]]>
خواطر :
سألت البهائم ذئبا دموعه تنهمرُ...ما أبكاك يا ذئب ، أهو العجز أم قلة الحال...في زمن كثرة الذئابُ واشتد فيه الازدحامُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لقد جئتكم بالذبح

بواسطة: أحمد المغازى كمال  |  بتاريخ: 2014-08-29 ، الوقت: 13:57:08
  • تقييم المقالة:
كلمة قالها الرسول صلى الله عليه وسلم، الأعزل من السلاح، لجبابرة قريش الذين مارسوا عليه شخصياً الإرهاب وأشد أنواع الأذى، فأخذهم فى أنفسهم بها ورجعوا كثيراً عنه؛ لأنهم كانوا مع قبح ظلمهم أكثر حكمة ورشداً من حمق الإرهابيين اليوم، الذين غرهم الاستقواء بالخارج حتى أعماهم عن سنة الكون التى لا تتبدل وهى دوران الأيام على الظالمين كما قال تعالى: «إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ» (آل عمران: 140). ولا يخفى على أحد دوران الأيام على فرعون الذى كان كما قال تعالى: «عَلَا فِى الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِى نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ» (القصص: 4)، فأجرى الله عليه سنته الكونية وانتصر للمظلومين منه فقال سبحانه: «وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِى الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ» (القصص: 5-6). كان جبابرة قريش وصناديدهم مثقفين بقراءة التاريخ، والاتعاظ بالسنن الكونية، فسمعوا مقولة النبى صلى الله عليه وسلم لهم: «لقد جئتكم بالذبح» فارتعدوا لأنهم تعقلوا هذه المقولة التى فهموا منها أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعظهم بالتاريخ الذى لا يرحم الظالمين، ولم يفهموا منها هذا المعنى الساذج الذى لا يزيد عقول الحمقى إلا تغييباً بقطع رؤوس المخالفين، كيف وقد قالها وهو فى أضعف حالاته البشرية دون سلاح ودون مرافق يؤازره. ففى رواية البخارى عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان متوجهاً إلى استلام الركن فى الكعبة المشرفة ليطوف حولها فمر بصناديد قريش فغمزوه ببعض القول وعرف ذلك فى وجهه، ثم مضى ومر بهم الثانية فغمزوه بمثلها، ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فتوجه إليهم قائلاً: «يا معشر قريش أما والذى نفسى بيده لقد جئتكم بالذبح». وفى رواية أخرى لابن حبان عن عمرو بن العاص أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يصلى عند مقام إبراهيم بجوار الكعبة المشرفة، فقام عقبة بن أبى معيط يخنقه بردائه حتى جعله فى عنق الرسول صلى الله عليه وسلم ثم جذبه حتى وجبت لركبتيه وتصايح الناس، فظنوا أنه مقتول، فأقبل أبوبكر الصديق يشتد حتى أخذ بضبعى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ورائه وهو يقول: أتقتلون رجلاً أن يقول ربى الله؟ فلما انصرفوا عن النبى صلى الله عليه وسلم قام يكمل صلاته، فلما قضاها مر بهؤلاء الجبابرة من قريش وهم جلوس فى ظل الكعبة فقال: «يا معشر قريش أما والذى نفسى بيده ما أرسلت إليكم إلا بالذبح» وأشار بيده إلى حلقه. والعجيب أن كان رد فعل هؤلاء الظلمة من كبراء قريش وهم يسمعون لهذه الكلمات الصادرة من شخص أعزل عن السلاح وتم إنقاذه بأعجوبة من موت محقق فى نظرهم أن أخذتهم كلمته -بحسب نص الرواية فى صحيح البخارى- حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه الطير، وأن أشدهم فيه وطأة قبل ذلك يتوقاه بأحسن ما يجيب من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشداً فوالله ما كنت جهولاً. ولكن يزول العجب إذا استصحبنا رواية أبى نعيم التى تحسم المقصود من الذبح الذى توعد به الرسول صلى الله عليه وسلم قريشاً، وهو ما ذكرناه من موعظة التاريخ، فأخرج عن عثمان بن عفان، قال: أكثر ما نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنى رأيته يوماً يطوف بالبيت، وفى الحجر ثلاثة جلوس: عقبة بن أبى معيط وأبوجهل وأمية بن خلف، فلما حاذاهم أسمعوه بعض ما يكره فعرف ذلك فى وجهه، وصنعوا مثل ذلك فى الشوط الثانى والثالث، فوقف وقال: «أما والله لا تنتهون حتى يحل الله عقابه عاجلاً». قال عثمان: فوالله ما منهم رجل إلا وقد أخذه أفكل يرتعد، ثم انصرف إلى بيته وتبعناه فقال: «أبشروا فإن الله مظهر دينه ومتم كلمته وناصر دينه. إن هؤلاء الذين ترون ممن يذبح الله بأيديكم عاجلاً». قال عثمان: لقد رأيتهم ذبحهم الله بأيدينا، أى فى بدر. وفى اليوم التالى لهذا الحدث الذى نالت فيه قريش من الرسول صلى الله عليه وسلم -كما فى رواية البخارى- اجتمعوا فى حجر إسماعيل من الكعبة، وجعلوا يتعاتبون مع أنفسهم كيف لا يراجعون النبى صلى الله عليه وسلم على تعييبه لآلهتهم وأصنامهم، وبينما هم فى ذلك إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به يقولون له أنت الذى تقول كذا وكذا فى آلهتنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «نعم أنا الذى أقول ذلك»، فأخذ رجل منهم بمجمع ردائه وقام أبوبكر الصديق دونه يقول وهو يبكى: أتقتلون رجلاً أن يقول ربى الله؟ فانصرفوا عنه. ومن هذا الاستعراض لروايات الحديث المختلفة يتضح أن كلمة النبى صلى الله عليه وسلم: «جئتكم بالذبح» أو «ما أرسلت إليكم إلا بالذبح» لا تعنى هذا الإرهاب الغاشم الذى تقوم به «داعش» الشيطانية، أو جماعة «الإخوان» الإرهابية. وإنما يعنى ما ورد فى رواية أبى نعيم من قوله صلى الله عليه وسلم: «أما والله لا تنتهون حتى يحل الله عقابه عاجلاً»، فكان النبى صلى الله عليه وسلم يذكرهم بموعظة التاريخ ودائرته، وهى سنة الله فى أرضه التى لا تتخلف كما قال تعالى: «سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً» (الفتح: 23)، وهى قائمة على القصاص من الظالمين المعتدين الذى إن لم يتحقق فى الدنيا فسيكون حتماً فى الآخرة. فقد أخرج الطبرانى عن ابن عباس، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «قال ربكم: وعزتى وجلالى لأنتقمن من الظالم فى عاجله وآجله، ولأنتقمن ممن رأى مظلوماً فقدر أن ينصره فلم يفعل»، وأخرج الشيخان عن عبدالله بن مسعود أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة فى الدماء»، وأخرج أحمد وابن ماجه والنسائى بإسناد صحيح عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «إن المقتول يجىء يوم القيامة متعلقاً رأسه بيمينه -أو قال بشماله- آخذاً صاحبه بيده الأخرى تشخب أوداجه دماً فى قبل عرش الرحمن فيقول: رب سل هذا فيم قتلنى؟ وصدق الله حيث يقول: «وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ» (إبراهيم: 42). ويؤكد المعنى الحضارى لمقولة «جئتكم بالذبح» على أنها موعظة بالقصاص الإلهى وبعدالة التاريخ الذى يدير الأيام على الظالمين بفعل الله سبحانه، كما توضحه رواية أبى نعيم: «أما والله لا تنتهون حتى يحل الله عقابه عاجلاً»، بالإضافة إلى ما ذكرناه من أمارة مناسبة الحال التى كان فيها الرسول صلى الله عليه وسلم ساعة أن قال ذلك وهو فى أضعف حالاته البشرية أمام عتاولة الظلم، وجوه منها (1) سمعة الرسول صلى الله عليه وسلم الرحيمة فى وسط مجتمعه حتى أعدائه الذين كانوا يلقبونه بالصادق الأمين، ناهيك عن تزكية الله لشخصه ولرسالته فى قوله تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ» (الأنبياء: 107)، وما قاله النبى صلى الله عليه وسلم عن نفسه فيما أخرجه الحاكم وصححه عن أبى هريرة: «إنما أنا رحمة مهداة»، وما أخرجه أحمد عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق»، وأخرج أحمد والطبرانى عن أبى أمامة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «إنما بعثت بالحنيفية السمحة». فهل بعد كل ذلك يتوهم أحد إمكان تفسير «الذبح» فى خطاب النبى صلى الله عليه وسلم بالإرهاب والوحشية، أم يجب تحقيق المعنى على القصاص الذى هو حياة. (2) تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله، فلم يغدر بظالميه ولم يذبحهم يوم أن تمكن منهم. فقد خرج طائعاً من مكة التى هى أحب بلاد الله إلى الله وإليه مهاجراً إلى المدينة ليؤثر السلامة فى الود الإنسانى، ولم يواجههم إلا بعد خروجهم إليه وتحولهم لغزوه فى المدينة المنورة عند بدر. وعندما فتح الله عليه مكة وأمكنه منهم لم يذبحهم وإنما قال لهم: «يا معشر قريش ما تظنون أنى فاعل بكم»؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم. اذهبوا فأنتم الطلقاء». كما ورد فى «السيرة والشمائل الشريفة» للسيوطى. (3) أن الذبح كما يقول ابن الأثير بمعنى الحلال، فكما أن الميتة حرام تكون المذبوحة حلالاً، وتسمى مذكاة. وأصل الذكاة فى اللغة كلها إتمام الشىء، فمن ذلك الذكاء فى السن والفهم. وتخريجاً على ذلك يكون معنى الحديث «جئت بالذبح» أى جئت بالحلال والطهارة فلا أعرف الغدر والخيانة التى يمارسها الظالمون. وكأنه يقول لهم موعدى معكم فى لقاء عسكرى مشروع الذى ستهزمون فيه وتذبحون، وذلك فى إشارة إلى «معركة بدر الكبرى» التى تحققت فيها تلك النبوءة بحسب ما ذكرناه فى رواية عثمان بن عفان عند أبى نعيم. إن من يصولون على المجتمع بتوظيف نصوص القرآن أو السنة لممارسة العدوان والقتل على الأبرياء يستحقون من ذوى العقول والحجى أن يعاملوهم بالمثل، بتوظيف تفسيرهم عليهم؛ لأن النصوص القرآنية والنبوية جاءت لكل البشر وليست حكراً على ناس دون ناس؛ عملاً بقاعدة التدافع القرآنية كما قال سبحانه: «وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ» (البقرة: 251)، وقوله تعالى: «فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ» (البقرة: 194). إن الإيمان بالإله الحق الموصوف بالجمال، والدين الحق الموصوف بالكمال، والرسول الحق الموصوف بالرؤوف الرحيم يوجب على صاحبه أن يفسر نصوصهم الشرعية على الوجه الأجمل والأكمل والأرحم ببنى آدم الذين نزل الدين من أجلهم وليس لشقائهم؛ كما قال تعالى: «مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ» (طه: 2).
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق