]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المجتمعات القروية والتكلس الثورى

بواسطة: محمد حسن  |  بتاريخ: 2014-08-28 ، الوقت: 20:32:55
  • تقييم المقالة:

           سحر الطبيعة الريفية ,والطينة القروية, وجمال هوائها ونقاء عبيرها ونسيم سمائها وروعة خضرتها الندية, وملامح الثورة المنظورة فى طبيعة الحياة الريفية ,وتفاصيلها الجزئية من استنشاق هواء جميل وجديد يوميا بدون روائح المدنية الكريهة ولا أبخرة عوادم السيارات ولا غبار المصانع و مع تنوع أشكال الجمال والطبيعة والتمتع بها وبألوانها وأشكالها المختلفة وتجدد الحياة بتفاصيلها حولك من ميلاد لمحاصيل زراعية جديدة وحصاد أخرى دون رتابة أو ملل حياة,وروعة أشجارها ونخيلها وروائح أزهارها وحدائقها وبساطة أهلها .

 

كل ذلك من مميزات الطبيعة الريفية وحياة القرى والنجوع والكثير والكثير أيضا.

 

إلا أنه ستظل القرى والنجوع مهد العبودية ومحضن الذل وصوبة الخنوع والهوان ,و ليس هذا تجنيا منى على موطن أجدادى وجذورى الراسخة فى الطبيعة الطينية والحياة الريفية !

لكنه ظاهر وجلى فى الكاتلوج النهائى للقرى والنجوع فى محاولات التغيير التى أصابت  مراكز ثقل الدول ولم تلامس أطرافها وقراها ,كما أنه رصد لتمظهرات الحياة وصورها فى الجانب الطينى لسكان القرى والنجوع ,ومتابعة دقيقة لمظاهر ذلك الحقن المجهرى والزرع الجينى والتدخل الصناعى  الذى أصاب العقول والقلوب والنفوس وملامحه والتى تكمن فى الآتى:

 

(1)الرضا بالقليل والكفاية بالمتاح والتأقلم معه والرضا به ضعفا واستكانة واستسلاما لا تعبدا مع سعى أو بذل  والتصبر بالممكن فى غير همة ولا بأس.

 

(2)السكون والخضوع للكبير_وإن كان جبارا أو متكبرا أو على خطأ_ فى صورة كبير الحسب والنسب والسطوة أو كبير السن أو كبير العائلة أو عمدة القرية وشيخ الخفر أو الأعيان أصحاب القرى والنجوع و الأطيان.

 

(3) الثبات على تقاليد القرية وعاداتها البالية وأخطائها الجسيمة فى حق الأفراد والمجتمعات وعدم الثورة عليها بل وتوريثها توريثا إجباريا وإما لفظ  الفرد من سبيكة العائلة أو القرية وطرده إن لم يتقيد بتقاليدها وطبائعها.

 

(4)قولبة الشكل وحدودية التمظهر والإسطمبة فى الحياة وتفاصيلها والحفاظ على رتم واحد كالإستيقاظ مبكرا والذهاب للحقول ثم العودة مع غياب الشمس والنوم مبكرا وهكذا فى شكل دولبة الحياة وتدويرها.

 

(5)العادة المنتنة والمتصلبة فى جينات النفس القروية وهى من صور الطينية الحمقاء ألا وهى التعصب للعائلة والقرية والنعرات القبلية الكاذبة فى صور النقاء العرقى والعنصرى المقيت الذى يهتك أستار النسيج المجتمعى ويعزله فى شكل كنتونى بغيض.

 

(6) التهميش المتعمد من الأنظمة الحاكمة ,والمركزية المتغولة إعلاميا وسياسيا واقتصاديا فى المدن الرئيسية ,والتى أصابت المجتمعات القروية بالضعف والغياب عن المشهد السياسى واللحاق بالركب الثورى متأخرا ومتأخرا جدا.

 

(7) الإيمان الشكلى والمخدر فى النفوس والذى لا يلامس القلوب والعقول وإنما مظاهره تكمن فى عادات شكلية فى صور تعبديه:

 

-أركان الإسلام كالصلاة والصيام والحج شكليات وطفوس تعبدية دون أثر لها على النفوس والقلوب والأعمال فتجده يصلى ويصوم ويسرق جاره  ويقلب أرضه ليأخذ من حدود جاره وأرضه ويترك ماء الرى ليغرق أرض جاره ويتلف زرعه وثماره ويفرح لمقتله ويسب عرضه ويتكلم فى حقه وإذا استضعفه تجبر وإذا استكثره تكسر.

 

-فجوة كبيرة وبون شاسع بين الأخلاق والتدين فالمتدين إما سيىء الأخلاق والمعاملات وإما به قصور شديد فى الأخلاق الأساسية كالكرم والشجاعة والمروءة وصاحب الأخلاق الأساسية ليس متدينا فلا يحافظ على صلاة أو صيام(وهذا ليس تعميم ولا إجحاف لكنه لقطة مصورة لكثير من الصور والأشكال).

 

-أكل ميراث المرأة فالنساء ليس لها أن ترث فى دين القرية ودين الأخوة الرجال فلا أرضا ترثها ولا قيمتها نقودا تحق لها,مع انتهاك حقوقها وسفك عزيمتها وإراداتها ,وقتل روح الإيجابية والمشاركة الإجتماعية فيها.

 

-انتشار زنا المحارم كالنار فى الهشيم فى القرى والنجوع لكثافة شركاء بيت العائلة والإختلاط المحرم وضعف الوازع الأخلاقى والرسالى مع الفراغ القروى الكبير وزيادة تكاليف الحياة وأعبائها.

 

(8)توغل صورة التدين النمطى المتمثلة فى تيارات الإسلام السياسى الإصلاحي الساكن فى مركزه والمتحرك فى بعض أطرافه ,وجماعات السلفية الداجنة وتفصيل أشكال وصور إسلامية راكده تؤمن بالدولة السلطوية وتعمل من خلالها مع بعض الأنياب الديكورية كملح الطعام.

 

(9)انتشار الجهل والفقر والمرض ثلاثية الأنظمة للسيطرة على القرى والنجوع بأشكالها وصورها بل على دول بأكملها فالجهل هنا لايعنى الأمية فقط لكنه أيضا الجهل الثقافى والمجتمعى والرسالى بدور الفرد والمجتمع المدنى كنوع من أنواع التغيير الناعم فى الدول.

 

ومنذ أن قال لى أستاذى فى الجامعة انظر إلى خريطة العالم ودقق فى جنوب أى مكان فيها ستجده فقيرا مهمشا مقارنة بشمالها ,فشمال أمريكا غير جنوبها وشمال أفريقيا غير جنوبها وشمال مصر غير جنوبها وشمال محافظتك غير جنوبها وشمال مدينتك غير جنوبها, وهكذا وأنا أتمعن فى نقاط الفوران الثورى الملهم أجده يتجاوز التربة الريفية إلى مدنية الحضر ونواصيه.

 

وحاول بعض الباحثين كما يقول الأستاذ /إسماعيل الإسكندرانى (الباحث فى الشأن السيناوى)فى مقاله (الشمال الثائر والجنوب الساكت )أن يفسروا وجود الفعل الثوري وغيابه في ضوء ثنائية (الحضر_الريف)، حيث اعتبروا الثورة مدينية بالمقام الأول، وأن الريف هو معقل الثورة المضادة وشبكات المصالح الداعمة لفلول النظام مخلوع الرأس.

وحتى الآن لم يثبت الصعيد خاصة والقرى الريفية عامة أية إنحياز ثورى خالص إلا من بعض هبات فى مدن الصعيد والريف ومراكزها كادت أن تخفت تدريجيا مع القبضة الأمنية القوية وسطوة العائلية والقبلية وارتباط مصالحها بالنظام القديم.

 

ورغم تاريخ الصعيد النابض بالثورة والتمرد ومقاومة الظلم والطغيان كما يقول الأستاذ /خالد إسماعيل فى مقال له بعنوان (الصعيد والثورة):و " الثورة " - بمعنى التغيير الجذرى للعلاقات السائدة - عرفها " الصعيد " منذ آلاف السنوات ، و طوال عصورالحكم الرومانى و الاسلامى ، كانت تتفجر الثورات و يتم قمعها ، و لكن هناك " انتفاضات" و قعت فى عصر " محمد على " و اولاده ، كانت من روافد الثورة العرابية ، من اشهرها : انتفاضة " بدو " الفيوم و المنيا ، و انتفاضة " البدارى " بقيادة الشيخ احمد الطيب ، و كلتاهما وقعت فى عهد الخديو سعيد و الخديو إسماعيل ، و يضاف اليها انتفاضات " الفلاحين " الرافضين اسلوب جمع الضرائب الذى قرره – اسماعيل – لحل أزمة الديون ، ثم جائت الثورة العرابية ، و شارك فيها اهل الصعيد بالمال و القتال ، و التاريخ يحفظ اسماء " العائلات " التى اضطهدت ، عقب دخول الانجليز مصر ، و فشل الثورة العرابية ... ، و كان جيش عرابى قد ضم حوالى 15 الف مقاتل من فرسان " البدو " المنتمين لمحافظات الصعيد و الشرقية.   ولكنه الصعيد العصي الذي مازال في غربته  منذ ذلك الحين ولم يعد منها الي الآن فماذا بعد ؟ ومتى سينتفض؟ سنترك الأيام والسنون لتجب عن آمالنا وآلامنا.
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق