد منها وعليها.. نطمئنُ لوجودها..نستلّها بخبرةِ لصٍ محترف..نمسحُ الغبارَ عنها.. نحتضنها ونقبّلها مثل تميمةٍ مقدسة ثم نعيدها إلى مكانها المظلم من جديد.

هي صورة أثيرة لزعيمٍ خارقٍ وقائدٍ مُنقذٍ أوحد..قيّدناها داخلَ صدورنا بسلاسل ماضٍ ولّى وأندثر لكنها قيدتنا بسلاسل سطوتها فبقينا عالقين في فِخاخها..وثمة حاجة متجددة تغرينا بممارسةِ طقوسِ الولاءِ لها دائماً بذاتِ الشغفِ المُريب ..

زعماءُ منقذون..تساقطَ أغلبهم إلى جحيمهم الأبدي وطويتْ معهم صفحاتٍ مخزية مَلأوها بأكوامٍ من براثنِ أساطيرهم الكاذبة..رحلوا ورحلتْ معهم شياطينهم لكنهم تركوا فينا قُرناء كُثر استوطنوا خواءَنا واستعمروا خرائبَ نفوسنا المرعوبة من وجودهم ورحيلهم على السواء..رحلَ بعضُهم لكنهم ظلوا رغم ذلك ساكنين فينا لأنهم أودَعوا ورائهم ما يُذكّرنا بهم أبداً.. فقبالة كلّ صورةٍ ثمة سورة وتحت كلِّ رايةٍ غاية ووراء كلِّ شعارٍ سُعار وأسفل كلِّ تمثالٍ امتثال.

هذهِ الصورة هي مرآتنا المُهشّمة التي نرى فيها صورنا القديمة بوضوحٍ وصفاءٍ نادرين رغم جذاذها المُبعثر..صورنا المدفونة تحت رمادِ وطنٍ قديم نسينا ملامحهُ الأولى بعد أنْ أحرقَ طغاتنا وجههُ المقدس في زمنِ خرابهم وحروبهم العبثية لكن ثمة دائماً بقايا حنينٍ لم يتيبس وَحْلهُ النتن بعد يجرفنا للرجوعِ إلى كل ذلك من جديد..هي مرآةٌ نعرفُ تماماً صدقها كما يعرفُ الكاذبُ كذبَ ما يُظهرهُ وصدقَ ما يخفيهِ من حقيقةٍ بيضاء ناصعة.. ربما لأنها تتكلمُ بلسانِ جراحنا الفصيحة التي لاعوجَ فيها.

هذهِ الصورة..هي مَنفانا السرّي ..منفى مَكبّ نفاياتِ تناقضاتنا الفادحة الذي نلجأ إليهِ دائماً لنبكي على أطلالهِ ونذرفَ دموعَ ندمٍ ساخنةٍ على ماضٍ متورم كنّا شهوداً على امتلائهِ حدَّ التخمةِ بما لا يمكنُ إحصاءهُ من قصصِ موتٍ ورعبٍ وبطشٍ طفحتْ بها أوطاننا التي أحتلها طغاتنا منا.. أوطاننا التي استلوها من بين عيونِ أحلامنا وأحالوها إلى زنازين كبرى بطولِ تلك الأوطانِ وعَرضها.

نكرهُ هذهِ الصورة اللعينة كثيراً ونُحبها في ذات الوقت..نخافُ منها ونطمئنُ بقربها.. نحتقرها ونقدّسها..نعودُ إليها ونمدُّ لها أيادينا مُحمّلينَ بأثقالِ ازدواجيتنا المقيتة فتفتح لنا أحضانها بذاتِ الإزدواجية التي أرّختْ أمسنا القاتم بدمائنا ثم ادّخَرتْنا لغدٍ أشدّ قتامة..وكأنَّقدرَ غدنا هذا أنْ يظلَّ مُدوّناً في متونِ ماضينا مثل أيةِ جثةٍ هامدة..ولأننا نعرفُ يقيناً أنَّ الحقيقة صادمة دائماً لذا نغضُّ الطرفَ عن كلِّ ذلك ونتركُ لها بعدَ كلِّ لقاءٍ جديد حرية أنْ تروي لنا على سجيتها تاريخاً كاملاً من وجعنا الباذخِ الذي رافقنا طويلاً وتركنا مرعوبين من خشيةِ أن يعودَ إلينا ثانية..تاريخٌ سنظلُّ نهابهُ حدَّ أن نتمناه !

العودة الدائمة إلى هذه الصورة اللعينة تطمئننا بمكرها المُستتر أننا بحاجةٍ قسرية إلى أن نتنفسَ بعضاً من هواءنا القديم الذي أدْمنّاهُ يوم أنْ كان يجودُ بهِ علينا زعيمٌ خارقٌ أوحد نتوهمُ الموتَ اختناقاً من دونهِ فنفزع إلى صورتهِ ونئوبُ إلى فنائهِ مذعورين..صورةٌ بمقدورها أن تمنحنا اطمئناناً كاذباً يكفي أن ننظرَ إليها نظرةً فنصدق ما تقوله.. نخلص لها بدلَ أنْ نتخلصَ منها..ونتحرق لها بدلَ أنْ نُحرقها..فتربتَ على أكتافنا وتهمس في آذاننا أنَّ خلاصنا حصريٌّ على يدِ مُنقذنا القدري لا محالة..هي حاجة متجددة أبداً لا يمكنُ لها أن تهجعَ أو تموتَ أو تسقطَ بالتقادم..حاجة لا زلنا مرعوبين من فكرةِ أننا يمكنُ أن نشعرَ يوماً ما بنقصٍ في مخزونها..لذلك كلهِ لازال الكثير منا لا يتوانون اليوم عن رفعِ أية صورةٍ جديدةٍ فوق الرؤوس وتحت أيةِ ذريعةٍ كانت ليعيدوا تأهيل خوائهم مجدداً بشحناتٍ من ماضٍ يوهمونَ أنفسهم أنهم لن يكونوا أحياء من دونهِ وكأنهم ما أنزلوا صورهم القديمة إلا ليستبدلونها بأخرى جديدة..عطشٌ قديمٌ لا يرتوي شاءَ مَن شاءَ وأبى مَن أبى..

هذه النوستالجيا المريضة انتهى مفعولها إلى الأبد في العالمِ البعيد منذ عقود طويلة بعد أن كانت في يومٍ ما أشبهَ بصناعةٍ شعبيةٍ رائجة على هيئاتٍ متباينة صنعَها طغاةٌ مجانين بشكلٍ فردي معزول كلٌّ في بلادهِ وألبسوها ثيابَ غرورهم وفق مقاساتِ طغيانهم..لكنَّ عدواها انتقلتْ إلينا لاحقاً مثل جثةٍ عفنةٍ تفسختْ أعضائها وانسربتْ أجنّتها إلى أحضاننا لتعيدَ دورة حياتها القديمة في بلداننا بعدَ أنْ وجدتْ لها موئلاً خصباً سمحَ لها بالولادةِ من جديد على هيئةِ طغاةٍ مسعورين..مسوخٌ مُرعبة كانت لناحصصنا الوفيرة منهم استعبدونا لهم وابتلعوا أوطاننا التي تحولتْ في عهدهم إلى مقابر وأقبية فوق الأرضِ وتحتها..ولا زلنا نعاني من ويلاتِ كلِّ ذلك حتى اليوم.

في العراق ومصر وليبيا وبلادٍ عربيةٍ أخرى كثيرة..ثمة الكثيرون مِمن سقطوا صرعى مُخدرين أمام صورة زعيمهم الأوحد..صورتهُ أو تمثالهُ أو رايتهُ لا فرقَ في ذلك أبداً..والأخطر من كلِّ هذا أنَّ ثمة مَنْ لازال يسقط هائماً لينتصرَ أحدهم ..ويبدو أنَّ قدرنا المزمن ألزمَ أغلبَ شعوبنا أنْ تظلَّ أسيرة تلك الدوّامةِ المُموّهة..قدرنا الذي لا زالت تُحتّمهُ مماحكة أزلية بين أسياد السلطةِ وعبيدها..ولها يرجعُ الفضلُ كلهُ في عزلِ آثار أقدام الفريقين فريقٌ فوق جبالِ القمم وآخر في حضيض القعور..ومن وراءِ ذلك يطلُّ بأسنانٍ صفراء تاريخٌ عصيٌّ على النسيان.

عطشنا المَرَضي الغريب هذا لا يكادُ يرويهِ شيءٌ إلا معاودة الرجوع إلى ذاتِ النبعِ مرةً بعد مرة..وبرغم كلِّ تجاربنا الماضية على كثرتها وهولِ كوارثنا فإنَّ أكثرَ ما تستوقفني في صورةِ الزعيم الخارق الأوحد هذهِ وإدمان صناعتهِ مجدداً ليست الغرابة منشعوبنا المخدّرة التي لم تتوانَ أبداً في تكرارِ العودةِ إلى تلك الصورة فحسب بقدر ما يستوقفنيويؤرقني سرَّ ذلك اليأس المُطبق الذي أغرقنا في بحارهِ العميقة زعمائنا المنقذون أنفسهم إلى درجةٍ أقنعونا فيها أنهم احتمالنا القدري الأوحد الذي لا سبيل سواهُ ولا انعتاق من سطوتهِ وأنَّ خلاصنا لن يتمَّ إلا على أيديهم حصراً وما من حلولٍ ناجعةٍ لجميع مشاكلنا المتراكمة إلا بهم وحدهم..أملٌ سيظلُّ يرتدي ثوبَ وهمٍ كبيرٍ وفّرهُ طغاتنا لنا سلفاً ليومِ حصادٍ تبينَ لنا أنهُ يابسٌ تماماً كأعجازِ نخلٍ خاوية..لكن مَنْ منا لم يكن يوماً ما أسيراً لأوهام ذلك الأمل؟

يبدو أننا سنبقى متعطشين لطغاةٍ جُدد نصنعهم بأيدينا أو ننفخُ النارَ في رمادهم القديم..عطشٌ غريبٌ يُضاهي العطشَ إلى نيرانهم التي أحرقتنا ولازالت تحرقنا..لا زلنا قادرين على أنْ نكررَ ذلك بغباءٍ نادرٍ مرةً بعد مرة ونحن نعرفُ أنَّ كلَّ ما سيتبقى لنا أخيراً من ذلك الزعيم محض صورةٍ في خزانةٍ داخلَ صدورٍ مرعوبة..صورةٌ ستظلُّ مدفونة أبداً في أقصى قعرِ أسرارنا..نتأملها.. نتفقدُ ملامحنا فيها لنشعرَ باطمئنانٍ كاذب أننا أحياء بها ومعها..سنظلُّ بحاجةٍ دائمة لأنْ نقتنعَ بكلِّ ذلك ولن يتغيرَ أيُّ شي.

من المؤلمِ أنَّ ثمة طغاة صنعوا طوال التاريخِ عبيدَهم ليستعبدوهم..لكن ما  يؤلمُ أكثر أنَّ ثمة عبيداً صنعوا طغاتَهم ليكونوا لهم آلهة..اكتشفنا ذلك قريباً واكتشفنا أيضاً أنَّ الأرضَ لن تخلوَ أبداً من أناسٍ بارعين في ذلك.. والخزيُّ يليقُ بأهلهِ دائماً حدَّ البلل!

همسة أخيرة في آذاننا : ثمة المزيد مِمّنْ لا يزال غارقاً في وحلِ هذهِ النوستالجيا البغيضة حتى اليوم.. يدفعهُ شوقٌ وحنينٌ زائفان بين حينٍ وآخر لأنْ يمدَّ خلسة إلى تلك الصورة المدفونة يداً ترتجفُ رهبة كلما استشعرَ في نفسهِ خوفاً ألا يجدها في مكانها..لذا سأدعو الجميع لأن يتفقدوا صدورهم علهم يجدونَ في بواطنها أية صورةٍ ..قديمة كانتْ أم جديدة لزعيم خارقٍ مُنقذٍ أوحد..فمن وجدها فليعلم أنَّ كلَّ ارتفاعٍ حتميٍّ يقابلهُ سقوطٌ مُلزم..وكلّ سموٌّ فرديٌّ لا يرتقي إلا على أكتافِ ذُلٍّ جماعي..وأنَّ شياطينَ الطغاةِ لا تزال تُفرّخُ سلالاتها بمكرٍ في كلِّ مكان..بهيئةِ صورةٍ أورايةٍ أو تمثالٍ لصاحبها المُبجّل..أما مَن لم يجدْ في نفسهِ شيئاً من ذلك فليحمدِ اللهَ كثيراً لكن..لِيخشَ أكثر على نفسهِ !


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق