]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

كيفية إصلاح القلوب

بواسطة: Mohamed Ahmed  |  بتاريخ: 2014-08-22 ، الوقت: 17:55:55
  • تقييم المقالة:

سلسلة (إِصْــلاحُ الْــقــُلُــوب)

 

أحبتى فى الله!

المُقَدِّمَةُ

إِنَّ الْحَمْدَ لله نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ الله فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا اله إِلا الله، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الكَلامِ كَلامُ الله، وَخَيرَ الهَديِ هَديُ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّالأُمُورِ مُحدَثَاتُهَا؛ وَكُلَّ مُحدَثَةٍ بِدعَةٌ، وَكُلَّ بِدعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ.

إِنَّ المُتَأمِّلَ فِي نَفسِهِ وَمَنْ حَولَهُ مِنَ النَّاسِ بِكَافَّةِ طَبَقَاتِهِم، لَيَرَى اهْتِمَاماً بَالِغاً وَانْصِرَافاً تَامّاً - إِلا مَنْ رَحِمَ الله - إِلَى العِنَايَةِ بِالمَظَاهِرِ المَرئِيَّةِ، وَغَفلَةً تَكَادُ تَكُونُ عَامَّةً عَنِ العِنَايَةِ بِالأَعمَالِ القَلبِيَّةِ وَالذَّخَائِرِ الخَفِيَّةِ.

مَعَ أَنَّ إِصْلاحَ القُلُوبِ مِنَ المَطَالِبِ العَالِيَةِ، وَالمَقَاصِدِ السَّامِيَةِ، وَأُمنِيَةٌ عَظِيمَةٌ، وَغَايَةٌ كَرِيمَةٌ لا تَصْلُحُ الأَحْوَالُ إِلا بِهَا بِإِذْنِ الله تَعَالَى.

وَقَد صَارَ الكَلامُ فِي إِصْلاحِ القُلُوبِ عَزِيزاً وَغَرِيباً. «وَأَغْرَبُ مِنْهُ مَنْ يَعْرِفُهُ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ مَنْ يَدْعُو إِلَيْهِ، وَيَنْصَحُ بِهِ نَفْسَهُ وَالنَّاسَ» وَإِذَا تَعَرَّضَ طَالِبُ العِلْمِ النَّافِعِ لِشَيءٍ مَنْهَا اسْتُغْرِبَ وَاسْتُبْعِدَ. فَهُوَ «مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ غُرْبَةً بَينَ النَّاسِ، لَهُم شَأنٌ وَلَهُ شَأنٌ، عِلْمُهُ غَيرُ عُلُومِهِم، وَإِرَادَتُهُ غَيرُ إِرَادَتِهِم، وَطَرِيقُهُ غَيرُ طَرِيقِهِم، فَهُوَ فِي وَادٍ وَهُم فِي وَادٍ» مُنْفَرِدٌ فِي طَرِيقِ طَلَبِهِ. «فَلَزِمَهُ وَاسْتَقَامَ عَلَيْهِ». طُوبَى لَهُ مِنْ وَحِيدٍ عَلَى كَثْرَةِ السُّكَّانِ، غَرِيبٍ عَلَى كَثْرَةِ الجِيرَانِ. وَلَقَد أَحْسَنَ القَائِلُ:

الطُّرُقُ شَتَّى وَطُرُقُ الحَقِّ مُفْرَدَةٌ ... وَالسَّالِكُونَ طَرِيقَ الحَقِّ أَفرَادُ

لا يُعرَفُونَ وَلا تُدْرَى مَقَاصِدُهُم ... فَهُم عَلَى مَهلٍ يَمشُونَ قُصَّادُ

وَالنَّاسُ فِي غَفلَةٍ عَمَّا يُرَادُ بِهِم ... فَجُلُّهُم عَن سَبِيلِ الحَقِّ رُقَّادُ

وَعَلَى الجُمْلِةِ: فَلا يَمِيلُ أَكثَرُ الخَلْقِ إِلا إِلى الأَسْهَلِ وَالأَوفَقِ لِطِبَاعِهِم.

«وَكُلَّمَا كَانَ الفِعْلُ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ وَأَحَبَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَانَ اعْتِرَاضُ الشَّيْطَانِ لَهُ أَكْثَرَ».

وَكُلَّما عَظُمَ المَطْلُوبُ وَشَرُفَ «كَثُرَتِ العَوَارِضُ وَالموَانِعُ دُونَهُ، هَذِهِ سُنَّةُ الله فِي الخَلْقِ.

فَانْظُرْ إِلى الجَنَّةِ وَعِظَمِهَا، وَإِلَى المَوَانِعِ وَالقَوَاطِعِ التي حَالَتْ دُونَهَا، حَتَّى أَوجَبَتْ أَنْ ذَهَبَ مِنْ كُلِّ أَلْفِ رَجُلٍ وَاحِدٌ إِلَيهَا.

وَانْظُرْ إِلَى مَحَبَّةِ الله وَالانْقِطَاعِ إِلَيهِ وَالإِنَابَةِ إِلَيهِ وَالتَّبَتُّلِ إِلَيهِ وَحْدَهُ، وَالأُنْسِ بِهِ وَاتِّخاذِهِ وَلِيًّا وَوَكِيلًا وَكَافِياً وَحَسِيباً، هَلْ يَكْتَسِبُ العَبْدُ شَيئاً أَشْرَفَ مِنْهُ؟»

وَانَظُرْ إِلَى العَوَائِقِ الحَائِلَةِ دُونَهُ، مِنْ شِرْكٍ، وَبِدْعَةٍ، وَمَعصِيَةٍ؛ فَإِنَّها تَعُوقُ القَلبَ عَنْ سَيرِهِ إِلَى الله، وَتَقْطَعُ عَلَيهِ طَرِيقَهُ، فَالعَوَائِقُ شَدِيدَةٌ، «لا يَخْلُصُ مِنْ حَبَائِلِهَا إِلا الوَاحِدُ بَعْدَ الوَاحِدِ، وَلَولا العَوَائِقُ وَالآفَاتُ لَكَانَتِ الطَّرِيقُ مَعْمُورَةً بِالسَّالِكِينَ، وَلَو شَاءَ الله لأَزَالَهَا وَذَهَبَ بِهَا، وَلَكِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ».

وَلَمَّا كَانَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ فِي غَفْلَةٍ عَنْ قُلُوبِهِم، جَمَعْتُ هَذَا البَحْثَ بِتَوفِيقِ الله تَعَالَى، سَائِلاً المَولَى الكَرِيمَ أَنْ يُصْلِحَ بَوَاطِنَنَا وَظَوَاهِرَنَا، وَيُوَفِّقَنَا لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِنَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ. وَالحَمدُ لله رَبِّ العَالَمِين

أُصُولٌ نَفِيسةٌ فِي إِصلاحِ القُلُوبِ

الأصْلُ الأَوَّلُ: الْقَلَبُ مَوْضِعُ نَظَرِ الله تَعَالَى

عَنْ أَبي هُرَيرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الله تَعَالَى لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»

أَشْرَفُ مَا فِي الإِنسَانِ قَلْبُهُ، فَهُوَ مَحِلُّ نَظَرِ الله سبحانه وتعالى، المَخْصُوصُ بِأَشْرَفِ العَطَايَا مِنَ الإِيمَانِ وَتَوَابِعِهِ. فَعَلَى العَبْدِ أَنْ يَهْتَمَّ بِقَلبِهِ وَيُزَيِّنَهُ بِالتَّوبَةِ وَالإِنَابَةِ إِلَى الله تَعَالَى، وَيُطَهِّرَهُ مِنْ كُلِّ مَا يَكْرَهُهُ الله تَعَالَى، فَإِنَّ زِينَةَ الظَّاهِرِ مَعَ خَرَابِ البَاطِنِ لا تُغْنِي شَيئاً. قَالَ الله تَعَالَى: ?يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير? [الأعراف:26].

فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْزَلَ لِبَاسَيْنِ: لِبَاسًا ظَاهِرًا يُوارِي العَوْرَةَ وَيَسْتُرُهَا، وَلِبَاسًا بَاطِنًا مِنَ التَّقْوَى، يُجَمِّلُ العَبْدَ وَيَسْتُرُهُ، فَإِذَا زَالَ عَنْهُ هَذَا اللِّبَاسُ؛ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ البَاطِنَةُ، كَمَا تَنْكَشِفُ عَوْرَتُهُ الظَّاهِرَةُ بِنَزْعِ مَا يَسْتُرُهَا.

وَلَقَد أَحْسَنَ القَائِلُ:

إِذَا المَرْءُ لَمْ يَلْبَسْ ثِيَاباً مِنَ التُّقَى ... تَقَلَّبَ عُرْيَاناً وَإِنْ كَانَ كَاسِياً

ِوَخَيرُ لِبَاسِ المَرءِ طَاعَةُ رَبِّهِ ... وَلا خَيرَ فِيمَنْ كَانَ اللَّهِ عَاصِياً

وَهَكَذَا إِذَا رُئِيَ الرَّجُلُ أَوِ المَرْأَةُ فِي مَنَامِهِ مَكْشُوفَ السَّوْأَةِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادٍ فِي دِينِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ:

إِنِّي كَأَنِّي أَرَى مَنْ لا حَيَاءَ لَهُ ... وَلا أَمَانَةَ وَسْطَ النَّاسِ عُرْيَانًا

فَالله الله فِي إِصْلاحِ السَّرَائِرِ؛ فَإِنَّهُ مَا يَنْفَعُ مَعَ فَسَادِهَا صَلاحٌ ظَاهِرٌ.

قَالَ الله تَعَالَى: ?واللّاه يعلم ما فِي قلوبكم? [الأحزاب:51].

فَانْظُر أَيُّهَا الأَخُ الحَبِيبُ: مَاذَا يَعْلَمُ الله مِنْ قَلْبِكَ؟!

الأَصْلُ الثَّانِي: صَلاحُ الجَوَارِحِ بِصَلاحِ القَلبِ

عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ الله عَنْهُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: «... يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُم وَآخِرَكُم وَإِنسَكُم وَجِنَّكُم كَانُوا عَلَى أَتقَى قَلبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُم، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلكِي شَيئًا، يَا عِبَادِي لَو أَنَّ أوَّلَكُم وَآخِرَكُم وَإِنسَكُم وَجِنَّكُم كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيئًا».

وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الأَصْلَ فِي التَّقْوَى وَالفُجُورِ هِيَ القُلُوبُ، فَإِذَا بَرَّ القَلْبُ واتَّقَى بَرَّتِ الجَوَارِحُ، وَإِذَا فَجَرَ القَلْبُ فَجَرَتِ الجَوَارِحُ(2).

عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشَيرٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «... أَلا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ»

فَإِنْ كَانَ القَلْبُ صَالِحًا لَيْسَ فِيهِ إِلا إِرَادَةُ الله وَإِرَادَةُ مَا يُرِيدُهُ، لَمْ تَنْبَعِثِ الجَوَارِحُ إِلا فِيمَا يُرِيدُهُ الله، فَسَارَعَتْ إِلَى مَا فِيهِ رِضَاهُ، وَكَفَّتْ عَمَّا يَكْرَهُهُ. فَصَلُحَ اللِّسَانُ صِدْقًا وَقَوْلًا سَدِيدًا ثَابِتًا وَحِكْمَةً نَافِعَةً، وَصَلُحَتِ العَيْنُ اعْتِبَارًا وَغَضًّا عَنِ المَحَارِمِ. وَصَلُحَتِ الأُذُنُ اسْتِمَاعًا لِلنَّصِيحَةِ وَالقَوْلِ النَّافِعِ، وَمَا يَنْفَعُ العَبْدَ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ. وَصَلُحَ الفَرْجُ عِفَّةً وحِفْظًا.

وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ:«لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلاَ يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ»

فَأَصْلُ الاسْتِقَامَةِ: اسْتِقَامَةُ القَلْبِ عَلَى التَّوْحِيدِ. فَمَتَى اسْتَقَامَ القَلْبُ عَلَى مَعْرِفَةِ الله، وَعَلَى خَشْيَتِهِ، وَإِجْلالِهِ، وَمَهَابَتِهِ، وَإِرَادَتِهِ، وَرَجَائِهِ، وَدُعَائِهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَالإِعْرَاضِ عَمَّا سِوَاهُ، اسْتَقَامَتِ الجَوَارِحُ كُلُّهَا

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحَبَّ لله، وَأَبْغَضَ لله، وَأَعْطَى لله، وَمَنَعَ لله، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ»

فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ حُبُّهُ لله، وَبُغْضُهُ لله، وَهُمَا عَمَلُ قَلبِهِ. وَعَطَاؤُهُ لله، وَمَنْعُهُ لله، وَهُمَا عَمَلُ بَدَنِهِ، دَلَّ عَلَى كَمَالِ الإِيمَانِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا.

فَالحُبُّ فِي الله: أَنْ يُحِبَّ الله، ويُحبَّ مَا يُحِبُّهُ.

وَالبُغْضُ فِي الله: أَنْ يُبْغِضَ كُلَّ مَا أَبْغَضَهُ الله: مِنْ كُفْرٍ وَفُسُوقٍ وَعِصْيَانٍ؛ وَيُبْغِضُ مَنْ يَتَّصِفُ بِهَا، أَوْ يَدْعُو إِلَيْهَا.

وَمَنْ كَانَ حُبُّهُ وَبُغْضُهُ وَعَطاؤُهُ وَمَنْعُهُ لِهوَى نَفْسِهِ، كَانَ ذَلِكَ نَقْصاً فِي إِيمَانِهِ الوَاجِبِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ مِنْ ذَلِكَ.

إِنَّ مُضْغَةً مَرْهُونٌ صَلاحُكَ بِصَلاحِهَا، وَفَسَادُكَ بِفَسَادِهَا، لَحَرِيٌّ بِكَ أَنْ تَتَفَقَّدَهَا، وَتَسْعَى إِلَى إِصْلاحِهَا.

الأَصْلُ الثَالِثُ: القَلْبُ كَثِيرُ التَّقَلُّبِ

عَنِ المِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: لا أَقُولُ فِي رَجُلٍ خَيْرًا وَلاشَرًّا، حَتَّى أَنْظُرَ مَا يُخْتَمُ لَهُ - يَعْنِي: بَعْدَ شَيءٍ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ: وَمَا سَمِعْتَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَقَلْبُ ابْنِ آدَمَ أَشَدُّ انْقِلابًا مِنَ القِدْرِ إِذَا اجْتَمَعَتْ غَلْياً»

وَمَعْلُومٌ سُرعَةُ حَرَكَةِ القِدْرِ.

وَهَذََا "مِنْ أَحْسَنِ الأَمثَالِ وَأَبْلَغِهَا وَأَعْظَمِهَا تَقْرِيباً إِلى الأفْهَامِ"  .

وَقَالَ القَائِلُ:

مَا سُمِّيَ القَلْبُ إِلا مِنْ تَقَلُّبِهِ ... فَاحْذَر عَلَى القَلْبِ مِنْ قَلْبٍ وَتَحْوِيلِ

وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذَا القَلْبَ كَرِيشَةٍ بِفَلاةٍ مِنَ الأَرْضِ ، يُقِيمُهَا الرِّيحُ ظَهْرًا لِبَطنٍ»

فَهُنَا يُصَوِّرُ لَنَا الرَّسُولُ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ القَلْبَ وَكَأَنَّهُ رِيشَةٌ لِخِفَّتِهِ وَلِتَأْثِيرِ الفِتَنِ عَلَيْهِ، صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، تَمَامًا مِثْلَ الرِّيشَةِ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِيهَا أَقَلُّ النَّسَمَاتِ فَتُغَيِّرُ اتِّجَاهَهَا.

«فَأَدْنَى شَيءٍ يَخْدِشُهُ وَيُدَنِّسُهُ وَيُؤَثِّرُ فِيهِ، فَهُوَ كَأَبيَضِ ثَوْبٍ يَكُونُ؛ يُؤَثِّرُ فِيهِ أَدْنَى أَثَرٍ، وَكَالمِرْآةِ الصَّافِيَةِ جِدًّا؛ أَدْنَى شَيءٍ يُؤَثِّرُ فِيهَا، وَلِهَذَا تُشَوِّشُهُ اللَّحظَةُ وَاللَّفْظَةُ وَالشَّهْوَةُ الخَفِيَّةُ»

الأَصْلُ الرَّابِعُ: القَلْبُ عُرْضَةٌ لِلفِتَنِ

عَنْ حُذَيفَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَعَرْضِ الْحَصِيرِ عُوداً عُوداً، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَت فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَت فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَعُودَ القُلُوبُ عَلَى قَلْبَيْنِ: قَلبٍ أَسْوَدَ مُرْبَادّاً كَالْكُوزِ مُجَخِّياً لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفاً وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَراً؛ إِلا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ، وَقَلْبٍ أَبْيَضَ، فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ»

فَشَبَّهَ عَرْضَ الفِتَنِ عَلَى القُلُوبِ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ كَعَرْضِ عِيدَانِ الحَصِيرِ شَيْئًا فَشَيْئًا. «وَتُنْسَجُ فِيهَا وَاحِداً بَعْدَ وَاحدٍ، كَالحَصِيرِ الذي يَنْسَجُ عُوداً عُوداً»

وَقَسَّمَ القُلُوبَ عِنْدَ عَرْضِهَا عَلَيهَا إِلَى قِسْمَينِ:

أ- قَلْبٌ إِذا عُرِضَتْ عَلَيهِ فِتْنَةٌ أُشْرِبَها؛ كَمَا يُشْرَبُ السِّفَنْجُ المَاءَ، فَتُنْكَتُ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ.

وَللهِ دَرُّ القَائِلِ:

إِذَا مَا القَلبُ أُشْرِبَ حُبَّ شَيءٍ ... فَلا تَأْمَلْ لَهُ عَنْهُ انْصِرَافًا

فَلا يَزَالُ يُشْرَبُ كُلَّ فِتْنَةٍ تُعْرَضُ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْوَدَّ وَيَنْتَكِسَ، وَهُوَ مَعْنَى قَولِهِ: «كَالكُوزِ مُجَخِّياً»؛ أَي:كَالإِنَاءِ مَكْبُوبًا مَنْكُوسًا، الذي لا يَثْبُتُ فِيهِ شَيءٌ؛ فَإِذَا اسوَدَّ وَانْتَكَسَ عَرَضَ لَهُ مِنْ هَاتَيْنِ الآفَتَينِ مَرَضَانِ خَطِيرَانِ مُتَرَامِيَانِ بِهِ إِلَى الهَلاكِ.

أَحَدُهُما:اشْتِبَاهُ المَعْرُوفِ عَلَيْهِ بِالمُنكَرِ، فَلا يَعْرِفُ مَعْرُوفاً، وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، وَرُبَّمَا استَحْكَمَ عَلَيْهِ هَذَا المَرَضُ حَتَّى يَعْتَقِدَ المَعْرُوفَ مُنْكَرًا، والمُنْكَرَ مَعْرُوفًا، وَالسُّنَّةَ بِدْعَةً والبِدْعَةَ سُنَّةً، والحَقَّ بَاطِلًا وَالبَاطِلَ حَقًّا.

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ الله عَنْهُ: هَلَكَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَلْبُهُ المَعْرُوفَ، وَيُنْكِرْ قَلْبُهُ المُنْكَرَ.

فَهُوَ مَيِّتُ القَلْبِ، الَّذِي قِيلَ فِيهِ:

لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيِّتٍ ... إنَّمَا المَيْتُ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ

وَهُوَ قَلْبُ المُنَافِقِ، وَهُوَ شَرُّ قُلُوبِ الخَلْقِ. وَهَذَا القَلْبُ دَأبُهُ دَائِماً أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى مَا يَكرَهُهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَيَنْهَاهُم عَمَّا يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ وَالاعْتِقَادِ

الثَّانِي:تَحْكِيمُهُ هَوَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَانْقِيادُهُ لِلْهَوَى وَاتِّبَاعُهُ لَهُ.

ب- وَقَلْبٌ أَبْيَضُ عَرَفَ الحَقَّ، وَقَبِلَهُ وَأَحَبَّهُ , وَآثَرَهُ عَلَى غَيرِهِ. قَدْ أَشْرَقَ فِيهِ نُورُ الإِيمَانِ، وَأَزْهَرَ فِيهِ مِصْبَاحُهُ، فَإِذَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ الفِتْنَةُ أَنْكَرَهَا وَرَدَّهَا، فَازْدَادَ نُورُهُ وَإِشْرَاقُهُ وَقُوَّتُهُ.

وَالفِتَنُ الَّتِي تُعْرَضُ عَلَى القُلُوبِ هِيَ أَسْبَابُ مَرَضِهَا، وَهِيَ فِتَنُ الشَّهَوَاتِ وَفِتَنُ الشُّبُهَاتِ، فِتَنُ المَعَاصِي وَالبِدَعِ. هَذَانِ أَصْلُ دَاءِ الخَلْقِ إِلا مَنْ عَافَاهُ اللهُ

فَفِتْنَةُ الشُّبُهَاتِ:إِمَّا بِاعْتِقَادِ خِلافِ الحَقِّ الَّذِي أَرْسَلَ الله بِهِ رَسُولَهُ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنْزَلَ بِهِ كِتَابَهُ. كَالَّذِي يَنْفِي عُلُوَّ الله عَلَى العَرْشِ. وَإِمَّا بِالتَّعَبُّدِ بِمَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الله. وَهِيَ البِدَعُ عَلَى اخْتِلافِ أَنْوَاعِهَا.

 فمن نفى حقيقة «الاستواء» فهو معطِّلٌ، ومن شبَّههُ باستواءِ المخلوق على المخلوق فهو ممثِّلٌ، ومن قال: استواءٌ ليس كمثله شيء، فهو الموحِّدُ المنزِّهُ.

وَأَمَّا فِتْنَةُ الشَّهَوَاتِ:«أَنْ يُحِبَّ الشَّهَوَاتِ المُحَرَّمَةَ، مِثْلَ: الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَشُرْبِ الخَمْرِ، وَالغِيبَةِ، وَالنَّمِيمَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ?فلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ? [الأحزاب: 32] أَي: مَرَضُ الشَّهْوَةِ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى».

عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ: عَنِ النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ مِمَّا أَخْشَى عَلَيْكُم: شَهَوَاتِ الغَيِّ فِي بُطُونِكُم وَفُرُوجِكُم، وَمُضِلاتِ الهَوَى».

فَاتِّبَاعُ الشَّهَواتِ: هُوَ دَاءُ العُصَاةِ.

وَاتِّبَاعُ الشُّبُهَاتِ: وَهُوَ دَاءُ المُبْتَدِعَةِ وَأهْلِ الأَهْوَاءِ وَالخُصُومَاتِ، وَكَثِيراً مَا يَجْتَمِعَانِ، فَقَلَّ مَنْ تَجِدُهُ فَاسِدَ الاعْتِقَادِ إِلا وَفَسَادُ اعْتِقَادِهِ يَظْهَرُ في عَمَلِهِ

 وَهَذَانِ هُمَا أَصْلُ كُلِّ شَرٍّ وَفِتْنَةٍ وَبَلاءٍ، وَبِهِمَا كُذِّبَتِ الرُّسُلُ، وَعُصِيَ الرَّبُّ وَدُخِلَتِ النَّارُ، وَحَلَّتِ العُقُوبَةُ

الأَصْلُ الخَامِسُ: الأَعْمَالُ تَتَفَاضَلُ بِتَفَاضُلِ مَا فِي القُلُوبِ

إِنَّ الأَعْمَالَ لا تَتَفَاضَلُ بِصُوَرِهَا وَعَدَدِهَا، وَإِنَّمَا تَتَفَاضَلُ بِتَفاضُلِ مَا فِي القُلُوبِ، مِنَ الإِيمَانِ وَالمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ وَالإِجْلالِ، فَتَكُونُ صُورَةُ العَمَلَيْنِ وَاحِدَةً، وَبَيْنَهُمَا فِي التَّفَاضُلِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَالرَّجُلانِ يَكُونُ مَقامُهُمَا فِي الصَّفِّ وَاحِدًا، وَبَيْنَ صَلاتَيْهِمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمَا مُقْبِلٌ بِقَلْبِهِ عَلَى الله عَزَّ وَجَلَّ، وَالآخَرَ سَاهٍ غَافِلٌ.

عَنْ عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكعَتَينِ مُقبِلٌ عَلَيهِمَا بِقَلبِهِ وَوَجهِهِ، إِلا وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ».

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ (بَعْدَ ذِكْرِ فَضْلِ الوضُوءِ وَثَوَابِهِ): «فَإنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قلبَهُ لله، إِلا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».

وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ سُورَةٍ بِتَدَبُّرٍ وَمَعرِفَةٍ وَتَفَهُّمٍ، وَجَمعِ القَلْبِ عَلَيْهَا، أَحَبُّ إِلَى الله تَعَالَى، وَأَعْظَمُ أَجْرًا، «وَخَيرٌ مِنْ قِرَاءَةِ خَتْمَةٍ بِغَيرِ تَدَبُّرٍ وَتَفَهُّمٍ، وأَنْفَعُ لِلْقَلْبِ، وَأدْعَى إِلَى حُصُولِ الإِيمَانِ وَذَوقِ حَلاوَةِ القُرآنِ»

وَلا رَيبَ أَنَّ مُجَرَّدَ القِيَامِ بِأَعْمَالِ الجَوَارِحِ، مِنْ غَيرِ حُضُورٍ وَلا مُرَاقَبَةٍ، وَلا إِقْبَالٍ عَلَى الله: قَلِيلُ المَنْفَعَةِ، دُنْيًا وَأُخْرَى، كَثِيرُ المُؤنَةِ. فَإِنَّهُ - وَإِنْ كَثُرَ - مُتْعِبٌ غَيرُ مُفِيدٍ

وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى: ?الَّذِي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً? [الملك:2]. وَقَالَ: ?إنا جعلنا ما عَلَى الأرض زينة لهالنبلوهم أيهم أحسن عملا? [الكهف:7]. وَقَالَ تَعَالَى: ?وهو الَّذِي خلق السموات والأرض فِي ستة أيام وكان عرشه عَلَى الماءِلِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ? [هود: 7].

فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وَالمَوْتَ وَالحَيَاةَ، وَزَيَّنَ الأَرْضَ بِمَا عَلَيْهَا لِيَبْلُوَ عِبَادَهُ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلًا، لا أَكْثَرُ عَمَلًا.

وَلِهَذِهِ المَعَانِي الجَلِيلَةِ، لَمْ تُغْنِ الصَّالِحِينَ كَثْرَةُ الأَعْمَالِ بِالظَّاهِرِ، وَقَالُوا: الشَّأْنُ فِي الصَّفْوَةِ لا فِي الكَثْرَةِ.

وَأَمَّا الَّذِينَ أَغْفَلُوا مَا فِي القُلُوبِ، فَغَرَّهُمُ العَدَدُ وَالكَثْرةُ، وَمَا يَنْفَعُ رَفْعُ السُّقُوفِ وَلَمْ تُحْكَمْ مَبَانِيهَا؟!

 

الأَصْلُ السَّادِسُ: عُبُودِيَّةُ القَلْبِ أَعْظَمُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الجَوَارِحِ

القَلْبُ أَشْرَفُ مِنَ الجَوَارِحِ، فَكَانَ عَمَلُهُ أَشْرَفَ مِنْ عَمَلِ الجَوَارِحِ

وَمَنْ تَأَمَّلَ الشَّرِيعَةَ فِي مَصَادِرِهَا وَمَوَارِدِهَا، عَلِمَ ارتِبَاطَ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ بِأَعْمَالِ القُلُوبِ، وَأَنَّهَا لا تَنْفَعُ بِدُونِهَا، وَأَنَّ أَعْمَالَ القُلُوبِ أَفْرَضُ عَلَى العَبْدِ مِنْ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ، وَهَلْ يُمَيَّزُ المُؤْمِنُ عَنِ المُنَافِق إِلا بِمَا فِي قَلْبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الأَعْمَالِ الَّتِي مَيَّزَتْ بَيْنَهُمَا، وَهَلْ يُمْكِنُ أَحَدٌ الدُّخُولَ فِي الإِسْلامِ إِلا بِعَمَلِ قَلْبِهِ قَبْلَ جَوَارِحِهِ، وَعُبُودِيَّةُ القَلْبِ أَعْظَمُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الجَوَارِحِ وَأَكْبَرُ وَأَدْوَمُ، فَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، «مِثْلَ مَحَبَّةِ الله وَرَسُولِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى الله وَإِخْلاصِ الدِّينِ لَهُ وَالشُّكْرِ لَهُ، وَالصَّبْرِ عَلَى حُكْمِهِ وَالخَوْفِ مِنْهُ وَالرَّجَاءِ لَهُ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ». وَلِهَذَا كَانَ الإِيمَانُ وَاجِبَ القَلْبِ عَلَى الدَّوَامِ، وَالإِسْلامُ وَاجِبَ الجَوَارِحِ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ، فَمُرَكَّبُ الإِيمَانِ القَلْبُ، وَمُرَكَّبُ الإِسْلامِ الجَوَارِحُ

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «الإِسْلامُ عَلانِيَةٌ، وَالإِيمَانُ فِي القَلْبِ» قَالَ: ثُمَّ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ: «التَّقْوَى هَا هُنَا، التَّقْوَى هَا هُنَا».

الأَصْلُ السَّابِعُ: القَلْبُ هَدَفٌ للشيطان

لَمَّا عَلِمَ عَدُوُّ الله إِبْلِيسُ أَنَّ المَدَارَ عَلَى القَلْبِ وَالاعْتِمَادَ عَلَيهِ؛ أَجْلَبَ عَلَيهِ بِالوَسَاوِسِ، وَأَقْبَلَ بِوُجُوهِ الشَّهَوَاتِ إِلَيهِ، وَزَيَّنَ لَهُ مِنَ الأَحْوَالِ وَالأَعْمَالِ مَا يَصُدُّهُ بِهِ عَنِ الطَّرِيقِ، وَأَمَدَّهُ مِنْ أَسْبَابِ الغَيِّ بِمَا يَقْطَعُهُ عَنْ أَسْبَابِ التَّوفِيقِ، وَنَصَبَ لَهُ مِنَ المَصَايِدِ وَالحَبَائِلِ مَا إِنْ سَلِمَ مِنَ الوُقُوعِ فِيهَا، لَمْ يَسْلَمْ مِنْ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ بِهِ التَّعْوِيقُ.

وَلَمَّا كَانَ الأمرُ بِهَذهِ الخُطُورةِ: «كَانَ الاهْتِمَامُ بِتَصْحِيحِهِ وَتَسْدِيدِهِ أَولَى مَا اعْتَمَدَ السَّالِكُونَ، وَالنَّظَرُ فِي أَمْرَاضِهِ وَعِلاجِهَا أَهَمَّ مَا تَنَسَّكَ بِهِ النَّاسِكُونَ».

الأَصْلُ الثَّامِنُ: أَمْرَاضُ القُلُوبِ خَفِيَّةٌ

وَمَرَضُ القَلْبِ خَفِيٌّ، قَدْ لا يَعْرِفُهُ صَاحِبُهُ - كَالرِّيَاءِ وَالعُجْبِ وَالكِبْرِ وَالشُّهْرَةِ - فَلِذَلِكَ يَغْفُلُ عَنْهُ، وَإِنْ عَرَفَهُ صَعُبَ عَلَيْهِ الصَّبْرُ عَلَى مَرَارَةِ دَوَائِهِ، لِأَنَّ دَوَاءَهُ مُخَالَفَةُ الهَوَى، وَإِنْ وَجَدَ الصَّبْرَ لَمْ يَجِدْ طَبِيبًا حَاذِقًا يُعَالِجُهُ، فَإِنَّ أَهْلَ الحَدِيثِ هُمْ أَطِبَّاءُ القُلُوبِ، العَالِمُونَ بِأحْوَالِهَا، وَأَعْمَالِهَا، العَارِفُونَ بِأَدْوِيَتِهَا وَأَدْوَائِهَا، دَونَ المُنْحَرِفِينَ عَنْ طَرِيقَتِهِم، المُتَشَبِّعُونَ بِمَا لَمْ يُعْطَوْا، لابِسُو ثِيَابِ الزُّورِ، الَّذِينَ يَصُدُّونَ النَّاسَ عَنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِم، وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا، وَهُم يَحْسَبُونَ أَنَّهُم يُحْسِنُونَ صُنْعًا. حَتَّى عَادَوْا أَهْلَ الحَدِيثِ، وَرَمَوْهُم بِالعَظَائِمِ، وَنَفَّرُوا النَّاسَ عَنْهُمْ، فَدَاوَوْا أَمْرَاضَ القُلُوبِ بِالآرَاءِ وَالأَهْوَاءِ وَالخَيَالاتِ، وَ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالمَوضُوعَةِ «فَكَانُوا كَالمُدَاوِي مِنَ السَّقَمِ بِالسُّمِّ القَاتِلِ.

فَاتَّفَقَ قِلَّةُ الأَطبَّاءِ، وَكَثْرَةُ المَرْضَى، وَحُدُوثُ أَمْرَاضٍ مُزْمِنَةٍ لَمْ تَكُنْ فِي السَّلَفِ، فَاشْتَدَّ البَلاءُ، وَتَفَاقَمَ الأَمْرُ، وَامْتَلاتِ الدُّورُ وَالطُّرُقَاتُ وَالأَسْوَاقُ مِنَ المَرْضَى، وَقَامَ كُلُّ جَهُولٍ يُطَبِّبُ النَّاسَ».يَنْطَبقُ عَلِيهِ قَولُ القَائِلِ:

وَغَيرُ تَقِيٍّ يَأمُرُ النَّاسَ بِالتُّقَى ... طَبِيبٌ يُدَاوِي النَّاسَ وَهُوَ سَقِيمُ

وَمَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الحَدِيثِ، وَبِمَا عَلَيْهِ أَهْلُ البِدَعِ اليَوْمَ فِي هَذَا البَابِ وَغَيْرِهِ؛ عَلِمَ أَنَّ بَيْنَ السَّلَفِ وَبَيْنَ هَؤُلاءِ الخُلُوفِ مِنَ البُعْدِ، أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، وَأَنَّهُم عَلَى شَيءٍ، وَالسَّلَفُ عَلَى شَيءٍ؛ كَمَا قِيلَ:

سَارَتْ مُشَرِّقَةً وَسِرْتُ مُغَرِّبًا ... شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبِ

وَالأَمْر - واللَّهِ - أَعْظَمُ مِمَّا ذَكَرْنَا

الأَصْلُ التَّاسِعُ: إِهْمَالُ أَعْمَالِ القُلُوبِ يُؤَدِّي إِلَى الهَلاكِ

إِنَّ الاعْتِنَاءَ بِالمَظَاهِرِ وَجَعْلَهَا زَاهِيَةً، وَإِهْمَالَ البَوَاطِنِ وَجَعْلَهَا خَاوِيَةً، يُؤَدِّي إِلَى دُخُولِ النَّارِ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.

وَلِيَتَأَمَّلِ القَارِئُ الأَحَادِيثَ التَّالِيَةَ:

أ- عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَوَّلُ شَيءٍ يُرْفَعُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ الخُشُوعُ، حَتَّى لا تَرَى فِيهَا خَاشِعًا»

وَأَصْلُ الخُشُوعِ: هُوَ لِينُ القَلْبِ وَرِقَّتُهُ وَسُكُونُهُ وَخُضُوعُهُ وانكِسَارُهُ، فَإِذَا خَشَعَ القَلْبُ تَبِعَهُ خُشُوعُ جَمِيعِ الجَوَارِحِ وَالأَعْضَاءِ؛ لأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهُ

وَيَتَرَتَّبُ عَلَى عَدَمِ الخُشُوعِ أَمْرَانِ:

الأَوَّلُ: عَدَمُ الانتِهَاءِ عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنكَرِ. فَإِنَ الصَلاةَ الخَاشِعَةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنكَرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ?إِنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر? [العنكبوت: 45].

الثَّانِي: عَدَمُ الفَلاحِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلَّقَ الفَلاحَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالخُشُوعِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ?قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون? [المؤمنون: 1 - 2].

ب- عَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ الله عَنْهُ: عَنِ النَّبَيِّ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لاعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ، بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا الله عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا». قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ الله! صِفْهُم لَنَا، جَلِّهِم لَنَا، أَنْ لا نَكُونَ مِنْهُم وَنَحْنُ لا نَعْلَمُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُم إِخْوَانُكُم وَمِنْ جِلْدَتِكُم، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُم أَقْوَامٌ، إِذَا خَلَوا بِمَحَارِمِ الله انْتَهَكُوهَا».

فَهَؤُلاءِ قَامُوا بِأَعْمَالٍ ظَاهِرَةٍ، وَأَهْمَلُوا أَعْمَالَ القُلُوبِ، فَلَمْ يُرَاقِبُوا الله فِي خَلَوَاتِهِم، وَالمُرَاقَبَةُ: عِلْمُ القَلْبِ بِقُرْبِ الرَّبِّ.

هَؤُلاءِ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِم قَوْلُ القَائِلِ:

أَظْهَرَ بَيْنَ الخَلْقِ إِحْسَانَهُ ... وَخَالَفَ الرَّحْمَنَ لَمَّا خَلا

هَؤلاءِ يَجْعَلُ الله أَعْمَالَهُم يَومَ القِيَامَةِ هَبَاءً مَنْثُورًا، «لا يَنْتَفِعُ مَنْهَا صَاحِبُهَا بِشَيءٍ أَصْلاً؛ وَهَذا مِنْ أَعْظَمِ الحَسَرَاتِ عَلَى العَبْدِ يَومَ القِيَامَةِ أَنْ يَرَى سَعْيَهُ كُلَّهُ ضَائِعاً لَمْ يَنْتَفِعْ مِنْهُ بِشيءٍ، وَهُوَ أَحْوجُ مَا كَانَ العَامِلُ إِلى عَمَلِهِ، وَقَدْ سَعِدَ أَهلُ السَّعيِ النَّافِعِ بِسَعْيِهِم»

ج- عَنْ أَبي هُرَيرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ الله عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ».

فَإِنَّ هَؤلاءِ الثَلاثَةَ الذينَ يُرِيدُونَ الرِّيَاءَ وَالسُّمْعَةَ، هُم بِإِزَاءِ الثَّلاثَةِ الذينَ بَعَدَ النَّبيِّينَ مِنَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحينَ.

فَإِنَّ مَنْ تَعَلَّمَ العِلْمَ الَّذي بَعَثَ اللهُ بِهِ رُسُلَهُ، وَعَلَّمَهُ لِوَجْهِ الله، كَانَ صِدِّيقاً، وَمَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ العُلْيَا، وَقُتِلَ كَانَ شَهِيداً، وَمنْ تَصَدَّقَ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله كَانَ صَالِحاً

د- عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ وَإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ».

وَقَوْلُهُ: «فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ» إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ بَاطِنَ الأَمْرِ يَكُونُ بِخِلافِ ذَلِكَ، وَأَنَّ خَاتِمَةَ السُّوءِ تَكُونُ بِسَبَبِ دَسِيسَةٍ بَاطِنَةٍ لِلْعَبْدِ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا النَّاسُ، فَتِلْكَ الخَصْلَةُ الخَفِيَّةُ تُوجِبُ سُوءَ الخَاتِمَةِ عِنْدَ المَوْتِ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غِشٌّ وَآفَةٌ، لَمْ يَقْلِبِ الله إِيمَانَهُ.

وَمِنْ هُنَا كَانَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُم مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ: يَخَافُونَ عَلَى أُنْفُسِهِمُ النِّفَاقَ، وَيَشْتَدُّ قَلَقُهُم وَجَزَعُهُم مِنْهُ.

«وَأَسَاسُ النِّفَاقِ وَأَصْلُهُ: هُوَ التَّزَيُّنُ لِلنَّاسِ بِمَا لَيْسَ فِي البَاطِنِ مِنَ الإِيمَانِ»

عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قال: كانَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: "يا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَينَا؟ قَالَ: "نَعَم، إِنَّ القُلُوبَ بَينَ أُصْبُعَينِ مِنْ أَصَابِعِ الله، يُقَلِّبُهَا كَيفَ يَشَاءُ" .

وَقَالَ ابنُ أَبي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النبيِّ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ، كُلُهُّم يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُم أحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ على إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ

وَقَالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ الله: كَانَ يُقَالُ: النِّفَاقُ اخْتِلافُ السِّرِّ وَالعَلانِيَةِ، وَالقَولِ وَالعَمَلِ

وَعَنْ جُبَيرِ بنِ نُفَيرٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبي الدَّرْدَاءِ مَنْزِلَهُ بِحِمْصَ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي في مَسْجِدِهِ، فَلَمَّا جَلَسَ يَتَشَهَّدُ فَجَعَلَ يَتَعَوَّذُ بِالله عَزَّ وَجَلَّ مِنَ النِّفَاقِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ لَهُ: غَفَرَ الله لَكَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، مَا أَنْتَ وَالنِّفَاقَ؟! مَا شَأنُكَ وَمَا شَأنُ النِّفَاقِ؟! فَقَالَ: اللَّهُمَّ غُفْراً-ثلاثاً- لا يَأمَنُ البَلاءَ مَنْ يَأمَنُ البَلاءَ، وَالله إِنَّ الرَّجُلَ لَيُفْتَنُ في سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَنْقَلِبُ عَنْ دِينِهِ

وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بنِ قُرَّةَ قَالَ: أَنْ لا يَكُونَ فِيَّ نِفَاقٌ، أَحَبُّ إِليَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. كَانَ عُمَرُ يَخْشَاهُ وَآمَنُهُ أَنَا؟

وَقَالَ بِلالُ بنُ سَعدٍ: لا تَكُنْ وَليًّا لله عَزَّ وَجَلَّ في العَلانِيَةِ، وَعَدُوَّهُ في السِّرِّ

وَلِأَجْلَ هَذَا: خَافَ عِبَادُ الله تَعَالَى الصَّالِحُونَ عَلَى قُلُوبِهِم، وَبَكَوا عَلَيْهَا وَصَرَفُوا عِنَايَتَهُم إِلَيْهَا.

جَعَلَنَا الله وَإِيَّاكُم مِنَ المُعْتَبِرِينَ بِالعِبَرِ، المُهْتَمِّينَ بِمَواضِعِ الخَطَرِ، الموَفَّقِينَ لإِصْلاحِهَا بِحُسْنِ النَّظَرِ، إِنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

عَلامَاتُ القَلْبِ السَّلِيمِ

 

قَالَ الله تَعَالَى: ? يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ? [الشعراء:88-89].

العَلامَةُ الأُولَى: أَنْ يَكُونَ سَالِمًا مِنْ مَحَبَّةِ مَا يَكْرَهُهُ الله، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ سَلامَتُهُ مِنَ الشِّرْكِ الَجلِيِّ وَالخَفِيِّ، وَمِنَ الأَهْوَاءِ وَالبِدَعِ، وَمِنَ الفُسُوقِ وَالمَعَاصِي - كَبَائِرِهَا وَصَغَائِرِهَا - الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ، كَالرِّيَاءِ، وَالعُجْبِ، وَالغِلِّ، وَالغِشِّ، وَالحِقْدِ، وَالحَسَدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ

عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «كُلُّ مَخْمُومِ القَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ».قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ القَلْبِ؟ قَالَ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ لا إِثْمَ فِيهِ، وَلا بَغْيَ وَلا غِلَّ وَلا حَسَدَ».

هذا القلبُ أحبُّ القلوبِ إِلَى الله وأكثَرُهَا "خيراً، تنبعُ منهُ عيونُ الخيرِ، وتتفجرُ منهُ ينابيعُ البرِّ، ومبارُّ الله ونِعَمُهُ تغشاهُ عَلَى الدَّوَامِ".

العَلامَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَرْتَحِلَ عَنِ الدُّنيَا حَتَّى يَنْزِلَ بِالآخِرَةِ، وَيَحِلَّ فِيهَا، حَتَّى يَبْقَى كَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا وَأَبْنَائِهَا، جَاءَ إِلَى هَذِهِ الدَّارِ غَرِيبًا يَأْخُذُ مِنْهَا حَاجَتَهُ، وَيَعُودُ إِلَى وَطَنِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: «كُنْ فِي الدُّنيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَعُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ القُبُورِ»

وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنْهُ: ارْتَحَلَتِ الدُّنيَا مُدْبِرَةً، وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ وَلا حِسَابٌ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلا عَمَلٌ

عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «كُلُّ مَخْمُومِ القَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ».قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ القَلْبِ؟ قَالَ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ لا إِثْمَ فِيهِ، وَلا بَغْيَ وَلا غِلَّ وَلا حَسَدَ».

هذا القلبُ أحبُّ القلوبِ إِلَى الله وأكثَرُهَا "خيراً، تنبعُ منهُ عيونُ الخيرِ، وتتفجرُ منهُ ينابيعُ البرِّ، ومبارُّ الله ونِعَمُهُ تغشاهُ عَلَى الدَّوَامِ").

العَلامَةُ الثَّالثةُ: أَنْ يَرْتَحِلَ عَنِ الدُّنيَا حَتَّى يَنْزِلَ بِالآخِرَةِ، وَيَحِلَّ فِيهَا، حَتَّى يَبْقَى كَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا وَأَبْنَائِهَا، جَاءَ إِلَى هَذِهِ الدَّارِ غَرِيبًا يَأْخُذُ مِنْهَا حَاجَتَهُ، وَيَعُودُ إِلَى وَطَنِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: «كُنْ فِي الدُّنيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَعُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ القُبُورِ»

وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنْهُ: ارْتَحَلَتِ الدُّنيَا مُدْبِرَةً، وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ وَلا حِسَابٌ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلا عَمَلٌ

العَلامَةُ الرابعةُ: أَنَّهُ لا يَفْتُرُ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ، وَلا يَسْأَمُ مِنْ خِدْمَتِهِ، وَلا يَأْنَسُ بِغَيْرِهِ، إِلا بِمَنْ يَدُلُّهُ عَلَيْهِ، وَيُذَكِّرُهُ بِهِ، وَيُذَاكِرُهُ بِهَذَا الأَمْرِ. فَذِكْرُ الله عِنْدَهُ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ، وَأَشْهَى مِنَ المَاءِ العَذْبِ الصَّافِي عِنْدَ العَطْشَانِ فِي اليَوْمِ الصَّائِفِ.

العَلامَةُ الخامسةُ:أَنَّهُ «إِذَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ القَبَائِحُ؛ نَفَرَ مِنْهَا بِطَبْعِهِ، وَأَبْغَضَهَا، وَلَمْ يَلْتَفِتَ إِلَيْهَا»، حَيَاؤُهُ يَمْنَعُهُ عَنِ القَبَائِحِ، وَالحَيَاءُ «هُوَ مَادَّةُ حَيَاةِ القَلْبِ، وَهُوَ أَصْلُ كُلِّ خَيْرٍ، وَذَهَابُهُ ذَهَابُ الخَيْرِ أَجْمَعِهِ»

فَإِنَّ حَيَاةَ القَلْبِ هِيَ المَانِعَةُ مِنَ القَبَائِحِ الَّتِي تُفْسِدُ القَلْبَ. فَإِنَّ الحَيَّ يَظْهَرُ عَلَيْهِ التَّأَثُّرُ بِالقَبِيحِ، وَلَهُ إِرَادَةٌ تَمْنَعُهُ عَنْ فِعْلِ القَبِيحِ، بِخِلافِ الوَقِحِ الَّذِي لَيْسَ بِحَيِيٍّ فَلا حَيَاءَ مَعَهُ، وَلا إِيمَانَ يَزْجُرُهُ عَنْ ذَلِكَ فَلا يَحُسُّ بِمَا يُؤْلِمُهُ مِنَ القَبَائِحِ.

لِذَلِكَ تَرَاهُ يَرْضَى بِتَبَرُّجِ زَوْجَتِهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ، وَمُخَالَطَتِهَا لِلرِّجَالِ، وَدُخُولِهَا عَلَيْهِم وَدُخُولِهِم عَلَيْهَا، حَتَّى عَظُمَ الشَّرُّ وَعَظُمَ البَلاءُ. وَمِنْ تِلْكَ البَلايَا: الأَجْهِزَةُ الخَبِيثَةُ الَّتِي يُدْخِلُهَا المُسْلِمُ بَيْتَهُ، فَإِنَّهَا تُرَبِّي زَوجَتَهُ وَبَنَاتَهُ عَلَى ذَهَابِ الحَيَاءِ.

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَع مَا شِئْتَ»

العَلامَةُ السادسةُ: أَنَّهُ إِذَا فَاتَتْهُ طَاعَةٌ مِنَ الطَّاعَاتِ، وَجَدَ لِفَوَاتِهَا أَلَمًا أَعْظَمَ مِنْ تَأَلُّمِ الحَرِيصِ بِفَوَاتِ مَالِهِ وَفَقدِهِ. كَمَنْ يَحْزَنُ عَلَى فَوتِ الجَمَاعَةِ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَو تُقُبِّلَت مِنْهُ صَلاتُهُ مُنْفَرِدًا، فَإِنَّهُ قَدْ فَاتَهُ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ ضِعْفًا.

وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا يُعَانِي البَيْعَ وَالشِّرَاءَ يَفُوتُهُ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ فِي بَلَدِهِ - مِنْ غَيْرِ سَفَرٍ وَلا مَشَقَّةٍ - قِيمَتُهَا سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا، لأَكَلَ يَدَيْهِ نَدَمًا وَأَسَفًا. فَكَيْفَ وَكُلُّ ضِعْفٍ مِمَّا تُضَاعَفُ بِهِ صَلاةُ الجَمَاعَةِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ، وَأَلْفِ أَلْفٍ، وَمَا شَاءَ اللهُ تَعَالَى؟!

فَإِذَا فَوَّتَ العَبْدُ عَلَيْهِ هَذَا الرِّبحَ، وَهُوَ بَارِدُ القَلْبِ، فَارِغٌ مِنْ هَذِهِ المُصِيبَةِ، فَهَذَا مِنْ عَدَمِ تَعْظِيمِ أَمْرِ الله تَعَالَى فِي قَلْبِهِ

وَكُلَّمَا «كَانَ وُجُودُ الشَّيءِ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ وَهُوَ إِلَيْهِ أَحْوَجُ، كَانَ تَأَلُّمُهُ بِفَقْدِهِ أَشَدَّ، وَكُلَّمَا كَانَ عَدَمُهُ أَنْفَعَ لَهُ، كَانَ تَأَلُّمُهُ بِوجُودِهِ أَشَدَّ، وَلا شَيءَ عَلَى الإِطْلاقِ، أَنْفَعُ لِلعَبْدِ مِنْ إِقْبَالِهِ عَلَى الله، وَاشْتِغَالِهِ بِذِكْرِهِ، وَتَنَعُّمِهِ بِحُبِّهِ، وَإِيثَارِهِ لِمَرضَاتِهِ، بَلْ لا حَيَاةَ لَهُ وَلا نَعِيمَ وَلا سُرُورَ وَلا بَهْجَةَ إِلا بِذَلِكَ، فَعَدَمُهُ آلَمُ شَيءٍ لَهُ وَأَشَدُّهُ عَلَيْهِ».وَهَذا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الإِيمَانِ فِي قَلْبِهِ وَعَلَى حَيَاتِهِ.

العَلامَةُ السَّابعةُ: أَنَّهُ يَشْتَاقُ إِلَى طَاعَةِ رَبِّهِ، كَمَا يَشْتَاقُ الجَائِعُ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.

فَلَوْ عَطَّلَ «الطَّاعَاتِ لَضَاقَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، وَأَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ كَأَنَّهُ الحُوتُ إِذَا فَارَقَ المَاءَ حَتَّى يُعاوِدَهَا، فَتَسْكُنُ نَفْسُهُ وَتَقَرُّ عَيْنُهُ».

العَلامَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّهُ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلاةِ ذَهَبَ عَنْهُ هَمُّهُ وَغَمُّهُ بِالدُّنْيَا، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ خُرُوجُهُ مِنْهَا، وَوَجَدَ فِيهَا رَاحَتَهُ وَنَعِيمَهُ، وَقُرَّةَ عَيْنِهِ وَسُرُورَ قَلْبِهِ. كَمَا قَالَ النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "يَا بِلالُ أَقِمِ الصَّلاةَ، أَرِحْنا بِهَا". وَلَمْ يَقُلْ: أَرِحْنَا مِنْهَا، كَمَا يَقُولُ المُبْطِلُونَ الغَافِلونَ

وَقَال صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ "حُبِّبَ إِلَيَّ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَت قُرَّةُ عَينِي في الصَّلاةِ".

«وَمَنْ كَانَتْ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِي شِيءٍ فَإِنَّهُ يَوَدُّ أَلا يُفَارِقَهُ وَلا يَخْرُجَ مِنْهُ، فَإِنَّ قُرَّةَ عَيْنِ العَبْدِ نَعِيمُهُ وَطِيبُ حَياتِهِ بِهِ»

وَالغَافِلُ المُعْرِضُ لَيسَ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ ذَلِكَ، بَلِ الصَّلاةُ كَبِيرَةٌ شَاقَّةٌ عَلَيهِ، إِذَا قَامَ فِيهَا كَأَنَّهُ عَلَى الجَمْرِ حَتَّى يَتَخَلَّصَ مِنْهَا، وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَيهِ أَعْجَلُهَا وَأَسْرَعُهَا، فَإِنَّهُ لَيسَ لَهُ قُرَّةُ عَينٍ فِيهَا، وَلا لِقَلْبِهِ رَاحَةٌ بِهَا.فَهِيَ كَبِيرَةٌ عَلَى هَذَا، وَقُرَّةُ عَينٍ وَرَاحَةٌ لِذَلِكَ.

فَسُبحَانَ مَنْ فَاضَلَ بَينَ النُّفُوسِ، وَفَاوَتَ بَينَهَا هَذَا التَّفَاوُتَ العَظِيمَ.

العَلامَةُ التَّاسِعَةُ: أَنْ يَكُونَ هَمُّهُ وَاحِدًا، وَأَنْ يَكُونَ فِي الله تَعَالَى. فَيصْبِحُ وَيُمْسِي وَلَيْسَ لَهُ هَمٌّ غَيْرُ رِضَا رَبِّهِ، «قَدْ قَطَعَ هَمُّهُ بِرَبِّهِ عَنْهُ جَمِيعَ الهُمُومِ» فَهَذَا غَايَةُ سَعَادَةِ العَبْدِ. فَمَا أَطْيَبَ عَيشَهُ! وَمَا أَنْعَمَ قَلْبَهُ وَأَعْظَمَ سُرُورَهُ وَفَرَحَهُ!

وَأَيُّ حَيَاةٍ أَطْيَبُ مِنْ حَيَاةِ مَنِ اجْتَمَعَتْ هُمُومُهُ كُلُّهَا وَصَارَتْ هَمًّا وَاحِدًا فِي مَرْضاةِ الله؟ وَلَمْ يَتَشَعَّب قَلْبُهُ، بَلْ أَقْبَلَ عَلَى الله وَاجْتَمَعَتْ إِرَادَتُهُ وَأَفْكَارُهُ عَلَى الله.

وَأَيُّ عَيْشٍ أَنْكَدُ مِنْ عَيْشِ مَنْ قَلْبُهُ مُشَتَّتٌ، وَهَمُّهُ مُفَرَّقٌ، فَلَيْسَ لِقَلْبِهِ مُسْتَقَرٌّ.

العَلامَةُ العَاشِرَةُ: أَنْ يَكُونَ أَشَحَّ بِوَقْتِهِ أَنْ يَذْهَبَ ضَائِعًا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ شُحًّا بِمَالِهِ. فَإِنَّ الفَلاحَ كُلَّ الفَلاحِ فِي الشُّحِّ بِالوَقْتِ.

فَهُوَ «يَرَى عِزَّةَ وَقْتِهِ وَخَطَرَهُ وَشَرَفَهُ وَأَنَّهُ رَأْسُ مَالِ سَعَادَتِهِ، فَيَبْخَلُ بِهِ أَنْ يُضَيِّعَهُ فِيمَا لا يُقَرِّبُهُ إِلَى رَبِّهِ؛ فَإِنَّ فِي إِضَاعَتِهِ الخُسْرَانَ وَالحَسْرَةَ وَالنَّدَامَةَ، وَفِي حِفْظِهِ وَعِمَارَتِهِ الرِّبْحَ وَالسَّعَادَةَ، فَيَشُحُّ بِأَنْفَاسِهِ أَنْ يُضَيِّعَهَا فِيمَا لا يَنْفَعُهُ يَوْمَ مَعَادِهِ». فَيَرَى «أَشَدَّ الأَشْيَاءِ عَلَيْهِ ضَيَاعَ شَيءٍ مِنْ وَقْتِهِ وَوقُوفَهُ عَنْ سَيْرِهِ» إِلَى رَبِّهِ؛ لأَنَّ إِضَاعَةَ الوَقْتِ تَقْطَعُهُ عَنِ الخَالِقِ وَالدَّارِ الآخِرَةِ.

العَلامَةُ الحَادِيَةُ عَشْرَةَ: أَنْ يَكُونَ اهْتِمَامُهُ بِتَصْحِيحِ العَمَلِ أَعْظَمَ مِنْهُ بِالعَمَلِ، فَيَشْهَدُ سِتَّةَ مَشَاهِدٍ:

المَشْهَدُ الأَوَّلُ: الإِخْلاصُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الحَامِلُ وَالدَّاعِي إِلَى الطَّاعَةِ، ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى.

المَشْهَدُ الثَّانِي: مَشْهَدُ الصِّدقِ وَالنُّصحِ، وَهُوَ أَنَّ يُفَرِّغَ قَلْبَهُ لله فِي الطَّاعَةِ، وَيَسْتَفْرِغَ جُهْدَهُ فِي إِقْبَالِهِ فِيهَا عَلَى الله، وَجَمْعِ قَلْبِهِ عَلَيْهَا، وَإِيقَاعِهَا عَلَى أَحْسَنِ الوجُوهِ وَأَكْمَلِهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.

المَشْهَدُ الثَّالِثُ: مَشْهَدُ المُتَابَعَةِ وَالاقْتِدَاءِ، بِالنَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ.

المَشْهَدُ الرَّابِعُ: مَشْهَدُ الإِحْسَانِ وَهُوَ مَشْهَدُ المُرَاقَبَةِ، وَهُوَ أَنْ يَعْبُدَ الله كَأَنَّهُ يَرَاهُ.

المَشْهَدُ الخَامِسُ: مَشْهَدُ المِنَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ المِنَّةَ لله - سُبْحَانَهُ - فِي أَيِّ طَاعَةٍ يَفْعَلُهَا.

قَالَ الله تَعَالَى: ?بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين? [الحجرات: 17].

وَقَالَ تَعَالَى: ?وما بكم من نعمةٍ فمن الله? [النحل: 53]، وَقَالَ سبحانه وتعالى: ?ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه فِي قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوقَ والعصيان أولئك هم الراشدون? [الحجرات: 53].

المَشْهَد السَّادِسُ: مَشْهَدُ التَّقْصِيرِ، وَأَنَّ العَبْدَ لَوِ اجْتَهَدَ فِي القِيَامِ بِالأَمْرِ غَايَةَ الاجْتِهَادِ وَبَذَلَ وُسْعَهُ فَهُوَ مُقَصِّرٌ، وَحَقُّ الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ، وَالَّذِي يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَابَلَ بِهِ مِنْ الطَّاعَةِ وَالعُبُودِيَّةِ وَالخِدْمَةِ فَوْقَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، وَأَنَّ عَظَمَتَهُ وَجَلالَهُ سُبْحَانَهُ يَقْتَضِي مِنَ العُبُودِيَّةِ مَا يَلِيقُ بِهَا.

فَهَذِهِ سِتَّةُ مَشَاهِدٍ لا يَشْهَدُهُا إِلا القَلْبُ الحَيُّ السَّلِيمُ.

وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ يَخَافُ أَنْ لا يُتَقَبَّلَ مِنْهُ.

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ?وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ? [المؤمنون: 60] قَالَتْ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: «لا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُم يَخَافُونَ أَنْ لا يُقْبَلَ مِنْهُم، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ»

فَيَا لَهَا مِنْ مَشَاهِدَ، مَا أَجَلَّهَا وَأَعْلاهَا، وَمَا أَعْظَمَ حَظَّ مَنْ نَالَهَا وَتَبَوَّأَ عُلاهَا.

وَبِالجُمْلَةِ؛ فَالقَلْبُ السَّلِيمُ: هَمُّهُ كُلُّهُ فِي الله، وَحُبُّهُ كُلُّهُ لَهُ، وَقَصْدُهُ لَهُ، أَفْكَارُهُ تَحُومُ عَلَى مَرَاضِيهِ وَمَحَابِّهِ. فَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ لله، وَإِنْ نَطَقَ نَطَقَ لله وَبِالله، وَإِنْ تَحَرَّكَ فَبِأَمْرِ الله، وَإِنْ سَكَنَ فَسُكُونُهُ اسْتِعَانَةٌ عَلَى مَرْضَاةِ الله.

لا يَفْرَحُ بِمَوْجُودٍ، وَلا يَأْسَى عَلَى مَفْقُودٍ. فَلا يَسْتَغْنِي إِلا بِالله، وَلا يَفْتَقِرُ إِلا إِلَى الله، وَلا يَفْرَحُ إِلا بِمُوَافَقَتِهِ لِمَرْضَاةِ الله، وَلا يَحْزَنُ إِلا عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ الله، وَلا يَخَافُ إِلا أَنْ يَفُوتَهُ رِضَا الله، وَسَيْرُهُ دَائِمًا إِلَى الله، تَعْتَرِضُهُ كَثْرَةُ جُيُوشِ الشَّهَوَاتِ، وَتُغِيرُ عَلَى قَلْبِهِ كُلَّ وَقَتٍ، فَهُوَ هَارِبٌ إِلَى رَبِّهِ مِنْ بَيْنِ تِلْكَ الجُيُوشِ، يَتَحَمَّلُ مِنْهَا لأَجْلِ الله مَا لا تَتَحَمَّلُهُ الجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ. وَحَالُهُ كَمَا قِيلَ:

تَزُولُ الجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ وَقَلْبُهُ ... عَلَى العَهْدِ لا يَلْوِي وَلا يَتَغَيَّرُ

هَذِهِ عَلامَاتُ القَلْبِ السَّلِيمِ، فَلَهُ النَّعِيمُ المُقِيمُ، وَالعَيْشُ السَّلِيمُ، فِي جِوَارِ الرَّبِّ الكَرِيمِ.

فَلنَتَأَمَّلْ قَدْرَ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَلْنَتَدَبَّرهَا حَقَّ التَّدَبُّرِ، وَلْنَزِنْ أَنْفُسَنَا بِهَا، وَلْنَنْظُرْ أَينَ نَحْنُ مِنْهَا؟!

نَسْأَلُ الله تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ الحُسنَى وصِفَاتِهِ العُلَى، أَنْ يَرْزُقَنَا قُلُوبًا سَلِيمَةً، إِنَّهُ وَليُّ ذَلِكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ.

* * *

عِلاجُ القُلُوبِ

اعْلَمْ - أَصْلَحَ الله قَلْبَكَ - بِأَنَّ القَلُوبَ تَمْرَضُ بِالمَعَاصِي وَالشَّهَوَاتِ، وَتَأثِيرُ "الذُّنُوبِ فِي القُلُوبِ كَتَأثِيرِ الأَمْرَاضِ فِي الأَبْدَانِ، بَلِ الذُّنُوبُ أَمْرَاضُ القُلُوبِ وَدَاؤُهَا، وَلا دَوَاءَ لَهَا إِلا تَرْكُهَا"

قَالَ ابنْ المُبَارَكِ رَحِمَهُ الله تَعَالَى:

رَأَيتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ ... وَقَد يُورِثُ الذُّلَّ إِدمَانُهَا

وَتَركُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ القُلُوبِ ... وَخَيرٌ لِنَفسِكَ عِصيَانُهَا

فَإِنْ عَالَجَهُ صَاحِبُهُ شُفِيَ، وَإِنْ تَرَكَهُ تَزَايَدَ المَرَضُ حَتَّى يَمُوتَ، قَالَ تعالى: ?في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون? [البقرة: 10]، فَعَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يَعْتَنِيَ بِقَلْبِهِ، وَيَحْرِصَ عَلَى أَنْ يُعَالِجَهُ بِالأُمُورِ التَّالِيَةِ:

 

أولاً: قِرَاءَةُ القُرْآنِ الكَرِيمِ بِالتَّدَبُّرِ

القُرْآنُ الكَرِيمُ، رَبِيعُ القُلُوبِ، وَشِفَاءُ الصُّدُورِ، وَنُورُ البَصَائِرِ، وَحَيَاةُ الأَرْوَاحِ، وَهُوَ كَلامُ رَبِّ العَالَمِينَ. يَسْتَضِيءُ بِهِ العَبْدُ فِي ظُلُمَاتِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَيَتَعَزَّى بِهِ عَنْ كُلِّ فَائِتٍ، وَيَتَعَزَّى بِهِ عَنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَيَسْتَشْفِي بِهِ مِنْ أَدْوَاءِ قَلْبِهِ.

قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: ? ياأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ? [يونس: 57].

وَقَالَ تَعَالَى: ?قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء? [فصلت: 44].

وَقَالَ سبحانه وتعالى: ?وَنُنَزِّلُ من الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ? [الإسراء: 82].

فَتَبَارَكَ مَنْ جَعَلَ كَلامَهُ شِفَاءً لِصُدُورِ المُؤْمِنِينَ، وَحَيَاةً لِقُلُوبِهِم، وَنُورًا لِبَصَائِرِهِم، وَغِذَاءً لِقُلُوبِهِم، وَقُرَّةً لِعُيُونِهِم. فَمَنِ اسْتَشْفَى بِهِ صَحَّ وَبَرِىءَ مِنْ مَرَضِهِ.

فَيَا مَنْ تَبْحَثُ عَنْ دَوَاءٍ لِقَلْبِكَ، دَوَاؤُكَ فِي القُرْآنِ.

وَيَا مَنْ تَبْحَثِينَ عَنْ دَوَاءٍ لِقَلْبِكِ، دَوَاؤُكِ فِي القُرْآنِ.

وَكَيفَ تُقَاوِمُ الأَدوَاءُ كَلامَ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، الَّذِي لَو أُنزِلَ عَلَى جَبَلٍ لَتَصَدَّعَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَجَلالَتِهِ.

فَتَدَبَّر فِي لَطَائِفِ خِطَابِهِ، وَطَالِبْ نَفْسَكَ بِالقِيَام بِأَحْكَامِهِ، وَقَلْبَكَ بِفَهْمِ مَعَانِيهِ، وَسِرَّكَ بِالإِقْبَالِ عَلَيْهِ

ثَانِيًا: ذِكْرُ اللهِ

اعْلَم - أَصْلَحَ الله قَلْبَكَ - بِأَنَّ لِذِكْرِ الله آثَارًا جَلِيلَةً عَلَى القَلْبِ، مِنْهَا:

أ- شِفَاءُ القَلْبِ: ذِكْرُ الله تَعَالَى دَوَاءُ القَلْبِ، وَالغَفْلَةُ مَرَضُهُ، فَالقُلُوبُ مَرِيضَةٌ، وَشِفَاؤُهَا فِي ذِكْرِ الله تَعَالَى. كَمَا قِيلَ:

إِذَا مَرِضْنَا تَدَاوَيْنَا بِذِكْرِكُمُ ... فَنَتْرُكَ الذِّكْرَ أَحْيَانًا فَنَنْتَكِسُ

ب- جَلاءُ القَلْبِ: وَذِكْرُ الله يُورِثُ جَلاءَ القَلْبِ مِنْ صَدَئِهِ. «وَلا رَيْبَ أَنَّ القَلْبَ يَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ النُّحَاسُ وَالفِضَّةُ وَغَيْرُهُمَا، وَجَلاؤُهُ بِالذِّكْرِ، فَإِنَّهُ يَجْلُوهُ حَتَّى يَدَعَهُ كَالمِرْآةِ البَيضَاءِ؛ فَإِذَا تَرَكَ الذِّكْرَ صَدِىءَ، فَإِذَا ذَكَرَ جَلاهُ.

وَصَدَأُ القَلْبِ بِأَمْرَيْنِ: بِالغَفْلَةِ وَالذَّنْبِ، وَجَلاؤُهُ بِشَيْئَيْنِ: بِالاسْتِغْفَارِ وَالذِّكْرِ»

ج- حَيَاةُ القَلْبِ: حياةُ القلبِ بدوامِ الذِّكرِ، لا حَيَاةَ لَهُ بِدُونِ ذَلِكَ أبداً. فَإِنَّهُ «لِلقَلْبِ مِثْلُ المَاءِ لِلسَّمَكِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُ السَّمَكِ إِذَا فَارَقَ المَاءَ؟!»

بَلْ إِنَّ القُلُوبَ المَيِّتَةَ تَحْيَى بِالذِّكْرِ، كَمَا تَحْيَى الأَرْضُ المَيِّتَةُ بِالقَطْرِ.

وَالذِّكْرُ فِيهِ حَيَاةُ القُلُوبِ كَمَا ... يُحْيِي البِلادَ إِذَا مَا مَاتَتِ المَطَرُ

وَالقَلْبُ الذَّاكِرُ كَالحَيِّ فِي بُيُوتِ الأَحْيَاءِ، وَالغَافِلُ كَالمَيِّتِ فِي بِيُوتِ الأَمْوَاتِ. وَلا رَيْبَ أَنَّ أَبْدَانَ الغَافِلِينَ قُبُورٌ لِقُلُوبِهِم، وَقُلُوبُهُم فِيهَا كَالأَمْوَاتِ فِي القُبُورِ، كَمَا قِيلَ:

فَنِسْيَانُ ذِكْرِ الله مَوْتُ قُلُوبِهِمُ ... وَأَجْسَامُهُم قَبْلَ القُبُورِ قُبُورُ

«فَإِنَّ أَبْدَانَهُم قُبُورٌ لِقُلُوبِهِم، فَقَدْ مَاتَتْ قُلُوبُهُم، وَقُبِرَتْ فِي أَبْدَانِهِم».

عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ».

فَحَقِيقٌ بِالعَبْدِ أَنْ يُنْزِلَ ذِكْرَ الله مِنْهُ، «مَنْزِلَةَ حَيَاتِهِ الَّتِي لا غِنَى لَهُ عَنْهَا، وَمَنْزِلَةَ غِذَائِهِ الَّذِي إِذَا فَقَدَهُ فَسَدَ جِسْمُهُ وَهَلَكَ، وَبِمَنْزِلَةِ المَاءِ عِنْدَ شِدَّةِ العَطَشِ، وَبِمَنْزِلَةِ اللِّبَاسِ فِي الحَرِّ وَالبَرْدِ»

 


محمد أحمد العنانى / إمام وخطيب بوزارة الأوقاف - مسجد منصور خيرالله بالعباسية

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق