]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

جواز السفر

بواسطة: عزيزة محمود خلايلة  |  بتاريخ: 2014-08-19 ، الوقت: 17:36:38
  • تقييم المقالة:

جواز السّفر

 

       تحرص الحكومات العربيّة على جوازات السّفر، وأنا في هذا البلد العربيّ المضيف أحرص على جواز سفري، أينما ذهبت، في المشفى في الحمّام، حتّى عندما أذهب لدفن أحد الموتى أحمله معي، يوم زواجي طلبت منّي العروس أن أضمّها، فاعتذرت لأنّني أضمّ جواز السّفر، عند نومي كنت أجعله بيني وبينها، وأحياناً كنت أضعه تحت مخدّتي ليجنّبني كوابيس الوحدة العربيّة، وفي وصيّتي أكدت لهم  أنّ من الضّروري أن يوضع تحت رأسي، حتّى عندما ذهبت لألقي محاضرة عن الوطن العربيّ الكبير الواحد المتّحد الموحّد حملته معي قبل أن أحمل الكلمة التي سألقيها في الاحتفال، أبي يحرص عليه مثلي، وإخوتي وأخواتي، وأصدقائي، وجيراني، وكلّ أبناء الدّول المجاورة، أليس من الرّائع أن ما يوحّدنا أنّنا جميعاً نحرص على جوازات السّفر؟

     قصفوا أهلي في غزّة، أبادت الغارات أسراً بأكملها، تناثرت أشلاء الأطفال في كلّ مكان، صار هناك مئة متر تفصل بين قدم وقدم لشهيد، رأيت امرأة قد بدأت تفطر في رمضان بعد الأذان، فجعلتها القذائف تسبح في دمائها، وما زالت ملعقتها في يدها، كلّما شاهدت الشّهداء والدّماء والأشلاء، كنت أتساءل سؤالاً واحداً: ترى ماذا حلّ بجوازات سفرهم؟ فرحيل شهيد لا يهمّ، وانهيار منزل على رؤوس ساكنيه لا يهمّ، واشتعال منزل لا يهمّ، ولكن الطّامة الكبرى إن احترق جواز السّفر!

      كم يربكني هذا الجواز أين أضعه؟ وزير الدّاخليّة اقترح عليّ أن أضعه فوق المصحف الشّريف، أمّا المفتي العام فقال: ضعه بجانب المصحف، وأشار وزير الأوقاف بوضعه تحت المصحف، مؤكّداً أنّه وقف مثل المساجد والكنائس وتكيّة سيّدنا إبراهيم لا يجوز بيعه ولا شراؤه ولا التّصرّف فيه، ونصحني البعض بوضعه في الحمّام، لكن بعيداً عن المياه قرب الصّنبور، والبعض قال: ليس عليك حرج لو وضعت جوازات سفر اثنتين وعشرين دولة في الحمّام تحت الصّنبور؟

      احترق بيتي، وصورة والدتي المعلّقة على الحائط منذ وفاتها قبل عشرين عاما، والمصحف الشّريف، وكلّ ذكرياتي، واحترق أخي وأختي، وصاروا في عداد الموتى، فدعاني مسؤول الأمن وأحرق بالنّار ظهري، وكسر سبعة من أضلاعي عندما تناهى إلى مسامعة أنّه احترق جواز السّفر، سألته: لماذا لا يعدم ذاك الذي أحرق في يوم واحد ألفين وستّمئة جواز سفر، وجرح ما يزيد على سبعة آلاف جواز سفر؟ بصق في وجهي وقال: اخرس ذاك قضاء وقدر!

        ولماذا لا  يعدم ذلك الذي قصف بالقذائف في شهر واحد ألفي جواز سفر، وجرح عشرة آلاف، وبتر أطراف ثلث هذا العدد من جوازات السّفر؟ صفعني على  وجهي قائلاً:  اخرس كان ثلثاهم من الأطفال والأطفال أصلاً لا يمتلكون جوازات سفر، ثمّ إنّ ذاك الذي يمتلك براءة اختراع فكرة جوازات السّفر.

 

                                                                    مشرفة اللغة العربية

 

                                                                  عزيزة محمود الخلايلة

 

                                                                   مكتب التربية/ الخليل

 

  Email : azizah_m2012@yahoo.com                                                                                             

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق