]]>
خواطر :
متعجرفة ، ساكنة جزيرة الأوهام ... حطت بها منذ زمان قافلة آتية من مدينة الظلام...الكائنة على أطرف جزر الخيال...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الألوان والرسام

بواسطة: منى عايد  |  بتاريخ: 2014-08-24 ، الوقت: 15:25:45
  • تقييم المقالة:
ؤالألوان والرّسام 

    ها أنا في شوارعِ باريس ألتفتُ يميناً وشمال، أشاهدُ روعةَ تلكَ المدينةِِ كَيفَ كانَت في القرونِ الماضيةِ ، كيف كانت دولةٌ يَكثُرُ فيها الرَّسامونَ والفنَّانونَ والمعَارِض.

وفي جولَتي هذهِ شاهدتُّ أناساً يَقفونَ أَمامَ لوحةٍ بيضاء،يَجلسُ أمامها رجلٌ في الخمسينَ من عمرِه، يرسمُ بفرشاةٍ بسلاسةٍ ومهارةٍ كأنَّها جزءٌ منهُ يَبكي إذا كُسِرَت ويَفرَحُ إذا أنجَزَت .

ها أنا أرَى جميعَ الألوانِ التي أُحبُّها ، توجَّهت الفرشاةُ في هذا الوقتِ إلى اللونِ الأزرق، فرأَيتُ جمالَ ثوبِ السّماءِ الذي يُغطّيها مُنذُ نشأتِها وَ يَعكِسُ لونَها إلى مياهِ البحرِ كأنّها مرآةٌ لها سحرٌ عظيمٌ .

تمَّ تَوجّهت تلكَ الفرشاةُ إلى اللونِ الأخضر، فلم يَخطُر ببالي في ذاكَ الوقتِ سوى غطاءَ الأرضِ وجمالِهِ الذي يَبعَثُ فيها االحياةَ والرّوحَ والسّعادةَ والأمل، يُقويها في لحظةِ ضعفِ ويسانِدُها عندِ المصاعبِ ، حيث تتلونُ بهِ أوراقَ شجرٍ مُتَلألئة.

حِينها بَقيتُ أنتَظرُ إلى أين ستتجهُ الفرشاة، فذَهبَت إلى اللونِ الذّهبيِّ ، فتذكرتُ الصحراءَ تكسُوها عبائةً من ذاك اللونِ ترتديهُ منذُ ولادَتِها وكلَّ يومٍ يزدادُ جمالَها جمالاً ويَتلامِعُ حتَّى في دُجى الليل.

وبعد ذلك توجّهَت إلى اللونِ الفضيِّ فقالَ قلبِي: تلكَ النُّجومُ التي تَنتَشِرُ في ساحةِ السّماءِ ليلاً ، تُنيرُ الأرضَ وكأنَّها مصابيحٌ خُلِقَت من غيرِ وقود ، وقودُها أعينِ البشرِ والتّكلُّمِ عَنها.

توقفتُ في ذلك الحينِ عن النّظرِ إلى الفرشاةِ ، وأصبَحتُ غارقةً في أمنياتي .

تمنّيتُ لو أنّني فرشاةُ تَرسُمُ دَربَ المستقبلَ للأطفالِ الباسمين ، تمنّيتُ لو أنّني لوناً ألونُ ظلامَ قلوبِ البَشرِ ودامِسِ الليلِ في أعينِ القمر.

تمنّيتُ لو ألونُها بلونٍ جذابٍ يَشدُّ إليهِ جميعَ البشر، تمنّيتُ لو أنني ورقةً بيضاء أشدُّ جميعَ النّاظرينَ إليَّ ليكتُبوا هُمومَهم ومآسيهم ، لكي أصِلَ إلى نقاءِ قلوبِهِم.

تمنّيتُ لو أنني أرسمُ لوحاتِ البشرِ وأشاهِدُ مئةَ وجهٍ في اليومِ وذكريات ِالماضي وأبوابُ المستَقبَل ، وأسيرُ على دروبِ الأرضِ لأصِلَ إلى أعماقِ قلوبِ البشرِ، وأنيرُ ذاك الظّلامَ الذي أغشا على عيونِهِم وأبعَدَهُم عن طريقِ الأملِ .

الأملُ أنّ الحياةَ كعلبةِ (الشُّوكلاه) الفرنسيّةُ المحتَويَةُ على فاكهةِ الكيوي غيرِ الناضجة، فيها الحلوُمن حبّاتِ (الشّوكلاه) وفيها المرُّ ، وننتنافسُ نحنُ وأنفُسُنا بأن نأكُلَ جميعَ حبّاتُ (الشّوكلاه) المرّةُ ونتَّجِهُ لِربِّنا بالدُّعاءِ لكي يُفرِّجُ عنّأ، ولَن تَبقى في تلك العلبةُ سوى حبّاتُ (الشّوكلاه) الحلوَ التي سَنَستَمتِعُ بها .

وفي آخرِ المطافِ علينا تذكّرُ خالِقِنا وفرائِضِنا، وبشراً يَبحَثونَ عن تلك العبةَ ، وبشراً يتمنُّونَ لو يَذوقونَ حبَّةً حلوةً من تلك ( الشّوكولاه) وبشراً يبحثونَ عن سعادةٍ لا يقدِرُ على رَسمِها امهرُ رسّام.

والآن أغمِدُ قَلَمي وأُكمِلُ جولَتي وأُشاهِدُ ما لم أُشاهِدهُ في هذهِ الدّنيا بعد، لكي أسبحُ في كبدِ السّماءِ وأمشي على مياهِ الأنهارِ وأسافِرُ على مَتنِ الهواءِ أَنتَقِلُ من طبيعَةٍ إلى أخرى،ومن حضارةٍ إلى غَيرِها ومن لوحةٍ إلى رسّامٍ رَسَمها بمهارةٍ وسلاسةٍ وإبداعٍ وروعَةٍ ودقةٍ وإتقان.

منى القدارنه

 

 

 

 

    


كتابات منى القدارنه


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق