]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قراءة فى فكر السلفى الصوفى ابن القيم

بواسطة: أحمد المغازى كمال  |  بتاريخ: 2014-08-22 ، الوقت: 13:00:22
  • تقييم المقالة:

ألّف الشيخ الهروى كتابًا صغيرًا أسماه «منازل السائرين»، فأراد ابن القيم- رحمه الله- أن يستدرك على شيخه الهروى فى بعض المسائل، فكتب شرحًا طويلًا لكتابه أسماه «مدارج السالكين فى منازل إياك نعبد وإياك نستعين».. ومن فرط أدبه مع شيخه قال: «مثلى ومثل الشيخ الهروى كمثل الهدهد مع سيدنا سليمان، حيث وقف الهدهد على باب سيده سليمان ذليلاً وهو يستدرك عليه بعض ما نسيه أو أخطأه قائلاً «أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ»، ويبقى الهدهد هو الهدهد وسيدنا سليمان هو النبى والملك العظيم». كانت هذه بعض مقدمة العلامة الزاهد ابن القيم لكتابه العظيم «مدارج السالكين» فى شرحه لكتاب الهروى، ويعلق على هذا الأمر العظيم الشيخ محمد الغزالى قائلاً: «فانظر إلى أدب العلماء مع بعضهم البعض». فلم يتحدث ابن القيم بلغة التبذل أو الإهانة أو الشتم، أو حتى لغة الردح السائدة الآن فى أوساطنا، فيقول مثلاً جهالات أو سخافات أو سقطات أو ترهات أو غباءات الهروى، أو بالخيانة والعمالة التى تعم مجتمعاتنا الآن. هكذا كان ابن القيم الذى أريد اليوم أن أتحدث عن فكره، فهو أرق كثيرًا من شيخه ابن تيمية الذى كان شديد المراس فى المنافحة عن الرأى الذى يراه، وحادًا فى صراعاته الفكرية مع الآخرين، وصارمًا فى الشدة معهم. ابن القيم، أو ابن قيم الجوزية، حيث كان أبوه ناظرًا- أو قيمًا بلغة عصره- لإحدى المدارس العلمية. وهو تلميذ ابن تيمية الأشهر والأثير، وصاحب الكلمات الرائعة والكتب التى تفيض علمًا وفقهًا وزهدًا، وهو من العلماء القلائل الذين جمعوا بين فقه السلف وزهد الصوفية، وبين العلم بالله والعلم بغير الله.. وقد كان ابن القيم إمامًا وفقيهًا فذًا وغير تقليدى، وفى بدايته كان تلميذًا نجيبًا مقلدًا لشيخ الإسلام ابن تيمية، وكان وقتها دون العشرين من عمره، لكنه تراجع عن الكثير من آراء شيخه ابن تيمية، بل إنه غير طريقته والكثير من أفكاره، بل وطريقة عرض هذه الأفكار، وكانت له كلمته المأثورة التى تبين أنه لا يقلد شيخه ابن تيمية فى كل ما ذهب إليه، وفى كل المعارك التى خاضها شيخه ابن تيمية مع طوائف فكرية ومذهبية كثيرة. ولذا يهتف ابن القيم دومًا فى كتبه قائلاً: «شيخ الإسلام ابن تيمية حبيب إلى قلوبنا، ولكن الحق أحب إلينا منه»، وكأنه يريد أن يعلن للدنيا كله استقلال فكره عن فكر شيخه، وأن مرحلة تقليده لشيخه فى كل شىء وهو دون العشرين من عمره قد انتهت دون رجعة، وأنه الآن يحق له أن يستدرك على شيخه، لكن دون تطاول أو تجاوز، بل بمنتهى الأدب والخلق الجميل والاعتراف بالفضل. وقد قرأت معظم كتب ابن تيمية وابن القيم، فوجدت أنا وغيرى أن الجميع يحب قراءة كتب ابن القيم أكثر من كتب ابن تيمية، لروعة أسلوبها وعذوبتها، ويسر طريقته، وسهولة عرضه، مع اهتمامه الكبير بقضايا الزهد والتصوف، وعلاقة العبد بربه، وعدم دخوله فى صراعات فكرية مع أى مذاهب أخرى، ولو فعل فإنه يفعل ذلك بطريقة رقيقة هادئة. لذلك اعتبر البعض أن ابن القيم أعظم أثرًا من شيخه، وأن الجميع يحب القراءة له، حيث لم يحدث حوله الصراع والنزاع والجدل الذى ثار حول شيخه ابن تيمية. لقد كان ابن القيم مقبولاً من الجميع، من السلفية والصوفية والحنابلة والشافعية والسنة والشيعة. لقد كانت المرحلة الثانية فى حياة ابن القيم هى مرحلة النضج والتوجه إلى الجانب العاطفى والتصوف فى الإسلام، وهذه عادة كبار العلماء والكتاب فى أواخر حياتهم، فقد كان ابن القيم فى بداية حياته مثلاً ينكر المجاز، بل يصفه أنه طاغوت يصد عن سبيل الله، لكنه عندما نضج وكبر أدرك قيمة المجاز فى القرآن والسنة وغيرهما، ودافع عنه، بل قال: «إنكار المجاز جهل بالدين، وسفه فى العقل». هذا الفقيه العظيم ابن القيم يتحدث منذ قرابة ألف عام قائلًا: «أينما تكون المصلحة فثم شرع الله»، ووالله لو قالها اليوم غيره لكفره أو فسقه أو بدعه البعض، ولولا أنه قالها منذ قرابة ألف عام ما جرؤ أحد أن يقولها اليوم. هذا الفقيه العلامة الودود المحب لله وللناس يهتف قائلاً: «الحب غدير فى صحراء ليس عليه جادة، ولهذا قل وارده». ويقول: «رضا الناس غاية لا تدرك، ورضا الله غاية لا تترك، فاترك ما لا يدرك وأدرك ما لا يترك». ويقول: «الدنيا جيفة والأُسد- جمع أسد- لا تقف على الجيف» ويقول: «من تلمح حلاوة العافية هان عليه مرارة الصبر». ومن أقواله: «إنما تفاوت القوم بالهمم لا بالصور». ومنها: «إذا اقتدحت نار الانتقام من نار الغضب ابتدأت بإحراق القادح». ومنها: «أوثق غضبك بسلسلة الحلم فإنه كلب إن أفلت أتلف». ومنها: «جمع النبى صلى الله عليه وسلم بين تقوى الله وحسن الخلق، لأن تقوى الله تصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه، فتقوى الله توجب له محبة الله، وحسن الخلق تدعو الناس إلى محبته». ومنها: «البخيل فقير لا يؤجر على فقره». ومنها: «عزلة الجاهل فساد، وأما عزلة العالم فمعها غذاؤها وسقاؤها». ومنها: «تزينت الدنيا لعلى رضى الله عنه فقال: أنت طالق ثلاثًا لا رجعة لى فيك، وكانت تكفيه واحدة للسنة، لكنه جمع الثلاث لئلا يتصور للهوى جواز المراجعة، ودينه الصحيح وطبعه السليم يأنفان من المحلل، كيف وهو أحد رواة حديث لعن الله المحلل». ومنها: «إذا كان عرش الرحمن قد اهتز لموت بعض أتباعه فرحًا واستبشارًا بقدوم روحه، وهو الصحابى سعد بن معاذ، فكيف بقدوم روح سيد الخلائق محمد صلى الله عليه وسلم؟ فيا منتسبًا إلى غير هذا الجناب، ويا واقفًا بغير هذا الباب، ستعلم يوم الحشر أى سريرة تكون عليها «يوم تبلى السرائر». ومنها: «من أحدث فى صلاته قبل السلام بطل ما مضى من صلاته، ومن أفطر قبل غروب الشمس ذهب صيامه ضائعًا، ومن أساء فى آخر عمره لقى ربه بذلك الوجه» ومنها: «لما سلم لآدم أصل العبودية لم يقدح فيه الذنب».. ابن آدم لو لقيتنى بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتنى لا تشرك بى شيئًا لقيتك بقرابها مغفرة. لقد استطاع ابن القيم أن يحقق خلطة سحرية من علمه العظيم، أرضت السلفى والصوفى والعالم والعامى والقريب والبعيد، إذ أنه جمع بين فقه السلف وزهد المتصوفة العظام بطريقة صحيحة لا تخدش حياء الأحكام، ولا تحول الدين فى الوقت نفسه إلى رسوم جامدة لا معنى لها، ولا قلب، ولا مشاعر، ولا مقاصد. إنه النموذج الذى ينبغى أن يكون عليه أهل السلف حقًا، وهو المثال الذى ينبغى للمتصوفة الصالحين المتفقهين أن يكونوا عليه، وهو النموذج الذى ينبغى أن يكون عليه فقهاء اليوم. ولك أن تتأمل فقط عناوين كتبه لتدرك مدى الرقة التى ملأت حاشية ابن القيم، ومدى جمعه بين العلم بالله والعلم بأمر الله، وبين علم الشريعة وزهد الحقيقة وتصوفها.. فمن كتبه مثلاً: «روضة المحبين»، و«شفاء العليل»، و«الجواب الكافى لمن سأل عن الدواء الشافى»، و«الروح»، و«مدارج السالكين فى منازل إياك نعبد وإياك نستعين». إنها كتب تربط بين الأرض والسماء، وقلب الإنسان وملكوت الرحمن، وبين الخلق والخالق سبحانه. إن المجتمعات الإسلامية اليوم فى حاجة إلى هذا النموذج الذى يصل السلفية بالصوفية، ويصل الحركة الإسلامية بعوام المسلمين، ويصل المسلم بغير المسلم.. إنه نموذج يزيل الأحقاد والعداوات ويورث الرحمات والبركات.. إنه نموذج الحب لا الكراهية والجمع لا التفريق، والتيسير لا التعسير، والنظر إلى مصالح العباد لا إلى الإضرار بهم وتركهم فى عنت ومشقة.. إنه ابن القيم الذى لا تعرفه أكثر أجيالنا.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق